01 المصــنع
02. الطفـــل
03. بداية ثورة ميكلورد الاولى
01 المصــنع
الخامس من مايو 2050 ..
انخفضت درجـة الحرارة على نحو مخيف ، حتى كادت تصل إلى عشرين درجة تحت الصفر ، فى القارة المتجمّدة ( أنتاركتيكا ) ، عندما برزت على سطح مياه المحيط المتجمّد الجنوبى ، شمال القارة المتجمدة ، ما يشبه غواصة حديثة صغيرة ، إنفتحت فتحة من سقفة ، وبرز منها رجل يرتدى بدلة سوداء ثقيلة ، ويغطى رأسه بالكامل ، كما يفعل رواد الفضاء ..
تلفت الرجل حوله ، ليتأكد من عدم وجود من رصد وصولهم إلى تلك المنطقة ..
وذلك لأن ( أنتاركتيكا ) اصبحت رسميًّا منطقة محظورة ، وممنوع الدخول إليها ، إلا بتصريح رسمى ، من احد الأعضاء الخمسة الدائمون ، فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ..
حتى عام 2025 ، كان الأعضاء الخمسة الدائمون هم الولايات المتحدة الأمريكية ، و ( بريطانيا ) ، و ( الصين ) ، و ( فرنسـا ) ، و ( روسيـا ) ..
ولكن بعد عام 2025 ، إنقلب العالم رأساً على عقب ..
سقطت العديد من الدول ، من بينها ( فرنسا ) ، التى توجد كـعضو دائم فى مجلس الأمـن ..
وفى المعتاد ، يتم تعيين الدولة كـعضو دائم ، عندما يثبت جدارته بالقيادة ، والانتصار فى المعارك ، والحروب ، والعلم ..
وبعد سقوط ( فرنسا ) ، برزت دولة أُخرى حقيرة ، أثبتت وجودها ، وعُينت فى مجلس الأمن ..
وهى ( إسرائـيل ) ..
أثبتت هذه الدولة الحقيرة وجودها وقوتها ، عندما سيطرت على ( فلسطين ) بالكامل ، وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية ، سيطرا على ( لبنان ) و ( عمان ) بدورهما ..
وأدركت باقى دول الشرق الأوسط ، أن ( إسرائيل ) تسعى للسيطرة على المنطقة بأكملها ..
وهذا ليس مستحيلاً ، مع وجود الولايات المتحدة بجوارهم ..
فـ ( إسرائيل ) و ( أمريكا ) يمتلكان ما لا يمتلكه دول الشرق الأوسط ، وما يمكن أن يعطيهم أفضلية رهيبة عليهم ..
السلاح النووى ..
حيث امتلكت ( أمريكا ) ما يقارب الستة آلاف رأس نووى فى عام 2020 ..
ولكن بحلول عام 2025 ، إرتفع ذلك المخزون إلى ستة آلاف وسبعمائة رأس نووى ..
ومازال مخزون ( إسـرائيل ) النووى أمراً سريًّا بالكامل ..
والأمر المؤسف هو أن كل الدول الأخرى تغض بصرها عن الكارثة التى تحدث فى الشرق الأوسط ..
لا أحد يريد الدخول فى حرب ضد قوتين عظمتين فى العالم مثل ( إسرائيل ) و ( أمريكا ) ..
الكل يريد الحفاظ على تماسكه العسكرى والاقتصادى ، ومكانته فى هذا المجتمع الجديد ، الذى انقلب رأساً على عقب ، فى الخمس وعشرون سنة الاخيرة ..
ولكن ( أنتاركتيكا ) كانت أكثر ما يُحاط بالغموض فى هذا الأمر كله ..
لقد رصد الأمريكيون أنشطة غريبة عليها ، على الرغم من أنها غير مأهولة للسكان ، وعلى الرغم من عدم وجود مصانع أو حتى مخازن بها ، لأنها متجمدة كليًّا ..
ولكنهم أرسلوا فرق لاستكشاف تلك المنطقة ، وكانت هناك المفاجــأة ..
لقد اختفت فرق الأستكشاف بالكامل ، ودون ترك إشارة ، او جثة ، او حتى قطرة دم خلفهم ..
ومنذ ذلك الحادث الغامض ، إنقرضت الحياه تمامًا على ( أنتاركتيكا ) ..
حتى البطاريق قد هجرتها ، وتركتها بلا رجعة ..
كل هذه الأحداث والمعلومات انهالت على عقل الرجل ذو البدلة السوداء ، وهو يتلفت حوله للمرة الأخيرة ، قبل أن يأتيه صوت داخل خوذة رواد الفضاء خاصته ، يقول باللغة العربية :
– ما الوضع عندك يا ( إسمـاعيل ) ؟! هل من أحد ؟!
وثب ( إسماعيل ) من سطح الغواصة نحو الأرض الثلجية ، وهو يقول :
– لا ، إنه آمن تمامًا ..
لم تمضى ثوان معدودة ، حتى لحق به الرجل الآخر مرتديّّا البدلة ذاتها ، مع نفس اللون الأسود ، وحرف (S) على ذراعه ، وعلى ظهره ، ويرتديان حزامًا عُلِق عليه الكثير من الأدوات المختلفة ..
أخرج ( إسماعيل ) عصا معدنية سميكة من الحزام ، يوجد على سطحها أربعة أزرار ، ضغط على الزر الثانى ، فإنفتح جزء رفيع من جانب العصا ، وأخرج خريطة الكترونية تحدد موقعهم الحالى بعلامة حمراء ، وعلى بُعد ثلاثة كيلومترات ، وُضعت نقطة زرقاء أخرى ، أشار إليها ( إسماعيل ) قائلاً :
– هذا المكان هو هدفنا ، سنصل إلي هناك فى حدود خمسة وأربعون دقيقة .
وبدون تبادل كلمة أخرى ، سار الرجلان بحذر فى اتجاه تلك النقطة الزرقـاء ، وعيناهما تتحركان معهما ، محاولين رصد أى شـيىء مثير للريبة والشك ..
وطيلة الخمسة وأربعون دقيقة ، لم يلمح احدهما شيئًا خارجًا عن المألوف ..
فقط الثلوج التى تمتد على مرمى البصر ، وتغطى المنطقة بأكملها ..
توقف الرجلان بعد خمسون دقيقة ، وتفجرت دهشتهم لأقصى حد ..
المُفترض أن يكونا قد بلغا المكان المنشود بالفعل ..
ولكنهما لم يلمحا شـيئًا مميزاً ، او خارج عن المألوف ..
وساعة ( إسماعيل ) الرقمية تشير إلى أنهما قد سارا لأربع كيلومترات وثلاثة وثلاثون مترًا ، وهى مسافة أكثر من المطلوب ..
اخرج ( إسماعيل ) العصا السميكة مجددًا ، وزميله يصيح غاضبًا :
– اللعنة !! يبدو أن الأمريكيون الأوغاد قد خدعونا جميعًا بتلك الأخبار التافهة ، من المستحيل أن تختفى فرق إستكشاف محترفة بهذه السذاجة ، وبدون ترك رسالة ، أو أى شيـىء مفيد ..
إنفتحت الخريطة أمام وجه ( إسماعيل ) ، و ...
وإتسعت عيناه فى دهشة ، عندما رأى تلك الخريطة ..
لقد كانت خريطة مختلفة تمامًا عن تلك التى كانت موجودة عندما خرجا من الغواصة ..
ولمح زميل ( إسماعيل ) تلك النظرة على عينيه ، فقال فى عصبية :
– هل تخاف من أن أسُب الأمريكيين ؟! ما هذه النظرة يا رجل ، ألست أنت من تقف دائمًا ضد ( أمريكا ) و ( إسرائيل ) ، و ..
قاطعه ( إسماعيل ) صائحاً :
– هذا ليس ما فى الأمر يا ( محمد ) ..
صاح ( محمد ) :
– ما هو الأمر إذن ؟!
لوح ( إسماعيل ) بالخريطة فى الهواء ، وهو يقول :
– يبدو أننا قد خرجنا من ( أنتاركتيكا ) ، كما أن إشارتنا وإشارة تلك المنطقة المنشودة قد اختفيتا تماماً ..
إنتفض جسد ( محمد ) ، وهو يصيح :
– ماذا تقصد يا رجل ؟! كيف يمكن أن يحدث ذلك ؟!
إزدرد ( إسماعيل ) لعابه ، وهو يحاول إستعادة رباطة جأشه ، وهو يقول :
– أعتقد أننى بدأت أفهم لماذا إختفت فرق الإستكشاف الأمريكية ..
تلفت حوله محاولاً البحث عن تفسير ، وهو يكمل :
– ولكن كيف هذا ؟! هل دخلنا فى ما يشبه مثلث برمودا أم إنتقلنا إلى مكان آخر دون أن نشعر ؟!
قال ( محمد ) فى عصبية :
– ماذا تقول يا رجل ؟! ما تقوله الآن يعد مستحيلاً تماماً وغير منطقى على الإطلاق ..
إستدار ( إسماعيل ) إليه ، وهو يقول :
– مستحــيل ؟! هل أصابك الزهايمر يا ( محمد ) ؟! أنسيت ما مررنا به فى الخمسة وعشرون سنة الأخيرة ؟!
ندت حركة عصبية من ( محمد ) ، وهو يقول متوترًا :
– وكيف لى أن أنسى ذلك ، فيروس الزومبى ذاك كان مخيفاً ورهيباً ، لقد كاد يفتك بالبشرية ..
قال ( إسماعيل ) :
– ولكنه لم يفعل ، والفضل كله يعود لـ ( أدهـم ) وشجاعته الفريدة ، وذكاءه الفائق ، لا أعلم كيف تمكن من إنهاء أمر ذلك الفيروس ، وهو كان فى الخامسة عشر من عمره فقط ..
أجابه ( محمد ) :
– إنه أسطورة بحق ، ولكن الإسرائيليون الحقراء قد إستغلوا ما فعله ، ونسبوا ما حدث لأنفسهم ، مما جعلهم يكسبون ( أمريكا ) والعديد من الدول ، كحليف قوى لهم ، فى الحرب ضد الشرق الأوسط ، ونجحوا فى السيطرة على ( عمـان ) ، و ( لبنان ) ، ودخول ( مصــر ) ووضعها تحت سيطرتهم ، واتخاذ شعبها عبيداً لهم ، وهذا أحد أسباب ترك ( أدهم ) لنا ولمصر ..
زفر ( إسماعيل ) فى عصبية ، وقال :
– لم نحضر إلى هنا لنخوض هذا الحوار السياســى البغيض ، دعنا ننتهى مما نحن فيه اولاً ، ثم لنلعن ( إسرائيل ) و ( أمريكا ) ..
اطبق ( محمد ) على شفتيه ، والتفت خلفه فى صمت ، وعيناه تجوبان المكان بحثاً عن شيـىء يثير الشك ، ويوصلهم للحقيقة ..
ووقعت عينا ( محمد ) على ذلك الشيـىء ، واتسعت عيناه فى رعب هائل ، وهو يمد يده ليضرب كتف ( إسماعيل ) ، الذى تألم ، وسأله :
– ماذا هناك يا رجل ؟!
ازداد قلق ( إسماعيل ) عندما لم يعطيه ( محمد ) إجابة ، وظل محدقاً فى تلك النقطة فى رعب ، فنظر ( إسماعيل ) بدوره على ذلك المكان ، و ...
وانعقد حاجبيه بشدة ، حتى كادا يمتزجان ببعضهما ، من هول ما رأى ..
ثمانية طائرات عسكرية أمريكية ، ودباباتين ، وخمس سيارات دفع رباعى ، واكثر من ثلاثين جثة جندى أمريكى ، أُلقيت على الأرض مقطعة لأشلاء ، وغارقة فى بحر من الدم ..
ووسط ذهوله وتجمده فى مكانه ، غمغم ( محمد ) :
– مـ .. مستحيل !!
قال ( إسماعيل ) بلهجة بدت متماسكة ، رغم ذلك المنظر البشع الذى ينظران إليه :
– يبدو أن نظريتك كانت خاطئة ، حول خداع الأمريكيون لنا ..
استدار ( إسماعيل ) للجهة الأخرى ، وسار بضع خطوات ببطء ، بينما ظل ( محمد ) متجمداً مكانه ..
بحثت عينا ( إسماعيل ) فى كل الإتجاهات عن دليل ، قد يدلهم على حل هذا اللغز الغامض ..
ولقد التقطت عيناه ذلك الدليل ..
آثار خطوات بشرية ، على بُعد عشرة أمتار منه ..
انعقد حاجبى ( إسماعيل ) ، وهو يقترب من الآثار ، وينحنى ليفحصها بدقة ، وغمغم وهو بتطلع إليها بتركيز :
– آثار بشرية ، من عمق الخطوات ، يبدو أن صاحبها يزن حوالى سبعين إلى ثمانين كيلوجراماً ..
سار ( إسماعيل ) ، تاركاً ( محمد ) خلفه ، ومتتبعاً آثار الأقدام ..
ظل يسير بجوار تلك الآثار ببطء وحذر ، وهو يتساءل عن المتسبب فى ذلك ، وما الذى حدث لهم للتو ؟!
كيف تغيرت الخريطة فجأة ، وإختفت اشارتيهما تماماً ، وكأنهما إنتقلا إلى مكان مختلف تماماً ، دون أن يدريا بذلك ..
وهذا شيـىء ينافى ابسط قواعـد المنطــق ، و ...
وتوقف ( إسماعيل ) بغتة ، وعاد حاجبيه ينعقدان مجددًا ، وقلبه يخفق فى عنف ..
فلقد إختفت آثار الأقدام عند نقطة معينة ، وكأن صاحبها قد طار ، او ان الأرض إنشقت وابتلعته ..
تلفت ( إسماعيل ) حوله ، وعقله يبحث عن استنتاجات ويحلل الموقف ، باحثاً عن تفسيرات لِما يحدث فى تلك المنطقة ..
لا آثار لطائرة او مركبة من أى نوع يمكنه أن يستقلها ..
وتوقف نظر ( إسماعيل ) عندما لمح شيئًا خارجاً عن المألوف تماماً ..
مصنع ضخم مهجور ، رُسم عليه رسومات غريبة تشبه الكتابة الهيروغليفية القديمة ، يقع على بُعد حوالى مئة وخمسين مترًا ..
إستدار ( إسماعيل ) للجهة الأخرى ، حيث تركه زميله ، وهتف مناديًّا عليه :
– ( محمــد ) ؟! هل تسمعنـى يا رجــل ؟!
عندما لم يتلقى أى رد ، ضغط ( إسماعيل ) على زر موجود على موضع أذنه ، من فوق الخوذة ، وكرر ما قال ، وكأنه يتحدث فى لاسلكى ، ولكنه لم يتلقى رداً هناك أيضاً ، فغمغم :
– يبدو أنك أصبحت بمفردك يا ( إسماعيل ) ..
ثم إستدار يتطلع نحو المصنع المهجور لبضع ثوانى ، قبل أن يكمل :
– بسم الله ..
ثم تحرك نحو المصنع المهجور ، بنفس الخطوات الحذره ، وعقله يعمل طوال الوقت ، ويحلل الوضع الحالى ..
ولكنه لا يستطيع الوصول لأى شيـىء يذكر ..
هو فقط بحاجة للإمساك بطرف الخيط ، الذى سيدله حتماً نحو الجواب لكل هذا الجنون ..
ودون أن يشعر بالوقت الذى استغرقه فى السير نحو المصنع ، وجد نفسه أمامه فجـأة ، يتطلع نحو الباب المفتوح ، الذى يُطل على ظلام دامس بلا نهاية ..
إزدرد ( إسماعيل ) لعابه فى صعوبة وتردد ، وهو يخطو أولى خطواته ليدخل إلى المصنع ، و ...
ولكنه لم يكد يدخل المصنع ، حتى شعر بصدره قد اثلج تماماً ، وإنتفض قلبه داخل ضلوعه ، عندما إنغلق باب فولاذى عملاق ، ليسد المدخل الوحيد فى المصنع ، وإرتفع صوت إنذار يشبه إنذار الحريق ، كما أُضىء أيضاً مصباح أحمر متراقص ، مع صوت آلى قال عبارة بلغة لم يفهمها ( إسماعيل ) ، ثم إختفى ذلك الصوت الآلى تماماً ..
صاح ( إسماعيل ) ، وقد بلغ توتره أقصاه ، ولم يعد بإستطاعته تمالك نفسه :
– ما الذى يحـدث ؟! ما هــذا المكــان ؟!
ولكن استطاعت اذنى ( إسماعيل ) إلتقاط صوت آخر ، مختلف تماماً عن صوت صفارة الإنذار ، والصوت الآلى ..
ولكنه لم يستطع تحديد ماهيه الصوت بالضبط ..
وكعادته ، ومنذ صِغره ، ينتصر تعطش ( إسماعيل ) للمعرفة ، على توتره وقلقه ..
فأرهف سمعه ، محاولاً تحديد مصدر ذلك الصوت ، الذى قد يكون أمله الأخير فى النجاة ..
قد يقوده للأمان ..
أو قد يقوده لقعر الجحيم ..
أغمض ( إسماعيل ) عينيه ، وهو يحاول أن يصب كامل تركيزه وتفكيره على ذلك الصوت الخافت البعيد ..
وأخيراً إستطاع أن يحدد ما هذا الصــوت ..
ولكن إدراكه لماهيه الصوت لم يفعل شيـىء ، سوى أنه قد زاد من تساؤلاته وتعجبه ..
وبدون إضاعة ثانية أخرى ، إندفع ( إسماعيل ) يعدو فى خط مستقيم ..
لقد كان المصنع عبارة عن ممر طويل ضيق ، وعلى جانبيه غرفة ، تبعد الغُرف عن بعضها البعض حوالى خمسة أمتار ..
وقد الصوت بالإقتراب ، ومعه إزدادت ضربات قلب ( إسماعيل ) ..
وأخيراً ، بلغ ( إسماعيل ) غُرفة ، كانت هى الوحيدة المُغلقة فى المصنع بأكمله ..
حيث أُغلقت بباب معدنى كبير ، كُتب عليه بالأصفر عبارة ( خطـــير ممــنوع الدخـــول ) ..
وكان الصوت آتِ من خلف ذلك الباب ..
حاول ( إسماعيل ) جاهداً فتح ذلك الباب المعدنى ، ولكن بلا جدوى ..
فتراجع بضع خطوات للوراء ، حتى اصبح داخل الغرفة المقابلة للباب المعدنى ..
واندفع بكل قوته نحو الباب ، وألقى بنفسه عليه ..
وبالفعل إهتز الباب بقوة ، وكاد يُفتح ، ولكنه لم يفعل ، فكرر ( إسماعيل ) ما فعله مرة ثانية ..
وثالثة ..
ورابعة ..
وشعــر بآلام رهيبة تنتشر فى جسده ، بسبب ارتطام جسده المتواصل بالباب المعدنى القوى ..
ولكنه لم يبالى بها ، وهو يندفع نحو الباب للمرة الخامسة ، ويلقى بنفسه عليه ..
وأخيراً ، تحطم الباب المعدنى ، وسقط بداخل الغرفة ، وسقط ( إسماعيل ) فوقه ..
ولكنه لم يكد يسقط على الباب ، حتى هب واقفاً ..
واتسعت عيناه فى دهشة ورعب مما رآه ..
لقد كانت توقعتاته المخيفة صحيحة تماماً ..
إنه صوت بكــاء طفــل رضــيع ، وُضع فى إسطوانة شفافة ضخمة ، شغلت أكثر من نصف مساحة الغرفة الواسعة ، وبداخلها سائـل غريب عديم اللون ، غرق فيه الطفل تماماً ..
إقترب ( إسماعيل ) بسرعة من الإسطوانة ، التى أُلصِق عليها تحذير آخر ، ولكن باللون الأحمر هذه المرة ، كُتب عليها ( خــطر ممــيت ، المــادة vx ) ..
لم يكد ( إسماعيل ) يقرأ ذلك التحذير ، حتى إنتفض جسده بأكمله ، وصاح :
– المادة ( VX ) ؟! مـستحيل !! 
كانت دهشة وذعره ( إسماعيل ) فى محلهما تماماً ..
من هذا المجنون الذى يضع طفلاً حديـث الولادة ، فى مادة كيميائـية مميتة ، مثل المادة ( VX ) ؟!
إنها مادة كيميائية خطيرة ، بحيث أنه قطرة واحدة على جلد إنســان بالـغ ، بإمكانها إرداءه قتيلاً فى دقائق معدودة ..
فما بالك بتأثيرها على طفل ، قد ولد للتو ، مما يوحى منظره ؟!
وبدون تفكير ، إندفعت يد ( إسماعيل ) تضغط على زر ( إيقــاف العملــية ) ..
ولكن شيئاً لم يحدث ، فغمغم ( إسماعيل ) فى حنق :
– اللعنة !! يبدو أنه ما إن تبدأ عملية ضخ المادة ( VX ) ، حتى يفوت الآوان على إيقافها ..
رفع عينيه نحو الطفل ، الذى سالت الدماء من أنفه الصغير ، وراح يبكــى فى جنون ، فتمتم ( إسماعيل ) فى شفقة وحزم :
– لا يمكننى تركه يموت أمامى ..
وتحركت عيناه تبحث عن زر آخر بإمكانه إخراج الطفل من هذه الإسطوانة ، و ...
وتوقفت عيناه عند أحد الأزرار ..
زر أحمر صغير ، كُتب عليه ( فتح الإسطــوانة ) ..
وإزدرد ( إسماعيل ) لعابه بصعوبة ..
بإمكانه فتح الإسطوانة ، وإنقاذ الطفل ببساطة ..
ولكن لهذا الفعل عواقب وخيمة ..
فإذا فُتِحت الإسطوانة ، ستتدفق المادة ( VX ) فى أرجاء الغرفة ، والمصنع بأكمله ..
وسرعان ما سيصـاب ( إسماعيل ) بها ، و ...
ويموت ..
إلتقط ( إسماعيل ) نفساً عميقاً ، وهو يتخذ قراره الأخير ..
سيفعلها ..
وسيضغط الــزر ..
وما إن تُفتح الإسطوانة ، حتى يأخذ الطفل بين ذراعيه ، ويهرع خارجاً من ذلك المصنع الهائل المهجور ..
إلتقط نفساً آخراً ، وهو يقول :
– إما الآن ، وإما فـلا ..
وضغط الزر الأحمر بسرعة ، فتوقف الضوء الأحمر المتراقص ، وصوت الإنذار ، وإنفتحت الإسطوانة ..
وتدفقت المادة ( VX ) فى أنحاء الغرفة ..
وإمتدت يدى ( إسماعيل ) إلى داخل الإسطوانة ، ليمسك بالطفل ، ويجذبه إليه ..
وشعر بالمادة المميتة ، ترتطم بذراعه وجسده ..
ولولا البدلة السميكة التى يرتديها ، لكان مات فوراً من تأثير تلك المادة ..
ولكن على الرغم من سُمك البدلة ، إلا أنها ليست منيعة تماماً ، ولم تمنع تسرب بضع قطرات من تلك المادة ، على جلد ( إسماعيل ) ..
وكما قلت سابقاً : قطرة واحدة تكفى لقتل إنسان بالغ فى دقائق معدودة ..
وعَرِف ( إسماعيل ) أنه يمتلك فقط حوالى ثمان دقائق ، قبل أن يسقط صريعاً ، فى أرض ذلك المصنع المهجور ..
ولكنه لم يهتم لذلك ، وهو يغمغم :
– أعتقد أن الغواصة تحتوى على ترياق مناسب بإمكانه إنقاذى انا والطفل ..
ضم ( إسماعيل ) الطفل الذى يبكى فى هيستيريا إلى صدره ، وهو يستدير نحو الباب ..
هو نفسه لا يعلم لماذا يفعل كل هذا من أجل طفل لا يعرفه ، ولا يعرف حتى كيف وصل إلى هذا المصنع المهجور ، و ...
ومجدداً ، إنتفض جسد ( إسماعيل ) بأكمله من فرط الذهول ..
فعندما أكمل إستدارته كان الباب المعدنى الكبير قد أُغلق مجدداً ، فصاح وهو يندفع نحو الباب :
– ما هذا المكــان ؟! كيف لم ألحظ إغلاق هذا البـاب ؟!
إرتفع فجأة فى المكان صوت آلى ، يقول :
– عشرون ثانية متبقية على تفعيل القنابل ..
إتسعت عينا ( إسماعيل ) ، عندما سمع ذلك التحذير ، وقال :
– لا مستحيل !! لن ألقى مصرعـى هُنـ..
وقبل أن يكمل عبارته ، تعثرت قدماه بالأرض ، وسقط على وجهه ، وسقط الطفل من يده ، وإرتطمت رأسه بالأرض المعدنية بعنف ..
وشعر ( إسماعيل ) بالأرض تدمى به ، والرؤية تتبدد تدريجياً ، وهو ينظر نحو الطفل ، ويجذبه إليه ، وهو يغمغم :
– أنت لست طفلى ، ولكنك حتماً تريد أباك ..
التقطت ( إسماعيل ) الصوت الآلى ، وهو يقول :
– تسع ثوان على الإنفجار ..
ابتسم ( إسماعيل ) ، وهو يكمل :
– بإمكانك إعتبارى أباك ، قبل أن نلقى مصرعنا أُريد أن أطلق عليك إسماً يليق بك ..
بكى الطفل بقوة ، والصوت الآلى يقول :
– أربع ثوانى ..
و ( إسماعيل ) يقول :
– أعتقد أنى سأطلق عليك إسم ( محمــود ) ..
« ثانيتان .. »
هز ( إسماعيل ) رأسه بقوة ، وهو يقول :
– لا ، لقد وجدتها ..
« ثانية واحدة .. »
اغلق ( إسماعيل ) عينيه ، وابتسم ، وهو يقول :
– ( أحمــد ) ..
وخُيل إلى ( إسماعيل ) أنه سمع صوتاً مخيفاً يقول جملة غريبة ، بلغة لم يسمعها من قبل قط ..
ولم يستطع ايضا تحديد الحروف التى تحتويها تلك الجملة ، بسبب الصداع الذى سيطر على رأسه ، و ...
ودوى الإنفجار ..
إنفجار أطــاح بالمصنع الهائل المهجور بأكمله ، وكل ما يحيط به ، فى دائرة نصف قطرها عشرة أمتار ..
ولقد كان إنفجاراً مرعباً بحق ..
إنفجار لا يمكن لأحد أن ينجو منه ..
أى أحد ..
                         ★ ★ ★

سكنت حين لمسنا اليابس مطمئناً
و لم ادرك معني لبداية الشقاء

وفي خضم البياض وجدنا دماً
نمقت اصحابه في دهشة و رثاء

ظننا حتفهم من دروب السراب درباً
وليس لجنودهم قدر من عناء

وفي سرايا المهجور وقفت وحدي
مرهفا لصوت امان و اهتداء

وجدت في الظلمات طفلاً
مرميا بازدراء

اانقذه لاموت تبعا ام اتركه لمشيئة القضاء
– عبد الرحمـن ديـاب
                         ★ ★ ★
        انتهى الفصل الأول بحمد الله
    الفصل القادم [ الطفـل ] ان شاء الله
© Yahya Elkenani,
книга «NIGHTBRINGER - جالب الظلام».
02. الطفـــل
Коментарі