Part 1
Part 2
Part 3
Part 3

ركَن درّاجتهُ بجَانِب المكتبَة حاملًا البعض الكُتب بَين يدَيه, إنّهُ يومُ الأحدِ لذلكَ هُو هنَا فِي وقتٍ باكرٍ.

"مَرحبًا أُريد إعَادة الكُتب"
تَرك مَا بِحوزتِه عِند عامِل المكتبَة و تَوجّه إلَى الدّاخِل لِيبحَث عَن كتُب أُخرى حتّى يَمضي وقتهُ فِي قراءتِِها, لكِِنّ وجدَ نفسَه فِي قِسم الأدَب تلقائيًا, يقِف عِند أحدِ الرّفُوف يُحدّق بِها طويلًا.

"أشعُر بالفُضولِ حيَالهُ.."

أخَذ الكِتاب مِن بَين البَقيّة و فَتح صفحاتٍ عشوائيّةٍ, ينقُل بصرهُ بَين الأسطُر بعَدم تركيزٍ. إنّه الكتابُ الذّي سبَق و رَأى أماندَا تَبتاعُه قَبل شهرٍ مِن الآن, خطرَت بعَقله فكرةٌ جريئَة كمُبادرةٍ بالإقتِراب إلَى تِلك الفتَاة المُنعزلة, حَاول كثيرًا خِلال هذَا الشّهرِ أَن يخُوض حديثًا معهَا فِي كُلّ صباحٍ تأتِي بِه إلَى المَقهى لكِنّها كانَت تُنهي الحَديث بإجابةٍ واحِدة ثمّ تسِير مُبتعدةً, إن لَم تكُن تعملُ ناثِرةً أوراقَها فَوق الطّاولة فسوفَ تكُون شارِدَة الذّهنِ تُحدّق خارِج المَقهى كَـمَن تخُوض صراعًا مَع أفكارٍ كثيرةٍ فِي عقلِها لذلِك إقترابُ تشَانيول منهَا كَان أصعَب ممّا توقّعَ.

"سَوف أشتَريه بالرّغمِ مِن ذلِك"

تقَدّم إلَى الحِساب معَ كتابٍ واحِد مُفاجئًا العَامل الذّي إعتادَ مَجيئهُ بمَجموعةٍ منَ الكُتب.

"كِتابٌ واحِد؟"

إبتسمَ تشَانيول و رَفع كَتفيهِ.
أخَذ الكتابَ و لوّحَ للعامِل يُهروِل مُغادرًا المكتبةَ حتّى يعُود بـأسرعِ وقتٍ خوفًا مِن تفوِيت زيارَة أماندَا للمقهَى كَما حَدث مَعه مرّتَين بسببِ خُروجهِ للتّبضعِ.

كَان يَقود درّاجتَه فِي الحيّ قريبًا مِن مكَان المقهَى و لَم يتوقَّع أَن يُصادفَ سيرَها أمامَه.

"صباحُ الخيرِ"
ألقَى التّحيّة و جَاورها بدرّاجتهِ حتّى يُلفت إنتباههَا.

"صباحُ الخيرِ"
أجابَت عَليه بهدوءٍ و عادَت ببصرِها إلَى الأمامِ بعكسِ تشَانيول الذّي نصَب عيَنيه عليهَا غَير منتبِه إلَى الطّريقِ.

"مُتوجّهةٌ إلَى المقهَى؟"

أومأَت أماندَا بـإبتسامةٍ صغِيرة جعلَت تشَانيول يفقِد توازُنه و أوشكَ علَى الوُقوع مِن درّاجتهِ.

"عليكَ الإنتِباه أكثَر, ألَم السّقوطِ ليسَ بمزحَة"

"أرَى ذلِك"

وصَلا معًا إلَى المقهَى لِيُسرع تشَانيول بِفتح البابِ لهَا ثُمّ عادَ يُغلقه بعدَ دخولِها تحتَ نظراتِها المُتسائِلة.

"أنَا مُتأخّر اليَوم لِذلكَ لَم أُنظّف المكَان بَعد"

برّرَ سببَ إغلاقِه للبابِ لتَهزّ أماندَا رأسَها بفهمٍ و تتوجّه إلَى الطّاولة المُعتادة.

دُون سؤالِها أسرَع تشَانيول بالدّخولِ و إعدَاد شايِ اللّيمُون و فطائِر مربّى الكرَز, يَتساءلُ فِي داخِله إن كانَت تُفوّت وجبةَ الإفطارِ بِمنزلهَا.

"تَفضّلِي"

تتبّعَت أعيُن أماندَا وضعَه للفنجانِ و الطّبقِ علَى الطّاوِلة بالإضافةِ إلَى الزّهرِية, إبتَسمت ترفعُ بصرَها إليهِ, و هذَا مَا يتلهّفُ لهُ تشَانيول كُلّ يَومٍ.

"شُكرًا"
سَقطت إبتسامتُها و نبَت الإستِغراب بوجههَا عندَ جلُوس تشَانيول علَى المِقعد المُقابل لهَا, إلتزَمت الصّمتَ رغمَ تساؤلهَا عَن سببِ جُلوسه معهَا.

"هَل لَا بأْس بصُحبةٍ؟"
حدّقَت بهِ أماندَا و ضيّقت عينَيها قليلًا.

"ظَننتُ أنّك مُنشغل بعملكَ"

"لِينتظِر"

رفعَت حاجِبَيها مُتفاجئةً مِن جوابٍ غيرِ مُتوقّعٍ, أمسكَت فِنجان الشّاي ترتشِف منهُ القليلَ مُتفادِيةً تَحديق الأعيُن الواسِعة أمامهَا.

"لَا أُحبّ أن ينظُر إليّ الغُرباء بطريقةٍ كهذِه"

"لَن ألتهمكِ, أنَا ودِيع"

مَا خطبُ طريقةِ حديثِه الغَريبة, هُما لا يعرِفان أسمَاء بعضِهما حتّى!
هَذا مَا فكّرت بِه أماندَا بينمَا تُراقب نظراتِ تشَانيول المُبتسم بوسعٍ.

"هَل أنهيتِ مِن قِراءة ذلِك الكِتاب؟"

"نِصفُه, أنَا مشغُولة, بالكادِ أتفرّغُ للقِراءة"
أسرَعت بالقَول بعدَ رؤيتِها نظرةً غريبةً فِي أعيُن الرّجُل تُخبِرها أنّه كسُول.

"حَدّثِيني عَنه"

نظرَت أماندَا بعيدًا للحظَةٍ ثُمّ إبتسَمت لترفَع بصرَها نحوَ تشَانيول.
" يُمكنكَ شِراءه إن كُنت تشعُر بالفضُول, إنّه جيّد حتّى لِمن لَا يُفضّلون الكتُب الأدبيّة"

"أعلَم, لكِن أريدكِ أَن تُحدّثيني عنهُ أولًا"

نظرَت إلَيه طويلًا ثمّ أبعدَت بصرَها.

"هَل تحمِلينَه معكِ عادةً؟"
سألَها تشَانيول بينَما يُراقب إخراجَها للكِتاب من حقيبتِها لِتهُزّ رأسَها كَـإجابةٍ.

"إنّه كتابٌ حولَ الأدبِ, يَحتوي قِصصًا قصِيرة مُختلفةً إضافةً إلَى بعضِ الإقتِباساتِ"
رَفعتهُ أمامَ تشَانيول تتحدّثُ بشرحٍ مُبسّط.

"إقرَئِي لِي أكثَر مَا شدّكِ بهِ"
إقتَرب مُستنِدًا بِمرفقَيه علَى الطّاولة ينظُر بِلهفةٍ مُنتظرًا التّلبِية منهَا.

حدّقَت أماندَا بِه ببعضٍ مِن الهُدوء قبلَ أَن تَبدأ فِي تَقليب صفَحات الكِتاب بحثًا.

"هُنا..هَذا السّطر الذّي أحببتُه أكثَر مِن أيّ جزءٍ, و هوَ إجابةُ طِفل تمّ سُؤاله عَن مفهُوم الحُبّ"
شرحَت أوّلًا فَهزّ تشَانيول رأسَه بفهمٍ.

"الحُبّ هُو مَا يجعلكَ تبتسِم عِندما تكُون متعبًا"
رفعَت بصرهَا نحوَه مُجددًا و واصلَت حدِيثها.

"أحببتُ تعبيرَه الصّادق, دَفعني إلَى التّقليب فِي صفحاتِ ذاكِرتي و إكتِشاف لحظَات الحُبّ الكثِيرة التّي مرّت بِي دُون أَن أشعُر"
أغلقَت الكِتاب تترُكه علَى الطّاولة بجَانب طبقِ الفطائِر الذّي أكلَت منهُ بعدَ ذلكَ.

"هذَا غيرُ صحِيح"

"مَاذا تقصِد؟ هَل أنتَ الآن..تعترِض علَى سطرٍ مِن كِتاب أدبيّ عالَمي؟"

ضيّقت عينَيها عِند هزّ تشَانيول لِرأسه مُجيبًا معَ تعابِير واثِقة.

"الحُبّ لَيس مَا يَجعلك تبتسِم, مثلًا..أبتسِم لِقراءة نُكتة فهَل يعنِي هذَا أنّني أُحبّ النكتَة أو أنّها تُحبّني؟"

تماسكَت أماندَا عَن الضّحك تُشاهد إنفعال الرّجُل بأعيُن واسِعة يشرَح ذلِك مُستخدِمًا يدَيه.

"مِثال آخَر, صادفَ و رَأيتُ صَديقي يسقُط متعثّرًا فضحِكتُ كثيرًا..هَل هَذا الحُبّ؟ هَل أُحبّ رُؤية صدِيقي يسقُط؟"
ضحِكت لتُغطّي فمهَا خلفَ كفّها فبدَت علَى وجهِ الآخر إبتسامةٌ دائِخة, يتَراجع ساندًا ظهرَه عَلى المِقعد و لَم تُفارِق عينَيه ملامِح الضّاحِكة أمامهُ.
"أتحدّثُ ببعضِ المنطِق, ليسَ كُلّ مَا يُكتَب فِي الكُتب العَالميّة حقِيقةٌ يجِب الإيمانُ بهَا!"

"حسنًا, إذًا أخبِرني مَا هُو الحُبّ بِمنظورِكَ الشّخصِي"

"لَم أَقع فِي الحُبّ مِن قَبل لِذا لَا أعلَم"

"أَنتَ غريبُ الأطوَار, تتحدّثُ عَن الحُبّ كَشخصٍ مُغرَم لكِنّك لَم تكُن فِي علاقةٍ مِن قَبل"

"لَا يوجَد شيءٌ يُدعى بالحُب"
زَفر كلمتَه يبتسِم بوسعٍ و نقَل بصرَه ينظُر إلى سيهُون الذّي نزَل منَ الطّابقِ العلويّ و رمَى إبتِسامة غرِيبة قَبل دخُوله إلَى المطبخِ.

"أنتَ أغربُ رجلٍ صادفتُه فِي حياتِي, كمَا أنّك تُشارك الطّاولة معَ شخصٍ يُقدّس الحُبّ كثيرًا,لذلِك حاذِر أَن تُسِيء لهُ يومًا"
همسَت تتظَاهر التّهديد بنبرةٍ مُمازحة فإبتسَم لهَا تشَانيول يقترِب مِنها.

"إذًا, هَل تقصدِين أنّ مُحادثةً أُخرى تنتظِرُنا مُستقبلًا؟"
إبتَسم يشهدُ كيفَ جفلَت أماندَا و تراجعَت للخلفِ.

"رُبّما"

"لَو أنّ جمِيع أيّامِي تبدَأ بصَباح كهذَا فـأُقسِم أنّنِي سوفَ أمتَنّ للحَياة للمرّة الأولَى مُنذ وُلِدت"

بدَت الحيرةُ ظاهرةً علَى ملامِحها لذلِك إبتسمَ أكثرَ لهَا حتّى أشاحَت بصرَها عنهُ.

"إنتهَت صُحبتنا لِهذا اليومِ, عليّ فتحُ المقهَى و إلّا سأُفلِس و عندَها عليكِ التّكفُل بأمرِ شِراء الكُتب لِي كلّ شهرٍ"
نهضَ مُسرعًا يُهروِل إلَى المطبخِ بينَما تتبّعه أعيُنها حتّى إختِفائِه.

"هَل هُو معتُوه؟"
إبتسمَت تُحرّك رأسهَا بيأسٍ, لَا تَفهم مِن أينَ ظهرَ هذَا الرّجُل فجأَة و كيفَ خاضَ معَها هذَا الحدِيث الغريبَ.
أعادَت وضعَ كتابِها فِي الحقِيبة و نهضَت تُغادر المقهَى مُتّجهةً إلَى عملِها.








"صباحُ الخَير"
ألقَت التّحية علَى الموظّفة التّي صادَفت العُبور بهَا فِي طريقِها إلَى المكتبِ بِخطواتٍ مُسرعة.

"أهلًا بكِ سيّدة نيلسُون, هَل تُدركِين أنّها الظّهيرةُ تقريبًا؟"
قلبَت عينَيها لإستِقبال كرِيس السّاخِر بعدَ أَن تراجَع بِمقعده عَن المكتبِ.

"كنتُ فِي المقهَى لِبعض الوَقت"

"بَعض الوَقت؟"
ضيّقَ عينَيه نحوَها فتنهّدت أماندَا بهدُوء.

"حسنًا تأخّرت بسببِ رجُل المقهَى, أخذَني بالأحادِيث"

لَم يكُن كرِيس يتوقّع سببًا كهَذا, تجاهَلت أماندَا نظَراته فهِي أيضًا تفاجَأت مِن نفسِهَا, ليسَت مُحِبّة للحدِيث مَع الأشخَاص غيرِ المُقرّبين و الغُرباء, لدَيها ويليَام و كرِيس فقَط, هِي لَا تفهَم كيفَ خاضَت حديثًا كذلِك الحدِيث معَ رجُل لَا تعرِف إسمهُ حتّى.

"هَل وجدتَ شيئًا؟ قُلت أنّكَ تمتلِك خبرًا سارًّا لِي"
إقترَبت مِن مكتبِ كرِيس تقِف بجانِبه و تستنِد بيدِها عَلى مقعدِه لِتنظر إلَى شاشَة الحاسُوب.

"عثرتُ علَى الكثِير مِن الفتياتِ و الصِّبيان لهُم قضَايا مُشابهةٌ لقضيّة آنجلِينا, سوفَ أحقّق معَ جُزءٍ منهُم  لِنرى مَا سيقُولونه عَن الأمرِ"

"هَل تظُنّ أنّ هذِه القضَايا لهَا علاقةٌ ببعضِها؟"

رفَع كرِيس كتِفيه يُجيب بصمتٍ و إلتفَت ينظُر إلَيها.
"سَنرى..آمُل ذلِك, أنتِ علَى وشَك الإنتهَاء مِن قضيّة آنجلِينا فعلًا لكنّكِ مَازلتِ تبحثِين خلفَ الأمرِ, أتمنّى أَن ينتهِي هذَا حتّى يرتاحَ بالكِ"

إبتسمَت أماندَا تُربّت عَلى كتِف صديقِها, مُمتنّة لعملِه الجادّ فقَد قضّى ليلتَه فِي المكتبِ يبحثُ و ينظُر فِي الأمرِ.

"هَل تبحثُ الشّرطة فِي هذَا أيضًا؟"

"بالطّبع!"

زفرَت براحةٍ و عَادت تجلِس بمكتبِها.

"اليومُ ذِكرى زواجكِ صحِيح؟"

رفعَت أماندَا بصرَها و أومأَت لهُ.

"إذًا عليكِ المُغادرة باكرًا لِقضاء يومكِ معَ ويليَام"

"لَا أظنّه مُتفرّغًا اليَوم, لَم يتحدّث عَن الأمرِ كعادتِه"

لمحَ كرِيس الحُزن الطّفِيف علَى ملامِح وجهِها فعقدَ حاجِبيه غضبًا يُدير وجهَه للجانِب الآخر حتّى لَا تَراه أماندَا, ويليَام لَا يُعاملها كمَا تُعامله, يتلقّى مِنها الكثِير مِن الإهتِمام و الحُبّ لكنّه فِي المُقابل يُهملها و بالكَاد يلتفِت إلَيها رغمَ إدراكِه التامّ بِمدى حبّها لهُ.

"و إن يكُن؟ غادِري باكرًا اليَوم.."
بعدَ تواصُل بصريّ طوِيل, هزّت أماندَا رأسهَا موافقةً و إلتفَتت إلَى عملِها.







السّابِعة مساءً

غادرَت أماندَا العمَل مُنذ ساعَة, عادَت إلَى منزِلها و جلسَت مَع فنجَان منَ الشّاي بعدَ حمّامٍ دافِئ, تنتظِر عودةَ زوجِها مِن عملِه كمَا وعدَها, فقَد سَبق أَن إتّصلت بِه و أخبرهَا بكونِه ينوِي العودَة باكرًا اللّيلة حتّى  يخرُجان معًا.
لَم تستطِع أماندَا إخفَاء لهفتِها لبقيّة ساعَات عملِها حتّى أنّ كرِيس لاحظَ الأمرَ و سَخر مِنها, هِي تَكنّ مشاعِرًا صادِقةً لزوجِها, فِي كُلّ مرّة يشرُد ذهنُها و تغُوص فِي عُمقِ أفكارِها حولهُ تجِد ملامِحها مُبتسِمة برَاحة علَى غيرِ عادتِها,  ويليَام يعنِي الكثِير لهَا.

إنقضَت ساعةٌ أُخرى منذُ عودتِها, جالِسةٌ تستمِع إلَى المُوسِيقى مِن هاتِفها و تُحاول الإنشِغال بالقِراءة حتّى لَا تشعُر بالوقتِ, لَا تَرغب بالإعتِراف أنّ المَلل تغلّب عليهَا فِي إنتِظار زوجِها.

تَشرد بذهنِها لتتذَكّر رحلتهُ إلَى لُندن,  كانَت أماندَا فِي حالٍ يُرثى لهَا عندَ وصولِه إلَى المنزِل, فقَد تأخّر ويليَام خَمس ساعاتٍ عَن الموعِد المُحدّد, تأسّف لهَا كثيرًا  حينَ إستقبلتهُ مُرحبّة بهِ و قَد علِم بسهرهَا طيلَة اللّيل لإنتِظارِه.
أخبرَته أماندَا يومَها أنّها لَن تملّ يومًا مهمَا طالَت ساعاتُ الإنتِظار.

"ويليَام؟"
أجابَت علَى هاتِفها مهملَة كتابَها فَوق الأرِيكة بِجانبها.


"حقًّا؟"
هبَطت إبتسامتُها و بهتَت عينَيها شيئًا فشيئًا, تمكّن العُبوس مِنها رغمَ مُحاولاتها فِي أَن تردعَ ظهُوره.

"لَا بَأس لنخرُج في وقتٍ لاحِق, أنَا بخَير سأتناوَل العشَاء و أنَام بَعد قلِيل, إحذَر مِن المطَر فِي طرِيق عودَتكَ فجرًا, أراكَ لاحقًا"

وقعَت يدهَا ببُطء و عادَت تستنِد علَى الأرِيكة خلفَها, تنهّدت مُستثقلةً شُعور الخذلَان الذّي أخذَ يفتكُ بقلبِها.
ويليَام  إعتذرَ بسببِ عملِ مجددًا, للمرّة الثّالثة علَى التّوالي تخلّف عَن ذِكرى مُميّزة و تركَها وحيدَةً.
لَا تفهَم سببَ ظهورِ العملِ فِي أيّامِهم الخاصّة, كيفَ لَا يُفكر بتأجِيله بالرّغم مِن كونِه المُدير و لَا وليّ علَيه؟
فِي المُقابل, هِي تجاهَلت الأعمَال المُتكدّسة فَوق مكتبِها و غادرَت قبلَ ساعةٍ مِن إنتهاءِ عملِها لتَقضي وقتًا معهُ, حتّى تُرحّب بهِ عِند عودتِه بعناقٍ دافِئ.
ويليَام يُهملها بكلّ وضوحٍ و هِي لَم تَعد قادِرة علَى تجَاهل الأمرِ فهذَا أصبَح جارحًا لهَا.








توجّه إلَى الطّاولة التّي فرغَت مِن الزّبائن للتّو, يجمعُ الأكوابَ و الأطباقَ مِنها مُتوجّهًا بِها إلَى المطبَخ.

"سيهُون بدّل اللّافِتة!"
صاحَ بأخِيه لينزِل مِن الطّابق العلويّ للمُساعدَة لكنّه تجاهلَه.

"سيهُون يَا عدِيم الفائِدة"
هسهَس عِند سماعِه جرَس البَاب يُعلِن دُخول أحد الزّائرينَ فهروَل يخرُج مِن المطبَخ.

"المعذِرة لقَد أغلَقنا-.."
تبَاطأت خطواتُه عِند رؤيتِه لِمَن تقِف أمامهُ بملامحٍ مخذُولة.

"حقّا؟ هَل حانَ موعِد إغلاقِكم؟"
رفعَت يدهَا تنظُر إلَى ساعتِها.
"كَان يجِب عليّ القُدوم أبكَر, حسنًا إذًا"
إستدارَت تنوِي المُغادرة و البحثَ عَن مكانٍ آخر.

"تفضّلِي, طلبكِ المُعتاد؟"
أسرعَ تشَانيول بتجاوزِها إلَى البابِ يُبدّل اللّوح و يُغلِقه.

"أجَل..مِن فضلكَ"

"تفضّلِي"
أشارَ إلَى الطّاولة الأخِيرة ثُمّ سَار إلَى الدّاخل تتبّعه أماندَا بأعيُنها, هذَا الرّجُل يحفظُ طلبهَا و مكانَ جلُوسها, حتّى أنّه نقَل بقيّة الكرَاسي لِيبقى واحدٌ فقَط.

"لِماذا أبعَدت المقاعِد الأُخرى؟"
سأَلت بينمَا  تُراقب وضعهُ للفِنجان و الطّبق أمامهَا.

"أخشَى قُدوم مجمُوعةٍ لتجلِس بِها وقتَ زيارتكِ للمقهَى, أنتِ أوّل زَائرة لِي لِذلِك أنتِ الأهمّ"

"شكرًا لكَ"

أخفضَ تشَانيول رأسهُ لهَا و للمرّة الأولَى أماندَا لَم تُبعد بصرَها بَل نظَرت إلَى عينَيه معَ إبتسامةٍ صغِيرة.

"إستمتِعي, المقهَى مُغلقٌ و هَذا منزِلي لِذلِك لَا بأسَ إن بقيتِ طويلًا"

غادرَ إلَى الدّاخل تاركًا أماندَا بمُفردها فِي واجِهة المقهَى تُحدّق بفنجَان شايِها الدّافئ, الفطائِر الثّلاث الصّغِيرة فِي الطّبق المُجاور و الزّهرية التّي تتوسّط الطّاولة, أخذَت مِنها زهرةً بينَ يدَيها تُقرّبها إلَى وجهِها و تستنشِق رائِحتها, هذَا جعلَها تشعرُ بالرّاحة.
إبتسمَت مجددًا فقَد وجدَت أنّها كانَت فِكرة جيّدة, هربِها مِن وحدتِها فِي تِلك الشّقة الخانِقة إلَى هذَا المقهَى الدّافئ.


نهضَ سيهُون يجرِي إلَى الطّابق السُّفلي رَغم مُحاولات تشَانيول الفاشِلة بسحبِ قمِيصه و إيقافِه.

وقَف علَى السّلم يُراقب الجالِسة فِي الطّاولة الأخِيرة تُقلّب أوراقَها بتَركيزٍ.

"ألَم تكُن تنوِي الإغلَاق؟"

قلبَ تشَانيول عينَيه عِند حدِيث الآخر بالكوريّة مجددًا, مَا زالَ يُصرّ أنّها لَن تفهمَه.

"بالفِعل كنتُ فِي طريقِي لإغلاقِ البَاب لكنّها ظهرَت هناكَ فَجأة"

"و أنتَ لَم تستطِع طردهَا"

"هَل يطرُد المَرء زبونًا لَه!"

"بَل هَل يَطرد المَرء شخصًا معجبًا بِه.."
صحَّح سيهُون بهمسٍ خافِت مبتسمًا علَى عكسِ هسهسةِ تشَانيول سابقًا.

"يبدُو أنّها ستتأخّر بالجلُوس هنَا فهِي تَعمل"

"دعهَا تَبقى قدرَ مَا تَشاء, مَا شأنكَ أنتَ؟ تتصرّف كأنّكَ مالكُ المكَان بينَما تجلِس فِي غرفتكَ لتلعَب طوالَ اليومِ مثلَ المُراهقين تاركًا شقيقكَ الأكبرَ يعملُ وحيدًا"

حرّكَ سيهُون يدَيه يُهدّئه  بسببِ علوّ نبرتِه.
إلتفتَ كِلاهما إلَى أماندَا يجِدانها متوقّفةً عَن العمَل و تلتفِت للجانِب بتَعابير حائرَة.

"هَل سمعَتنا؟"
أعَاد تشَانيول نظرهُ إلَيها, مُتأكّد مِن رُؤيته طيفَ إبتسامةٍ تلاشَت عَن وجهِها عِند عودتِها إلَى عملِها.

"تكادُ تلتهِمها بنظراتِك"
صاحَ سيهُون  ليصعدَ السُّلم فصرخَ تشَانيول يشتمهُ غَير قاصِد ليغطّي فمهُ بكفّيه ينظُر إلَى أماندَا و ذُعر مِن رؤيتِها تلتفِت بكامِل جسدِها نحوَه .

"المعذِرة..إنّه أخِي السّخيف, سأوبّخه كَي لَا يزعجكِ مجددًا"

صعدَ إلَى سيهُون متوعّدًا بتلقِينه درسًا لَن ينسَاه.

سُرعان مَا تعالَت أصوَات صُراخهما  و أماندَا جالسةٌ فِي الأسفلِ تُحاول كتمَ صَوت ضحكتِها.

"إنّهما مُضحكان حقًّا.."
عادَت تنظُر إلَى أوراقهَا و راحَت تَجمعها و تُعيدها إلَى الحقِيبة.

"هَل تُغادرين؟"
نزلَ تشَانيول مجددًا بعدَ أَن أَنهى شِجاره مَع شقِيقه.

هزّت رأسهَا نافيةً و أخرجَت كتابًا مِن حقيبتِها.
"أُفضّل القِراءة عَلى العمَل إذ أنّني بِمزاج سيّء..نوعًا مَا"
وقفَ تشَانيول فِي مكَان يَبعد مسافَة صغِيرة عن طاوِلتها و كانَت أعيُنن تتبّعان حركتَها و هِي تَفتح الكِتاب و تَبحث عَن مكَان توقّفها.
سحبَ كُرسيّا مِن الطّاولة المُجاورة و جلسَ يبتسِم مُستقبلاً نظرةَ أماندَا المُستغربة.

"لَا تهتمِّي..تابعِي القرَاءة رجاءً"
أشارَ لَها لكنّها إستمرّت بالنّظر طويلًا قَبل أَن تُشيح بصرهَا و تَقرأ بصَمت, تُحرّك شفتَيها فِي بعضِ اللّحظات فيُدرك تشَانيول أنّه سطرٌ نالَ إعجابَها بسبَب الإبتِسامة التّي تُزيّن وجههَا لِوقت قصيرٍ.

"أحيانًا تحتَلّ أصغَر الأشيَاء المكَانة الأكبَر فِي قلبكَ, مِن المُمكن أن تكُون الكلِمات اللّطيفة مُوجزة و سَهلة القَول, لكنّ تأثِيرها لَا نِهائي. كلماتٌ حقيقيّة.."
كَان تشَانيول يجلِس  شاردًا بهَا و عَلى وجهِها إبتسامةٌ لَا تَستطيع تسمِيتها بالعاديّة..أبدًا.

"لنكُن صَادقين, إنّ الأمرَ يشمل الكلمات السيئة أيضًا, تأثِيرها يُجَاور الرّوح..بَل يُنسَج بهَا فَتعيش معَ المرء حتّى المَمات"

"هذَا مَا إنتَظرت أَن تقُوله, أُوافقكَ"
همسَت بصوتٍ خافِت تُغلق الكِتاب  و تُصوّب عينَيها خارِج المقهَى حيثُ بدَأ هطُول المطَر.

"مَا إسمكَ؟"
إلتفتَت إلَى تشَانيول تُفاجِئه بسؤالِها.

"أنت تعرِف إسمِي بالفِعل..سمِعتَ كرِيس ينادينِي بِه"

"كرِيس..ذلِك الصّديق"

"أجَل ذلِك الصّديق الثّرثار, ليسَ مِن العدلِ ألّا أعرِف إسمكَ أيضًا"

إكتشَف تشَانيول  أنّ عقلَها ينقطِع عَن العالَم إن شَرد ذهنهَا أو إنغمَست فِي العَمل, كَيف لَم تَسمع ندَاء سيهُون لهُ طوالَ شَهر؟

"إسمِي تشَانيول, بَارك تشَانيول"

"أماندَا نيلسُون"
مدَّت يدهَا إليهِ تُصافِحه كبدَاية تعارُف لائِقة و هِي تُدرك كيفَ صُعق تشَانيول مِن إمتلاكِها كنيةً كهذِه.

"نيلسُون.."

"أجَل..نيلسُون"
كرّرَت تُجيب تمتمةَ تشَانيول المصدُوم مَع أعيُن واسِعة مُجتحظة.

"أنتَ كُوري؟"

أومأ تشَانيول و إبتلَع بتوتّر.

"إسمكَ..و حديثكَ السّابق مَع شقِيقك, أنَا أُميّز اللّغة الكُوريّة لكنّني لَا أفهَمها"

إبتَسمَ تشَانيول  ثُمّ زفرَ أنفاسَه برَاحة.

"هَل تُغلق المقهَى فِي العاشِرة عادةً؟"

"بالطّبع, لكِن هذَا لَا يشملُ الزّبائن المميّزين, نحنُ نَعمل عَلى مدارِ اليَوم مِن أجلِهم"

مالَت إبتِسامة أماندَا بسخرِية واضحَة.

"آمُل أنّني لستُ الوحيدَة"

"لديكِ ثِقة تُدرس"

قهقَهت أماندَا تهزّ رأسهَا بهدُوء.

"عليّ العودَة إلَى المنزِل, أخشَى أَن يسُوء الطّقس أكثَر"
نهضَت ترتدِي معطفهَا و تُعيد وَضع كتابِها داخلَ الحقِيبة بينَما  سبقَها تشَانيول إلَى البابِ يفتَحه لهَا.

"سُررت بالتّعرف عليكَ, ليلَة سعِيدة أيّها السّيد"

عبرَت البابَ مغادرَة  ليتبعَها الآخر بأعيُنه حتّى قادَت سيّارتها مبتعدَةً.
ليلتهُ سعيدَة حقّا, فقَد أدركَ إنفتاحَها لهُ, لقَد ضمّته إلَى دائِرة عزلتِها كذلكَ الصّديق الثرثَار.


© Ons ,
книга «Lemon tea || شايُ اللّيمُون».
Коментарі