01 المصــنع
02. الطفـــل
03. بداية ثورة ميكلورد الاولى
02. الطفـــل

منــذ قِدم الزمن ، اتفق الكثير من العلماء على وجود ثلاثة أبعاد أساسية للعالم الذى نعرفه حاليًّا ، وهم ( الطـــول ) ، و ( العـــرض ) ، و ( الإرتفـــاع ) ..
ولكن جاء العالم الفيزيائى الألمانى ( ألبـرت أينشتـايـن ) ليضيف بُعداً آخر ، بجانب المذكورين سابقاً ، وهو ( الزمـــن ) ..
ومنذ ذلك الحين ، تم اثبات أننا نعيش فى عالم رباعى الأبعاد ..
وبعض العلماء يعتقدون أننا لا نعيش في بُعد وحيد ، يسبح فى الفضاء الشاسع ..
بل هم شبه متأكدون أن الكون مكوّن من عدة آلاف من الأبعاد المتوازية ، المتصلة ببعضها البعض عبـر بوابــات بُعـدية ..
يُقال – على الرغم من عدم استكشاف البشر لتلك الأبعاد – أن جميعها تعيش فى سلام تام ، بلا حروب ، أو مشاكل إجتماعية ، أو طبقية ..
أما البُعد الذى يعيش به البشر ، يتحاربون فيما بينهم ، ينهشون فى لحم بعضهم ، ويعانون من مشكلات طبقية مخيفة ، بعد تقدم علم ( النــانـو ) ..
وأبسط مثال للتفرقة الطبقية هى ( مـــصــر ) ..
لقد سيطرت عليها القــوات الإســرائيليــة ، وإنقسمت الحيــاه فى ( مصـر ) إلى ثلاثة طبقات ..
الطبقة العُليا ، وهى من نصيب القوات الإسرائيلية والشعب الإسرائيلـى ، وهم يعيشون فى عِز وثراء ورفاهية ..
الطبقـة السُفلى ، والتى تشمل الشعب المصرى والفلسطينى ، بعدما طُرد الفلسطينيون من بلادهم ، واستضافهم المصريون بصدر مفتوح .. ولكنهم يعيشون فى الشوارع ، يبحثون عن غذائهم فى القمامة ، ويتشاجرون من أجل قضمة خبز واحــدة ..
وقد يصل الأمر إلى أن يقتل المصرى أخيه الفلسطينى ، من أجل أن يأكل لحم كلب ميت ..
ولم يكتفى الإسرائيليون بتركهم يعيشون فى بؤس وفقر ..
بل أنهم أيضاً يمارسون هواية – وفى الواقع أكره تسميتها بالهواية – أصبحت شائعة بشكل رهيب فى تلك الأوقات ..
صــيادة البشـــر ..
كُلما شعر إسرائيلى بالملل من الحياه الإعتيادية ، والروتين القاتل ، ينزل للمناطق السُفلية – وهو الإسم الذى أُطلق على المناطق التى يعيش بها المصريون والفلسطينيون – ويبحث عن الفقراء البوساء ، ويقتلهم بلا رحمة ..
أما عن آخر طبقة من الطبقات ، وهى الطبقة التى تحوى أقل عدد من السابقتين ..
طبقة أُطلق عليها اسم ( ميكلورد ) ، أسسها رجل يدعى ( إسمــاعيل ) ، ببعض المساعدات الخارجية المجهولة ، استطاع أن يكتسب مكانة رفيعة وسط الاحتلال الإسرائيلى ..
تتكون طبقة ( ميكـلورد ) من حوالى سبعة أشخاص فقط ، يعيشون فى منـزل متطــور تحت الأرض ، فى محافظـة ( الإسكنــدرية ) ، التى تُعتبر مقر الإحتلال الإسرائيلـى ، بعدما قرر الإسرائيليون اتخاذها كمقر لحكم ( إسرائيــل ) داخل إفريقيـا والشرق الأوسط ، حتى يضعوا البحـر الأبيض المتوســط تحت أعينهـم وسيطرتهم من جهتين هما ( القــدس ) و ( الإسكندرية ) ..
وعلى الرغم من ثقة الإسرائيليين بأن الميكلورديين يخططون لشـىء ما ليس خيراً لهم ، إلا أنهم لا يملكون فعله امامهم ، بعد إعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بعبقرية رئيسهم ( إسمـاعيل ) ، وبالتالي الإعتراف بـ ( ميكلورد ) ووضعها تحت رعايتها ..
ولكن من المؤكد ان الولايات المتحـدة الأمريكيــة لن تفعل ذلك بسبب طيبة قلبهم غير الموجودة ..
فالمقابل الذى تتلقاه من ( إسماعيل ) وأعوانه يعد ضخماً ، ويستحق تماماً الحماية والرعاية والخدمات التى قدمتها له ..
ولكن الجميع فى ( مــصر ) بلا إستثناء يحتقرون اعضاء ( ميكلورد ) ؛ لأنهم – فى أنظار المصريين والفلسطينيين – مجرد خونة ، تعاونوا مع الولايات المتحدة الأمريكية ، التى كانت احد الأسباب الرئيسية فى احتلال ( إسرائيل ) لعدة بلاد من الشرق الأوسط وافريقيا ..
وفى نظر الإسرائيليون ، هم حفنة من العرب ، استطاعوا النجاة من قوات الإحتلال بالحظ ، وبما أنهم عرب ، فبالتأكيد أنهم سيثورون فى وجه ( إسرائيــل ) ، وسيسببون مشكلات شتّى لها ..
والقوات الإسرائيلية على يقين أن ( أمريكا ) مدركة لذلك الاحتمال كذلك ، ولكنها تتغاضى عن التدخل فى ذلك الأمر ، لأنها تستفيد كثيراً منهم ..
ولكن ( أمريكا ) وعدت ( إسرائيل ) ، فى حالة ثوران ( ميكلورد ) عليهم ، ستنسف تلك المنظمة نسفاً ، وتجلب ( إسماعيــل ) وأعوانه ليتم إعدامهم بأعنف وسيلة ممكنة ، فى ميدان عام ، أمام الجميع ..
لكن يتمنى مسئولى الولايات المتحدة الأمريكية ألا يحدث ذلك أبداً ، لأنهم سيكونوا قد خسروا الكثير والكثير ..
ولكن لو لم يفعلوا ذلك حينما يثورون ، ستكون الخسائر أكبر ، حيث سيخسرون ثقة وتعاون ( إسرائيل ) ، وقد يؤدى الأمر إلى حرب هائلة بينهم ، قد تؤدى إلى دمار عشرات الدول ، ومقتل ملايين البشر الأبرياء ، وملايين الجنود ..
كل هذا قد يحدث بسبب رجل واحـــد فقط ..
وهذا ما يثير إشمئزاز الأمريكيون تجاه ( إسماعيل ) ..
لا أحد على دراية بما يدور فى ذهنه ، ولكنه قد يفعل أى شـىء ، فى أى وقت ..
إنه عبقــرى ، ولديه العديد من الحلفــاء العباقرة والأقوياء ..
لهذا هم يراقبونه بحرص ، عندما يكون على الأرض ..
ولكنهم لا يمكنهم مراقبته عندما يكون تحت الأرض فى ( ميكلورد ) ، وهذا أحد بنود العقد الذى تم الإتفاق عليه بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية ، على الرغم من اعتراض الإسرائيليون على كل ما يحدث ، من ( ميكلورد ) و ( إسماعيل ) والاتفاقية بينه وبين ( أمريكـا ) ..
وكأنهم قد نسوا انهم سلبوا ديار الفلسطينيين والمصريين ، والعديد من دول الشرق الأوسط ، وجلسوا فيها كأنها ديارهم ..
ثم يعترضون إذا تكلم أحد المواطنون البؤساء ، أصحاب الأرض التى يعيش الإسرائيليون فيها ، يأكلون أكلهم ، يشربون شرابهم ، يلبسون ثيابهم ، يقتلون أطفالهم وحيواناتهم ، يغتصبون نسائهم ..
ومن يفكر بالإعتراض على كل هذا ، يلقى أبشع ميته قد يراها أحد ..
إما عشرين رصاصة تخترق جسده ، لتحوله لمصفاه ..
أو مئات الطعنات التى تجعل جسمه نافوره ، لا تتوقف عن نزيف الدماء ..
أو آلاف الركلات واللكمات التى قد تكسر كل عظام جسده ..
« سيّد ( إسماعيــل ) ، لقد عبرنا حدود المحيط المتجمّد الجنوبى ، ودخلنا فى حدود المحيط الأطلنطى ، بجوار افريقيــا .. »
انطلقت العباره السابقة من صوت آلى داخل الغواصة الحديثة ، الذى جلس بداخلها ( إسماعيــل ) شارداً ، يحدق بالطفل الذى غط فى نوم عميــق هادىء ، وصدره يعلو وينخفض فى سلام ، وإلتف جسده الصغير بغطاء سميك من الفراء ، وكذلك فعل زميله ( محمد ) ..
تكررت العبارة مرة ثانية ، منتزعة ( إسماعيل ) من الأفكار السابقة التى انهالت على رأسه ، من بدأ الاحتلال الإسرائيلى ، حتى إنشاء كيـان ( ميكلـورد ) ، تحت أرض ( الإسكنـدرية ) ..
قال ( إسماعيل ) مستجيباً لعبارة الروبوت :
– « عظيـم ، لقد تخطينا منطقة الخطر ، ولن يتمكن أحد من ملاحظتنا إذا سِرنا بسرعة عالية .. إرفع السرعـة يا ( نانـويس ) .. »
أجابه الروبوت :
– « كما تـأمر يا سيــّد ( إسماعيــل ) ، سنصل إلى ساحل الإسكندرية بعد ثلاثة واربعون دقيقة وثلاث عشرة ثانية .. »
إلتقط نفسـاً عميقاً ، وهو يغلق عينيه ويرجع رأسه ، ليستند بها على الجدار المعدنى للغواصة ، ويبدأ فى محادثة نفسه داخليًّا ..
– « ما الذى حدث هناك ؟! ، هل أنقذنى ( محـمد ) ؟! .. لا مستحيل ، لقد كان مُلقى على الثلوج عندما استعدت وعيى ، ثم أننى فقدت أثره تماماً قبل أن ادخل إلى ذلك المصنع المشئوم .. »
فتح عينيه ببطء ، وهو ينزل رأسه ، لينظر نحو الطفل ..
– « ولكننى متأكد ان هذا الطفل وراءه العشرات من الأسئلة الغامضة ، والغير واضحة بالمرة ، وهذا ما سيجيب عنه الدكتور ( عبد الرحمن ) ، أنا متأكد من ذلك .. »
عطس ( إسماعيل ) بعنف ، ثم سعل مرتين بقوة ، ووضع يديه على ضلوعه متألماً ، أثر سقوطه على أرضيه ذلك المصنع المعدنية ..
– « اللعنة !! لقد كانت مغامرة عنيفة بحق ! .. ولكن اعتقد أننى أقترب أكثر فأكثر من حل شفرة المخطوطة .. ولكن آمل ألا يتدخل الإسرائيليون والأمريكيون فى هذا الأمر ، قد يعتقلون هذا الطفل الغامض ، إذا ما شكوا فيه ولو قليلاً ، إنهم ينتظرون أصغر فرصة كى يقضوا علىّ ، ويسيطروا على كيـان ( ميكـلورد ) ، بكامل نظامه ، وطاقمه الفريد .. »
عقد حاجبيه فى حزم ، واستدار ينظر من النافذة نحو مياه المحيط الأطلنطى ..
– « لن أدعهم يفعلون ذلك بالتأكيد ! .. إن ميكلورد هو الأمل الأخير لنجاة المصريين والفلسطينيين من قبضة الاحتلال الإسرائيلـى ، والغطرسة الأمريكية .. »
ثم تبدلت النظرة فى عينيه إلى حزن عميق ..
– « بالرغم من أنهم يروننى مجـرد خائن وضيع ، ولكنهم مازالوا شعـبى ، وأولاد بلدى ، بغض النظر عما يفعلونه عندما يروننى .. »
كان قلب ( إسماعيل ) يكاد ينفطر ، فى كل لحظة يقضيها وسط الطبقة السُفلى فى مصر ..
فكلما رآه أحد سكانها ، فى سيارته الفاخرة ، يبصقون عليها ، ويقذفونه بالأحذية ، وأكياس القمامة المثقوبة ، وجثث الكلاب المتعفنة ..
ولكنه تجاهل كل هذا ، ورفض أن يثور عليهم ، لأنه يعلم ما يشعرون به ، وما يفكرون فيه ، ولا يملك سوى أن يدعهم يفعلون ذلك فى كل مرة يمر من أمامهم ..
وأحد بنود الإتفاقية بينه وبين أمريكا ، ألا يساعد أحد منهم ابداً ، وإن أخلّ بهذا البند ، أو بأى بند آخر من بنود العقد ، ستعتبر خيانة عظمــى لـ أمريكا وإسرائيل ، وجميعنا نعلم ما سيؤدى إليه ذلك ..
ولكن مؤخراً ، بدأت إسرائيل ترصد تحركات غريبة فى مصر ، وخصوصاً الإسكندرية ..
حيث وُجدت عدة جثث لجنود إسرائيليون فى مناطق متباعدة من المحافظة ، ولكن هذه ليست المشكلة ، فمن الطبيعـى أن يلقى الجنود مصرعهم ، على أرض العدو ..
من المؤكد أن يثور بعض سكان الطبقة السُفلية ، وينقضون على جندى ، بهراوة خشبية ثقيلة ، أو بقالب من الطوب الخشن ..
ولكن الغير طبيعى ، هو أن هناك ما يقارب السبعون جندى ماتوا بطلقات مُغطاه بمادة سامة ، ومن أين لسكان فقراء ، لا يملكون بيت حتى ، أن يمتلكوا مسدس مزوّد بطلقات سامة ؟!
وهنا إتجهت أصابع الشكوك نحو إسماعيل وكيان ميكلورد ..
وهم شبه متأكدون أنه وراء هذا ، ولكنهم لا يملكون دليلاً واحداً يثبت إدانته ..
لهذا ، وفى آخر أسبوع ، تم تشديد الحصار على جميع مناطق الإسكندرية ، حيث تم وضع نظام جديد للجنود ، يُلزمهم بالسير فى مجموعة مكونة من ثمانى جنود مسلحين بمدافع آلية حديثة ، وأربعة خناجر ، ومسدسين ، بالإضافة لمعدات أخرى ..
والآن باتوا شبه واثقين أنه لن يتمكن أحد من لمس هؤلاء الجنود ، بالأخص بعدما اختفت تلك الجرائم الغامضة المنظمة لمدة أسبوع ..
وعادت الجرائم العشوائية كما كانت ، فيصاب جندى بإصابة غير إحترافية ، ويُقتل المتسبب بتلك الاصابة فى لحظتها ، مودعاً حياة الفقر والذل والإهانة ..
مودعاً أهله وأحبائه ووطنه ..
فقط بسبب اعتقاد الدول الأخرى أن لها الحق فى أخذ اى ارض تريد ، وسلب حياة أى شخص ضعيف ، لا حول له ولا قوة ..
هذا ما يثير الغضب فى نفس إسماعيل ، ويجعله صامداً امام كل ما يواجهه ..
أمريكا ..
إسرائيل ..
كُره شعبه له ..
الرحلات الاستكشافية المُرهقة ، والتى قد تودى بحياته ..
المجهودات الجسدية والعقلية والنفسية التى يبذلها ..
زفر ( اسماعيل ) فى تعب ، ورفع رأسه لأعلى ..
– « الرحمة من عندك يا الله .. »
ثم تمدد على الأرض ، وأرخى جسده وذهنه تماماً ..
وغط فى نوم عميق ، تماماً مثل ( محمد ) والطفل ( أحمد ) ..
ولم يشعر بالوقت يمضى أبداً ..
لم يشعر بالوقت الذى حدده ( نانويس ) وهو يمضى ، إلا وهذا الأخير يقول :
– « سـيّد ( إسماعيل ) ، إستيقظ .. لقد وصلنا للإسكندرية والسيارة تنتظر على البر .. »
فتح عينيه ببطء شديد ، ونهض عن الأرضية ، بنشاط يتعارض تماماً مع ما يشعر به من آلام فى ضلوعه ، ومع شيب فوديه ، الذى يدل على تقدمه فى العمر ، رغم أنه يبلغ من العمر التاسعة والثلاثين فحسب ، وقال مازحاً رغم كل مايشعر به :
– « آمل أن تتقبل ( صفية ) امر الطفــل ، فهى حادة الطباع .. »
اتجه نحو ( محمد ) النائم بعمق منذ ثلاثة ساعات ، وهزه برفق وحذر ..
وعلى الرغم من أنها كانت هزه خفيفة ، إلا أنه قد إنتفض بعنف ، ولطم ( إسماعيل ) على وجهه ، فتراجع بعنف ، حتى سقط على الأرض وإلتصق ظهره بالحائط ، وهو يتحسس وجهه فى ألم ، ومحمد يلهث فى عنف لبضع ثوان ، قبل أن يقول :
– « يا إلهى .. ( إسماعيل ) !! أنا اسف حقًّا يا رجل ! .. »
قال ( إسماعيل ) :
– « لا بــأس ، يبدو أنك أيضـاً قد مررت بالكثيـر هناك .. »
قال ( محمد ) :
– « أشعــر بالفعل وكـأن شـىء ما قد حدث لى هناك ، ولكنى لا اذكر أى شـىء .. آخر ما اذكره هو ذهابى لفحص جثث الجنود الأمريكيين .. »
أشار إليه ( إسماعيل ) ، قائلاً :
– « حسناً لنتحدث عن هذا الأمر ، بينما نستقل السيارة عائدين لميكلورد .. أحضر ( أحمد ) ولننطلق .. »
انعقد حاجبى ( محمد ) ، وقال مستغرباً :
– « ( أحمد ) ؟! .. »
استدار ( إسماعيل ) ليفتح قُبة الغواصة ، وهو يشير من خلف ظهره :
– « ذلك الطفل الرضيع النائم .. »
استدار ( محمد ) نحوه ، وكانت بالفعل اول مرة يلحظ وجود ذلك الطفل على متن الغواصة ، و ( إسماعيل ) يكمل :
– « سأشرح لك كــل شــىء فى الطــريق .. »
وبالفعل حمل ( محمد ) الطفل وصعد الإثنين نحو البر ، حيث كانت سيارة ( إسماعيل ) الرانج روفر السوداء تنتظره ..
دخل الجميع إليها ، وانطلقت السيارة تلقائيًّا ، بنظام قيادة آلى متقدم ..
وطوال الطريق ، راح ( إسماعيل ) يلقى كل ما حدث بالتفصيل على مسامع زميله ( محمـد ) ، الذى اتسعت عيناه فى دهشـة وذهـول ، وهو يقول :
– « ربـــاه ! وأنــا كنت أعتقــد أن ما مررت به هناك كان غريباً !! .. ولكنه لا شـىء مقارنة بما حدث معـك ! .. »
ابتسم ( إسماعيل ) ابتسامة باهتة ، بينما أردف ( محمد ) قائلاً :
– « آه ، كدت أنسى .. لقد عثرت على هذا فوق إحدى الجثث الأمريكية .. »
ثم أخرج كيساً بلاستيكياً شفافاً ، وُضع بداخله شـىء شديد الصغر ، لم يستطع ( إسماعيل ) رؤيته من بين يدي ( محمد ) ، فإلتقط الكيس ودقق الرؤية فيه ، وبدا كنقطة صفراء لا معنى لها ، فقال ( إسماعيل ) :
– « وبماذا يفترض لهذا أن يكون ؟! .. »
قال ( محمد ) فى إنفعال :
– « حبة رمل .. »
إنعقد حاجبى ( إسماعيل ) فى استعجاب ، وردد حائراً :
– « حبة رمل ؟! .. وما الذى قد يعنيه هذا ؟! .. »
قال ( محمد ) وهو يضرب كفاً بكف :
– « ركز يا ( إسماعيل ) .. لقد كُنا فى مكان كل مافيه هو الثلج فقط ، هل من الطبيعى توجد رمال فى منتصف قارة متجمدة كليًّا ؟! .. »
تحمس ( محمد ) ، عندما بدأت ملامح ( إسماعيل ) تتحول ، ليملأها علامات التفكير العميق ، فأكمل :
– « أنا متأكد إذا فحصها ( عبد الرحمن ) سنتوصل إلى شـىء مهم بخصوص ما حدث هناك فى ( أنتاركتيكا ) ، و ... »
بتر ( محمد ) عبارته ، عندما لاحظ الحزن الذى ظهر فى عينى ( إسماعيل ) ، وهو ينظر من حوله إلى خارج السيارة ..
حيث وقف العشرات من سكان الطبقة السُفلى ينظرون فى إستنكار واحتقار إليهم ..
– « ( إسماعيل ) ؟! .. »
اجابه إسماعيل :
– « أكمل حــديثك .. »
مط ( محمد ) شفتيه ، وتراجع على مقعد السيارة ليسند ظهره ، ويقول :
– « لا عليك .. سأكمل عندما نصل إلى ( ميكلورد ) .. »
كان يعلـم أن قلب ( إسماعيل ) الآن ينفطر لأشلاء ؛ بعد رؤيته لأبناء بلده وهم ينظرون إليه بإستحقار ..
وهذا اكثر جزء يكرهه من الرحلات الإستكشافية ..
المرور بالطبقة السُفلى ..
حيث تجد الكراهية ..
والألم ..
والجوع ..
والعدائية ..
وكل ما هو سـىء وشرير ..
كم يتمنى ( إسماعيل ) أن يساعدهم بأسرع وقت ممكن ..
ولكن الإتفاقية تنص على عدم مساعدة ( إسماعيل ) لسكان الطبقة السفلية ..
وعندما حاول الاعتراض على هذا البند ، كاد الأمريكيون يلقون بالإتفاقية فى القمامة ، ويقتلوه برصاصة مباشرة فى رأسه ..
ولم يملك ( إسماعيل ) فى ذلك الوقت سوى أن يتنهد فى عمق ، ويحمد ربه على كل حال ..
قال ( إسماعيل ) ، وهو يحاول نفض حزنه عنه تماماً :
– « أكمل الآن .. هذا سيساعدنى فى تناسى تلك الكراهية التى يكنّوها لى .. »
قال ( محمد ) متعاطفاً :
– « لا أظن أنهم يكرهونك يا ( إسماعيل ) .. »
اجابه ( إسماعيل ) :
– « بالتأكيد يفعلون .. لقد تعاونت مع مُستعبدهم ، وأقدم لهم الإختراعات العلمية والتكنولوجية ، التى تساعدهم فى الإستمرار بسيطرتهم على ( مصر ) ودول الشرق الأوسط وشرق آسيا .. »
اندفع ( محمد ) يقول :
– « ولكن انت ... »
صاح ( إسماعيل ) فجـأة ، مقاطعاً عبارة زميله :
– « ما الذى ؟! .. »
وقبل أن تكتمل صيحته ، ارتطمت ثلاثة صواريخ طويلة رفيعة ، انطلقت من مصدر مجهول خلفهم ، بالسيارة التى تحمل ( إسماعيل ) و ( محمد ) والطفل ( أحمد ) ..
ودوى إنفجار عنيف ، أطاح بالسيارة كليًّا ، وبالشارع بأكمله ..
                         ★ ★ ★
في وسط القفر مهد الحضارة كانت امة الهرم

في حين ضعف من بعد قوة همست صياحا من شدة الالم
سكنت نور البلاد فما الحال الا في دموع من الندم

بيداء جفت بعدما ارتوت و ارتوي الغريب فيها من
ضفاف بجانب اليم

و اذ بالاحوال بلُب البلاد قد خسفت  كأن السراب
محمي من الوهم
                        ★ ★ ★
             انتهى الفصل الثانى بحمدالله
      الفصل القادم [ بداية ثورة ميكلورد 
                  الأولى ] باذن الله
© Yahya Elkenani,
книга «NIGHTBRINGER - جالب الظلام».
03. بداية ثورة ميكلورد الاولى
Коментарі