Synopsis
Chapter One: نقطة الانهيار
Chapter Two:ظلال متغيرة
Chapter Three:في قبضة الظلال
Chapter Four: وجه جديد في الظلال
Chapter Five : بقايا الرماد
Chapter Six: خيوط متشابكة
Chapter Seven: خيوط خفية
Chapter Eight: الاستحواذ
Chapter Nine: ليلة السيطرة و وسم الخضوع
Chapter Ten: استيقاظ الروح المتروكة
Chapter Eleven: شباك الاكاذيب
Chapter Twelve: كسر الصمت
Chapter Thirteen: عتبة الهاوية
Chapter Fourteen: عواقب التدخل
Chapter Fifteen: مكالمة في الظلام
Chapter Sixteen: تآكل الثقة
Chapter Seventeen: الانقسام و البدايات الجديدة
Chapter Eighteen: لمسة الشفاء و ندبة الذكرى
Chapter Nineteen: بقايا الاحتلال
Chapter Twenty: رمال متحركة
Chapter Twenty One: الرعاية الخانقة و المسؤوليات البعيدة
Chapter Twenty Two: حصن ينهار و أغلال غير مرئية
Chapter Twenty Three:لمسة أمل و وعد بالعودة
Chapter Twenty Four: تحت المجهر و سباق الزمن
Chapter Twenty Five : عناق في الظل و عودة إلى القيد
Chapter Twenty Six: أسرار الجلد و الحرير
Chapter Twenty Seven: لمسة الحرية و ظلال مألوفة
Chapter Twenty Eight: الانكشاف الاعمق و عناية خفية
Chapter Twenty Nine: ظلال الرغبة الخفية والمكالمات المستبدة
Chapter Thirty: بين السيطرة المطلقة والاستسلام العميق
Chapter Thirty One: شرخ لا يلتئم
Chapter Thirty Two: اصداء الصمت
Chapter Eighteen: لمسة الشفاء و ندبة الذكرى
مرت الأسابيع التالية كواحة سلام في صحراء الألم بالنسبة ليو. كان قصر جوليان قد أصبح ملاذاً حقيقياً، ليس بجماله المريح فحسب، بل بالحضور الهادئ والمطمئن لجوليان نفسه. بدأت جروح ليو، النفسية قبل الجسدية، تلتئم ببطء تحت رعاية جوليان الدقيقة، وفي ظل استكشاف لطيف ومدروس لجانب جديد من السيطرة.
كان كل يوم يحمل اكتشافاً جديداً. في إحدى جلساتهما الصباحية، بينما كانا يحتسيان القهوة ويتصفحان كتاب "فن التسليم"، أشار ليو إلى جملة معينة: "التسليم ليس فقداناً للحرية، بل هو تحرر من مسؤولية الاختيار".
"أجد صعوبة في فهم هذا،" قال ليو، وعيناه لا تزالان تحملان آثار الارتباك. "كيف يمكن أن يكون عدم الاختيار حرية؟"
نظر جوليان إليه، وابتسم بهدوء. "عندما تختار أن تثق بشخص آخر ليقودك، فأنت لا تتخلى عن حريتك، بل تمنحها. أنت تختار أن تضع عبء القرارات في يد شخص تثق أنه سيهتم لمصلحتك. هذا بحد ذاته فعل قوة يا ليو، لأنه يتطلب شجاعة هائلة."
استمرت النقاشات على هذا المنوال، كانت كل كلمة تفتح آفاقاً جديدة في ذهن ليو. وفي بعض الأمسيات الهادئة، عندما كان يتحدث عن شعوره بفقدان السيطرة في المواقف العادية، اقترح جوليان أن يترجما هذه الأفكار إلى أفعال.
"هل تثق بي يا ليو، لتسمح لي بأن أرشدك؟" سأل جوليان بهدوء، وعيناه تعكسان صدقاً لا يتزعزع.
"أثق بك يا جوليان،" همس ليو، كانت الكلمات تخرج بصعوبة، لكنه شعر بصدقها وهو ينظر إلى جوليان، يرى فيه الأمان الذي فقده.
كانت أولى تجاربهما خفيفة، لكنها عميقة التأثير.
ذات يوم، بينما كانا جالسين في غرفة المعيشة الهادئة، قال جوليان: "أريد أن نجرب شيئاً يا ليو، شيئاً سيساعدك على مواجهة خوفك القديم. أريد أن نتدرب على لعب الثقة (Trust Play)، حيث تمنحني السيطرة الكاملة على حواسك. هل أنت مستعد؟"
نظر ليو إليه، وقلبه ينبض بقوة. كانت فكرة أن يمنح شخصًا آخر السيطرة تثير رعباً قديماً، لكن عيني جوليان كانتا تفيضان بالثقة. "أنا... أنا خائف،" همس ليو بصراحة.
"لا بأس أن تكون خائفاً،" رد جوليان بهدوء، "لكن أغمض عينيك. ثق بي، أنا هنا. لن أسمح لأي شيء أن يؤذيك."
أغمض ليو عينيه، وشعر بالظلام يطبق عليه. كانت لحظة من الضعف المروع، تذكره بالذل الذي شعر به من قبل. لكن بعد ثوانٍ، شعر بلمسة ناعمة، لمسة يد جوليان الحانية وهي تربط وشاحاً حريرياً فضفاضاً حول معصميه.
"هذا ليس قيداً، بل ثقة،" قال جوليان، صوته يهمس بالقرب منه. "هذا هو لعب الربط الناعم (Soft Bondage). يمكنك أن تفك نفسك بسهولة إذا أردت. لكنني أدعوك للبقاء، لتشعر بالفرق. أنت تتحرر معي، وليس مني."
تسللت الكلمات إلى عقل ليو، تسري في عروقه كالبلسم. كانت أصابعه المربوطة تسترخي ببطء، وكأنها تستسلم لدفء مريح بدلاً من الخوف المعتاد. كان صوت جوليان الهادئ والمرشد هو مرساته الوحيدة في هذا الظلام الذي اختاره.
"ماذا تشعر؟" سأل جوليان بهدوء، يمرر إبهامه برفق على الجلد فوق الوشاح.
"بالهدوء..." تمتم ليو، يده ترتجف قليلاً، "أشعر أني... أستطيع أن أتنفس."
"أجل،" رد جوليان. "تنفس، يا ليو. اترك التوتر يغادر جسدك. هذه هي البداية."
في مرة أخرى، طلب جوليان من ليو أن يستلقي على أريكة بينما كان يمرر يديه بلطف على ظهره، تحديداً على المناطق التي ما زالت تحمل آثار الألم القديم. تصلب جسد ليو للحظة، ترقب الألم. لكن الألم لم يأتِ. لم تكن هذه اللمسات مؤلمة، بل كانت حانية، متأنية. كانت يده تتوقف عند كل كدمة سابقة، لا تضغط، لا تجبر، بل كانت تخبره بهدوء أن الألم يمكن أن يتحول إلى راحة، وأن الجسد يمكن أن ينسى الخوف. "تنفس معي يا ليو،" همس جوليان. "دع التوتر يغادر جسدك. أنا هنا." أغمض ليو عينيه، وركز على أنفاسه التي أصبحت أعمق وأكثر انتظاماً. هذا غريب... ومريح، فكر، وهو يشعر بأن كل خلية في جسده تبدأ بالاستجابة، وأن التوتر الذي لازمه لأيام بدأ يتلاشى تدريجياً، ليحل محله شعور غريب بالانفلات والتحرر. "نعم... أنا بخير،" تمتم ليو، بالكاد مسموعاً، اعترافاً بالراحة التي يجدها.
"المتعة في التسليم يا ليو، هي في التحرر من عبء الاختيار،" شرح جوليان ذات مرة بينما كان يفك ربطة حريرية عن معصم ليو، تاركاً إحساساً بالهدوء ينتشر في جسده. "أن تعرف أن هناك من يرشدك باهتمام، ويهتم بسلامتك قبل أي شيء آخر."
تعددت هذه الجلسات الهادئة على مدار الأيام، كانت كل منها تُضيف طبقة جديدة من الفهم والأمان لليو. بدأ جوليان يطلب منه مهام بسيطة، مثل اختيار ملابسه ليوم معين، أو اتباع جدول زمني محدد لروتينه اليومي، أو التركيز على تمارين التنفس عندما يشعر بالقلق. كانت هذه الطلبات لا تشعر ليو بالتقييد، بل بالاهتمام والتوجيه. كان يتفاجأ بمدى سهولة انقياده لهذه التعليمات، وكيف أن ترك بعض المسؤوليات لجوليان كان يمنحه إحساساً بالخفة والحرية، لا العجز. هل هذا ما شعر به كيليان مع ديمون؟ لا، هذا مختلف، فكر ليو، يعي الفارق بين الاختيار الواعي والتسلط القسري. هذا... هذا جيد لي. كان يشعر بالنمو، بالقوة التي تتسرب إليه من خلال هذا الفهم الجديد. بدأ ينام بشكل أفضل، الكوابيس تتراجع، ويحل محلها هدوء غير متوقع. كان جوليان قد أصبح مرساة له في عاصفة ماضيه، وقد بدأ يثق به بشكل لم يثقه بأحد من قبل.
وذات يوم، بينما كانا يتناولان القهوة في غرفة المعيشة المشمسة، مع ضوء الصباح يتدفق عبر النوافذ الكبيرة، غير جوليان نبرة صوته المعتادة التي كانت تبعث على الراحة.
"ليو،" قال جوليان، صوته يحمل ندمًا خفيفًا، وهو يضع فنجانه على الطاولة الزجاجية. "عندي أخبار قد لا تسرك تماماً."
انقبض قلب ليو. "ماذا هناك؟" سأل، شعر بتوتر غريب يتسلل إليه. لقد اعتاد على هدوء جوليان، وأي تغيير في ذلك كان يثير قلقه.
"يجب أن أغادر في رحلة عمل،" تابع جوليان، ملامحه تعكس إحساسًا بالواجب. "رحلة طويلة نوعًا ما. إلى اليابان. ربما تستغرق أسبوعين، ربما أكثر."
انقبض قلب ليو. الأسبوعان بدا وكأنهما دهر. كانت فكرة العودة إلى شقته، إلى وحدته، إلى ذكريات الألم التي كانت بالكاد قد بدأت تتلاشى، كابوسًا جديدًا. شعر بالبرد يتسرب إلى عظامه. كان قد بنى كل هذا الأمان حول وجود جوليان. ماذا سيفعل بدونه؟
"لكن... متى ستعود؟" سأل ليو، صوته يحمل توتراً لم يقصده. لم يكن يريد أن يبدو ضعيفاً، لكن الخوف كان يخنقه. لا تتركني وحدي، تمنى أن يقولها بصوت عالٍ.
"بأسرع ما يمكن، صدقني،" طمأنه جوليان، ومد يده وربت بلطف على ركبة ليو. "سأكون على اتصال دائم. لكن أريدك أن تستمر في القراءة. أن تستمر في التأمل. لا تدع هذا يوقفك. أنت قوي يا ليو، أقوى مما تتخيل."
كانت كلمات جوليان تهدف إلى الطمأنة، لكنها لم تكن كافية. عندما حان وقت وداع جوليان في اليوم التالي، شعر ليو بفراغ يملأه. كانت لمسة جوليان الوداعية على كتفه، ونظرة عينيه المليئة بالثقة، بمثابة وعد، لكن الفراغ كان أكبر من أن يملأه وعد. ودّعه بابتسامة خافتة، يشعر بثقل غيابه قبل أن يغادر عتبة الباب. كيف سأتدبر الأمر؟ فكر بمرارة.
عاد ليو إلى شقته تلك الليلة، وشعر بالصمت يطبق عليه كالسجن. كل زاوية، كل ظل، بدت وكأنها تحمل تذكيراً بالرجل الذي أذله. بدأت الكوابيس تعود، أكثر شراسة هذه المرة، وكأنها تستغل غياب الحماية التي كان جوليان يوفرها. كان يشعر بالوحدة تنهش روحه، والأسئلة القديمة تعود لتطارده. هل كان كل هذا مجرد وهم؟ هل سيبقى محاصراً في شبح السيطرة المظلمة إلى الأبد؟
أمسك ليو بكتاب "فن التسليم" وحاول القراءة، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيه بلا معنى. كان تركيزه قد تبدد. بدلاً من ذلك، بدأ يشعر بضيق في صدره، وبأن الجدران تضيق عليه. كان غياب جوليان قد أعاد إليه الشعور بالعجز، بالسيطرة التي فقدها والتي لم يعد هناك من يحميه منها. أنا أعود إلى النقطة الأولى، فكر بيأس. لا، لا يمكنني. يجب أن أفعل شيئاً. بدا له وكأن الجدران تتنفس، تضغط عليه، تذكره بكل لحظة ضعف.
كانت الأيام التالية بطيئة ومروعة، تذكره بأيام العزلة الأولى بعد تلك الليلة المروعة. لكن ليو، بطبيعته الاجتماعية، لم يستطع تحمل العزلة طويلاً. كان بحاجة إلى التواصل، إلى أن يشعر بالحياة، حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة. وفي ليلة خميس، قرر أن يذهب إلى أحد النوادي الليلية البارزة في أوريليا، ليس أي نادٍ، بل واحداً كان قد سمع عنه في السابق، ويُعرف بكونه مكاناً يرتاده مجتمع BDSM، ولكن بطريقة غير رسمية، أكثر كبار.
عندما دخل النادي، غمرته الأضواء الخافتة الملونة، وصوت الموسيقى النابض الذي يملأ المكان، ورائحة العطور والجلد. كان المكان مزدحماً، الناس يرقصون، يتحدثون، يضحكون. رأى أزواجاً يتبادلون النظرات العميقة، وآخرين يرتدون ملابس جريئة، لكن الأجواء كانت مريحة بشكل مدهش، خالية من الحكم. لم يكن هذا المكان يشبه الغرفة الخاصة بالرجل الذي أذله، المعتمة، المحكمة. كان هذا عالماً مفتوحاً، متحرراً.
شعر ليو ببعض الراحة في البداية، وكأن وزناً قد أزيح عن صدره. كان يتجول، يراقب الناس، يحاول أن يفهم. هل هذا ما يجذب البعض؟ بينما كان يحتسي مشروباً في زاوية منعزلة، كان يحاول تحليل المشهد، محاولاً ربط ما يراه بالصدمة التي تعرض لها. هذا هو العالم الذي تحدث عنه جوليان، فكر ليو. عالم القبول. لكن... هل يمكنني أن أجد مكاني هنا؟ هل يمكنني أن أثق؟ كان يتأمل الوجوه حوله، يبحث عن أي إشارة على الخطر الذي شعر به من قبل.
فجأة، شعر بوجود خلفه. كان شخص يقف قريباً جداً. التفت ليو ليرى رجلاً أطول منه قليلاً، بملامح جذابة وعينين ودودتين. كان الرجل يرتدي قميصاً مفتوح الأزرار يكشف عن سلسلة فضية حول رقبته.
"تبدو جديداً هنا،" قال الرجل بصوت دافئ، وابتسامة خفيفة. "اسمي مارك."
"ليو،" أجاب ليو، صوته كان أكثر برودة مما كان يقصد. شعر مارك هذا وكأنه منفتح جداً، بينما ليو كان لا يزال مغلفاً بطبقات من الحذر والتردد. "أهلاً،" أضاف ليو، يحاول أن يخفف من حدة صوته، لكن التوتر كان لا يزال يتسلل إليه.
"هل أنت هنا للبحث عن شيء معين؟" سأل مارك، وعيناه تحملان فضولاً حقيقياً. بدا وكأنه مهتم حقاً.
شعر ليو بلحظة من التردد. كان مارك جذاباً، ويبدو لطيفاً، ويظهر اهتماماً به. كان هذا ما يحتاجه ليو، شخص مهتم، غير ذلك الرجل الذي ما زال شبحه يطارده. لكن شيئاً ما بداخله انقبض. كانت ذكرى الأيدي التي أمسكت به، والوجه البارد الذي أذله، تومض في ذهنه. "لا، لا أستطيع،" همس لنفسه. لا يمكنني الوثوق.
"لا، أنا فقط... أتجول،" قال ليو بحدة، وهو يتراجع خطوة. "أنا لست مهتماً."
بدت خيبة الأمل على وجه مارك، لكنه أومأ برأسه باحترام. "حسناً. استمتع بليلتك."
ابتعد مارك، وعاد ليو إلى وحدته، وشعر بضغط غريب في صدره. كان قد رفض شيئاً كان يمكن أن يكون لطيفاً، شيئاً كان يمكن أن يشفيه. لكنه لم يستطع. كان شيئاً ما بداخله يصرخ بالتحذير، بالبقاء بعيداً، بعدم الوثوق. "أنا آسف،" تمتم ليو، متوجهاً بكلماته إلى الفساح في النادي، لا إلى مارك تحديداً. أنا لا أستطيع. أنا لا أستطيع.
ولم تكد الدقائق تمر، حتى شعر ليو بتغير مفاجئ في جو النادي. تباطأت الموسيقى قليلاً، وتوقفت بعض المحادثات، وتوجهت بعض الرؤوس نحو المدخل. كان هناك صمت غريب، قصير، ثم همس خافت انتشر بين الحضور. لم يكن هناك صراخ، بل مجرد إدراك جماعي لشيء قوي وغير متوقع.
شعر ليو بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري قبل أن يرى. ثم، رأى ديمون بلاكوود.
كان ديمون يتقدم عبر الحشد ببطء وثبات، وكأنه ملك يخطو في مملكته. لم يكن يرتدي بذلته الرسمية، بل قميصاً أسود حريرياً مفتوحاً قليلاً عند الصدر، وسروالاً داكناً يناسب جسده المثالي. كانت عيناه الرماديتان الباردتان تتفحصان المكان، تخترقان الظلال والأضواء الخافتة، تبحثان عن شيء محدد.
شعر ليو بأن قلبه توقف عن النبض. حاول أن يختبئ في الظل، أن يصبح غير مرئي، لكنه كان يعلم أنه لا جدوى. كانت عينا ديمون بلاكوود الثاقبتان تستقران عليه، تقفلان عليه كما يفعل المفترس بضحيته.
تقدم ديمون مباشرة نحو ليو، متجاهلاً النظرات الفضولية، وكأن لا أحد آخر موجود في الغرفة. توقف على بعد خطوات قليلة، ونظر إلى ليو بابتسامة خافتة، لمسة ناعمة تكاد تكون شفافة، لكنها كانت تخفي خلفها فولاذًا باردًا.
"ليو،" قال ديمون بلاكوود بصوت هادئ، ناعم تقريباً، لكنه كان يرتجف في أذني ليو كصوت رعد بعيد. "ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اعتقدت أن الأمور كانت واضحة بيننا."
كان ليو يرتجف، بالكاد يستطيع الوقوف منتصباً. "أنا... أنا فقط... كنت أتجول،" تمتم، صوته ضعيف ومكسور. لم أكن أعرف أنك ستكون هنا، أراد أن يصرخ، لكن الكلمات علقت في حلقه.
انحنى ديمون بلاكوود قليلاً، خفض رأسه إلى مستوى أذن ليو، وهمس بنبرة بالكاد مسموعة، لكنها كانت تحمل وزناً هائلاً: "إنني أقدر مساحتك الشخصية يا ليو. ولكني أيضاً أقدر النظام، وأهمية أن يفهم كل منا دوره. لقد أوضحت لك مسبقاً أن تدخلك ليس محل ترحيب. هذا لا يزال ينطبق عليك أينما كنت، مع من كنت. هل هذا واضح؟"
ارتجف ليو، وشعر بأن قدميه تخذلانه. لم يكن ديمون بلاكوود يهدده بالصراخ أو الغضب، بل بنبرته الواثقة والمهذبة التي لا تترك مجالاً للشك. لقد كان يخبره أنه لا يزال ملكه، لعبة في يده، وأن محاولاته للانفصال عن عالمهما كانت عبثاً. لا، ليس ملكك! صاح صوت في رأسه، لكن جسده كان يرتجف، غير قادر على التمرد.
"هيا يا ليو،" قال ديمون بصوت ناعم، لكنه كان أمراً لا يقبل الجدل. "لنذهب إلى مكان أكثر خصوصية، حيث يمكننا أن نلعب."
لم يكن هناك خيار. لم يستطع ليو أن يرفض. تبع ديمون بلاكوود عبر النادي، وكأنه عبد يسير خلف سيده. كان كل خطوة بمثابة اعتراف بالهزيمة، وتأكيد على أن ديمون بلاكوود كان دائماً على حق. كان يشعر بنظرات الفضول تلاحقه، وبالعار يلتهم روحه. لقد حذرني جوليان من هذا، فكر بمرارة، لكنني لم أكن أعلم.
في غرفة خاصة، لم تكن تشبه غرفة "اللعب" المظلمة التي رآها من قبل، بل كانت فسيحة ومزينة بذوق رفيع، وقف ديمون بلاكوود والتفت إلى ليو.
كانت عينا ديمون بلاكوود تراقبان ليو، تدرسان كل تفصيلة في وجهه الشاحب، وكل رعشة في جسده. لم يكن هناك غضب، بل هدوء قاسٍ. مد يده، وببطء متعمد، أزاح شعر ليو عن جبهته، ثم تتبعت أصابعه خط فكه، وصولاً إلى ذقنه، ليرفع رأسه بلطف، مجبراً ليو على أن ينظر إليه مباشرة. كانت لمسة خفيفة، لكنها كانت كالحبل الذي يربط ليو، يمنعه من النظر بعيداً. كانت عينا ليو، المملوءة بالرعب، تجولان في الغرفة، تبحثان عن أي مهرب، لكنهما لم تجدا سوى أثاث فاخر وجدران عازلة. شعر بضيق في صدره، وبأن الهواء قد نفد من رئتيه. لا، ليس هذا مرة أخرى، توسل في صمت، بينما كانت دموعه تهدد بالانهمار.
"لا تزال تبدو متعباً يا ليو،" همس ديمون، صوته ناعم، لكنه كان يبعث بقشعريرة في روح ليو. "لا تزال تشعر بآثار آخر لقاء لنا، أليس كذلك؟" كانت تلك الكلمات لا سؤالاً، بل تأكيداً على معرفته التامة بحالة ليو، واعترافاً ضمنياً بأن هذا اللقاء كان تذكيراً مقصوداً. "لن نكرر ذلك الجانب اليوم. سأكون لطيفاً."
خطا ديمون خطوة للأمام، وأصبح قريباً جداً من ليو. مد يده، وأصابعه الطويلة، ببطء شديد، بدأت تلامس حافة قميص ليو. لم يسحب، بل مجرد لمسة خفيفة، ثم بدأ ينزلها ببطء، حبة حبة، تاركاً كل زر يفتح بهدوء. كانت الحركة متعمدة، تعرض جسد ليو ببطء للعرض. كانت عينا ديمون لا تفارقان عيني ليو، يراقبان كل انقباضة في عضلاته، كل رفة جفن. شعر ليو بالعار يحرق وجهه. كان جسده يرتجف لا إرادياً، لكنه لم يستطع التحرك. كان ديمون بلاكوود يجرد منه كل حصن، ليس بالقوة، بل بلمسة حازمة وهادئة تجعل المقاومة تبدو سخيفة. عندما أصبح قميصه مفتوحاً بالكامل، انزلقت يد ديمون ببطء، لتلامس بطن ليو، ثم تتجه صعوداً لتلمس صدره، ثم ذراعيه، كأنما كان يرسم خريطة لجسده، يمتلك كل بوصة فيه. كانت يده لا تضغط، لكنها كانت تخبر ليو أنه مكشوف تماماً، تحت رحمته. شعر ليو بالاختناق. أنا عارٍ تماماً أمامه، فكر بيأس، حتى وأنا أرتدي ملابسي. تمنى أن تبتلعه الأرض، أن يختفي من أمامه.
"اجلس على هذا، يا ليو،" أمر ديمون، مشيراً إلى كرسي جلد أسود، مريح المظهر، لكنه بدا لليو ككرسي كهربائي. كانت نبرة صوته تحمل لمسة رقيقة، لكنها كانت أمراً لا يطاق عصيانه. جلس ليو ببطء، وجسده متهالك، وعيناه لا تفارقان ديمون. شعر أن كل حركة تتطلب جهداً هائلاً، وكأن جسده يتحرك رغماً عنه.
اقترب ديمون بلاكوود، ومد يده بهدوء، وأخذ وشاحاً حريرياً ناعماً جداً كان موضوعاً على طاولة جانبية. لم يكن سميكاً، بل خفيفاً، وكأنه سحابة. رفع الوشاح ببطء، ثم لفه بلطف شديد حول معصمي ليو، ليربطهما معاً، في حركة أشبه بالمداعبة منها بالتقييد. كانت العقدة فضفاضة، يمكن لليو أن يفكها بسهولة، لكنه لم يفعل. كانت هذه اللعبة كلها تدور حول الخضوع النفسي، لا الجسدي.
"هذا يذكرنا بما حدث، أليس كذلك يا ليو؟" همس ديمون، وهو يمرر أصابعه بلطف فوق الوشاح المربوط. "كيف كان من السهل جداً أن أتحكم بك، حتى عندما اعتقدت أنك قوي. أنت ضعيف، يا ليو. هذا ليس حكماً، بل حقيقة."
شعر ليو بدموع ساخنة تترقرق في عينيه. كان ديمون بلاكوود يرى روحه العارية، ويصفها بكلمات باردة ودقيقة. كانت يده حرة لتضغط على أي زر، لكنها لم تتحرك. كان يعرف أن هذا ليس مجرد تهديد آخر، بل هو إعادة تأكيد لوضعه كـ"لعبة" في يد ديمون. "أنا... أنا لست كذلك،" تمتم ليو بصوت بالكاد مسموع، محاولاً الدفاع عن نفسه، لكن كلماته ضاعت في الخواء. جوليان يقول إنني قوي، فكر، لكن صوت ديمون كان أعلى في رأسه.
ثم، انزلقت يد ديمون ببطء إلى أسفل ظهر ليو، لتمسح بلطف، ثم تضغط برفق، على مؤخرته، تحديداً على المنطقة التي كانت قد تلقت الضربات. لم يكن الضغط مؤلماً، بل كان تذكيراً بارداً، عميقاً. تذكيراً بالجروح، وبالسلطة، وبالسيطرة التي لا تتلاشى. كانت يده لا تزال خفيفة، لكن ليو شعر بكل رعشة في أصابع ديمون، كأنها تخبره بأنها تتذكر كل ضربة، وكل ألم. تقلص ليو، شعر وكأن الكهرباء تسري في جسده، لكنه لم يصرخ. إنه يعرف. إنه يتذكر. لن أنسى هذا أبداً. كانت تلك اللمسة الباردة أشد وطأة من أي كدمة.
"أنت ملكي يا ليو،" همس ديمون، وصوته أصبح أعمق قليلاً. "وكلما حاولت أن تنسى، كلما سأذكّرك. هذا هو مصيرك. لا يمكنك الهروب مني."
في تلك اللحظة، وسط الرعب والذل، جمع ليو شجاعته المتبقية، وبصوت بالكاد مسموع، ممزوج بالخوف ولكن بنبرة رجاء حقيقية، قال: "ديمون... من فضلك. أنا... أنا فقط صديق دومينيك. لا أريد أي شيء آخر منه. أنا لست... أنا لست مهتماً بك. أنا فقط أريد أن أبقى صديقه. هذا كل شيء. لا يوجد أي شيء آخر بيننا." كانت كلماته متقطعة، تحمل نداءً يائساً للفهم. أرجوك، دعني وشأني، صرخ قلبه، عاجزاً عن التعبير عن ذلك.
نظر ديمون بلاكوود إلى ليو، وعيناه لا تحملان أي مفاجأة، بل نظرة فهم باردة. ارتسمت ابتسامة خافتة، غامضة على شفتيه. "أعلم ذلك يا ليو،" قال ديمون، وصوته ظل هادئاً، ولكنه حمل معنى أعمق. "أعلم جيداً ما أنت عليه، وما لست عليه. هذا هو بالضبط سبب وجودك هنا. ولماذا... أنت مهم بالنسبة لي."
ثم، وبحركة مفاجئة، استقام ديمون بلاكوود، وفك الوشاح بلطف من معصمي ليو، وألقاه على الطاولة. ألقى نظرة أخيرة على ليو، نظرة لا يمكن فك شفرتها تماماً بين الاهتمام المحسوب والتحذير القاطع، ثم استدار وابتعد، يترك ليو وحيداً في الغرفة، جسده عارياً جزئياً، وروحه مكشوفة بالكامل. كانت لمسة ديمون اللطيفة قد اخترقته بعمق أكثر من أي عقاب جسدي. كان هذا هو اللعب الحقيقي. اللعب بالعقل، بالروح، بالوعي التام بأن لا هروب.
وقف ليو متجمداً، أنفاسه لاهثة، ودموعه تجمعت في عينيه. لم يذهب ديمون بلاكوود إلى النادي للرقص أو الاستمتاع. لقد أتى من أجله هو. لإظهار قوته. لإعادة تأكيد سيطرته، ولكن هذه المرة بلمسة ناعمة، لكنها قاتلة. "لا... ليس مرة أخرى،" همس ليو، صوته مكسور، وهو يسقط على الكرسي، يشعر بالخدر يتسلل إلى أطرافه. كان الجو في الغرفة قد تغير، أصبح ثقيلاً، يضغط على صدره، يخنقه.
كان هذا النادي، الذي كان يُفترض أن يكون ملاذاً للحرية، قد أصبح الآن سجناً آخر. كان ليو محاصراً تماماً. لم يكن هناك هروب.

يتبع......

إذا أعجبكم الفصل لا تنسو تحطو فوت و كومنتس
© Minami Haruka,
книга «Beyond The Collar».
Chapter Nineteen: بقايا الاحتلال
Коментарі