Synopsis
Chapter One: نقطة الانهيار
Chapter Two:ظلال متغيرة
Chapter Three:في قبضة الظلال
Chapter Four: وجه جديد في الظلال
Chapter Five : بقايا الرماد
Chapter Six: خيوط متشابكة
Chapter Seven: خيوط خفية
Chapter Eight: الاستحواذ
Chapter Nine: ليلة السيطرة و وسم الخضوع
Chapter Ten: استيقاظ الروح المتروكة
Chapter Eleven: شباك الاكاذيب
Chapter Twelve: كسر الصمت
Chapter Thirteen: عتبة الهاوية
Chapter Fourteen: عواقب التدخل
Chapter Fifteen: مكالمة في الظلام
Chapter Sixteen: تآكل الثقة
Chapter Seventeen: الانقسام و البدايات الجديدة
Chapter Eighteen: لمسة الشفاء و ندبة الذكرى
Chapter Nineteen: بقايا الاحتلال
Chapter Twenty: رمال متحركة
Chapter Twenty One: الرعاية الخانقة و المسؤوليات البعيدة
Chapter Twenty Two: حصن ينهار و أغلال غير مرئية
Chapter Twenty Three:لمسة أمل و وعد بالعودة
Chapter Twenty Four: تحت المجهر و سباق الزمن
Chapter Twenty Five : عناق في الظل و عودة إلى القيد
Chapter Twenty Six: أسرار الجلد و الحرير
Chapter Twenty Seven: لمسة الحرية و ظلال مألوفة
Chapter Twenty Eight: الانكشاف الاعمق و عناية خفية
Chapter Twenty Nine: ظلال الرغبة الخفية والمكالمات المستبدة
Chapter Thirty: بين السيطرة المطلقة والاستسلام العميق
Chapter Thirty One: شرخ لا يلتئم
Chapter Thirty Two: اصداء الصمت
Chapter Thirty-three: انكشاف مؤجل
Chapter Thirty Four: رنينٌ في الفراغ وواقعٌ قاسٍ
Chapter Thirty Five: العودة الى الملاذ
Chapter Thirty Six: ثباتٌ في وجه العاصفة
Chapter Thirty Seven: دفئ الملاذ
Chapter Thirty Eight: وجهة الابدية
Epilogue
Chapter Thirty-three: انكشاف مؤجل
بعد ليلة طويلة من اليأس المطبق وصباحٍ بدأ بظلال رمادية، لم يكن ليو يشعر بأي رغبة في مغادرة شقته. جسده كان مثقلاً بالإنهاك والكدمات الخفية، وعقله يرفض التفكير في أي شيء سوى الفراغ والشرخ العميق الذي تركه جوليان وراءه. لكن الحياة، بطريقة ما، كانت تستمر، ومعها المسؤوليات. رغم الألم الذي كان يعتصر قلبه، أدرك ليو أنه لا يمكنه أن يختبئ إلى الأبد؛ كانت لديه محاضرات، وكان يجب عليه أن يواجه العالم، حتى لو كان ذلك يعني سحب نفسه بصعوبة بالغة. ارتدى ملابسه ببطء، كل حركة تتطلب منه مجهوداً هائلاً لإخفاء آثاره، ثم غادر الشقة، تاركاً وراءه صدى وحدته الخانقة.
في المقهى المعتاد بالقرب من الجامعة، التقى دومينيك بليو، وما زالت الشكوك تثقل كاهله. كانت أجواء المقهى صاخبة كالعادة، لكن دومينيك كان يشعر وكأنه في عالم آخر، محاطاً بهالة من التفكير المفرط والقلق المتزايد.
"مرحباً، يا رجل!" هتف ليو بابتسامة مصطنعة، وهو يلوح لدومينيك من طاولة جانبية. كان ليو يرتدي قميصاً عادياً بسحاب مرتفع وسروال جينز، وشعره الفوضوي يمنحه مظهراً مريحاً ومألوفاً. لكن ما لفت انتباه دومينيك على الفور هو تلك البقع الداكنة المتلاشية على جانب رقبة ليو، وأخرى بالكاد مرئية على رسغه عندما انزاح كمه قليلاً. لم تكن كدمات عادية، بل بدت مألوفة بشكل غريب لدومينيك، شبيهة بالآثار العنيفة والقاسية التي خلفها ديمون أحياناً على بشرته هو. ارتجف قلب دومينيك بخوف خفي، وتسللت الفكرة المربكة إلى ذهنه: هل ليو... في عالم مشابه لعالمي؟
جلس دومينيك، وهو يحاول جاهداً إخفاء توتره الفاضح. "مرحباً ليو. آسف على التأخير."
"لا مشكلة. كنت أراجع ملاحظات المحاضرة على أي حال،" قال ليو، ثم ضحك محاولاً تخفيف الأجواء. "ولكن يا صديقي، تبدو... مختلفاً اليوم. وكأنك التقيت بشبح."
شعر دومينيك باحمرار خفيف في خديه. "فقط... ليلة طويلة. الكثير من الدراسة والضغط."
"كفى أكاذيب يا دومينيك،" قال ليو وهو يدفع كوب القهوة إليه بنظرة ثاقبة. "وجهك يحكي قصة أخرى تماماً. لقد أصبحت أكثر إشراقاً، ولكن هناك شيء غامض ومقيد في عينيك. ما الأمر؟ هل ديمون... هل جعلك ترتفع إلى مستوى آخر من الخضوع والاستسلام؟" كانت نبرة ليو حماسية ومرحة، تعكس معرفته العميقة بطبيعة العلاقات القائمة على السيطرة المطلقة، ولكنه كان يلاحظ في صديقه شيئاً يتجاوز القواعد المعتادة.
تنهد دومينيك؛ كان يعلم أن ليو يعرف الكثير، لكنه لم يدرك بعد العمق الحقيقي والتحول الجديد في القصر. "الأمر... ليس فقط خضوعاً يا ليو. إنه... ديمون نفسه."
اتسعت عينا ليو بفضول، ولكن هذه المرة كان فضوله ممزوجاً ببعض الدهشة والوجل. "ديمون؟ هل أخيراً رأى إمكاناتك الكاملة؟ لقد قلت لك إنه مهتم بك! ولكن ماذا حدث بالضبط؟ هل جعلك تفعل شيئاً لم تتوقعه؟"
"أجل،" قال دومينيك بصوت خافت، وعيناه مائلتان للأسفل، "لقد فعل... شيئاً ما."
"وما هو؟ هل أدرك أنك الأفضل؟ هل اكتشف أنك الـ 'خاضع' الذي بحث عنه طويلاً ليفرغ فيه قوته؟" طرح ليو الأسئلة بحماس طفولي غريب، مستمتعاً بتطور وضع صديقه، لكنه لم يدرك أن دومينيك كان يتحدث عن شيء أعمق وأكثر إرباكاً من مجرد طاعة بدنية وسحق للجسد.
شعر دومينيك بالحرج الشديد والارتباك. كيف يشرح أن الأمر أصبح يتعلق بمشاعر ديمون غير المتوقعة؟ كيف يصف اللمسات الحانية التي تجاوزت الأوامر الباردة، والكلمات التي بدأت تذيب قلبه في خضم السيطرة؟ "الأمر... معقد أكثر من ذلك يا ليو. إنه ليس فقط... عملاً، قواعد، أو تدريباً."
مال ليو إلى الأمام، وعيناه تلمعان بفضول حقيقي لا يخلو من الحذر. "معقد كيف؟ هل هو يطلب منك أشياء... خارج نطاق معرفتك وقدرتك؟ ما الذي يمكن أن يفعله ديمون الغامض الذي لا يمكن لأحد تخيله أو تحمله؟" كان ليو يحاول أن يخمن حدود الألم والسيطرة، في حين كان دومينيك يفكر في حدود المشاعر العاطفية.
"ليس خارج النطاق الذي تعرفه،" تمتم دومينيك، وهو يفرك رقبته بتوتر. "إنه... شخصي جداً. يتعلق... بالتعلم. بتجربة أشياء جديدة، لكن بطريقة... مختلفة تماماً." كانت هذه الكلمات هي الأقرب للحقيقة التي يمكنه التفوه بها، مع تلميح مبهم للجانب العاطفي الذي بدأ يغلف علاقته بسيده.
نظر ليو إلى دومينيك نظرة طويلة فاحصة، ثم ضحك ضحكة قلقة بعض الشيء، تلاشت تدريجياً لتبلغ ملامحه جدية حادة لم يعتدها دومينيك منه. "تجربة أشياء جديدة؟" سأل ليو بنبرة خفيضة، ثم تابع: "ديمون... هو ديمون يا دومينيك. لا يظهر أي مشاعر حقيقية. هو بارع في التحكم والامتلاك، لا في الاهتمام أو الحب. فماذا فعلت أنت لتجعله... يهتم؟ هل بدأ يمنحك وعوداً كاذبة ليضمن استسلامك؟"
شعر دومينيك بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. كلمات ليو كانت تضرب مباشرة على وتر حساس للغاية في أعمق شكوكه الدفينة. كان ليو يتحدث عن ديمون بطريقة تكشف عن معرفة شخصية قريبة، أعمق بكثير مما يزعم. قطع دومينيك حديث ليو وسأله مباشرة، وقد علت نبرة صوته قليلاً محملة بأثر الشك المتنامي: "ليو، لحظة من فضلك. كيف تعرف كل هذا عنه؟ وكيف تعرفه بهذه الطريقة الدقيقة؟ أنت تتحدث عنه كأنك جزء لا يتجزأ من حياته وعالمه الخاص. عندما طلبت مني سابقاً أن أكون حذراً، هل تعرف شيئاً... مريباً، مظلماً، أو غير عادي عنه؟ شيء يجب أن أعرفه؟" كانت عيناه مثبتتين على ليو، تراقبان بدقة أي حركة أو تغيير في تعابيره البصرية.
توقف ليو عن الحركة تماماً، وتراجعت ابتسامته وحماسه. ظهرت نظرة خاطفة ولكنها عميقة وباردة في عينيه، تكشف عن أسرار لم يكن مستعداً للكشف عنها أو ربط اسمه بها الآن. "ديمون... هو ديمون يا دومينيك. الجميع في هذه الدوائر يعرفون سمعته وقسوته." كانت كلماته مبهمة ومقتضبة، تهدف بوضوح إلى إغلاق النقاش، لكنها لم تكن مقنعة أبداً لدومينيك.
لم يتراجع دومينيك؛ فكلمات ليو الأخيرة بأن ديمون لا يهتم بأحد، ونصيحته الملحة والمستمرة بالحذر، كانت تثير في ذهنه تساؤلات ترفض الخمود. ضغط دومينيك أكثر، مائلاً بجسده: "لكن كلامك ليس مجرد 'سمعة' عامة يا ليو. كلامك وطريقتك يدلان على معرفة واحتكاك شخصي. عندما تحذرني منه بهذا الشكل، هل هناك شيء محدد يخيفك فيه؟"
نظر ليو إلى دومينيك نظرة طويلة، غامضة، ثم أطلق تنهيدة خفيفة ومثقلة. "ديمون... معقد ومظلم يا دومينيك. إنه رجل يمتلك الكثير من الأسرار، وله أسباب قاسية لكل شيء يفعله بجسد من يملكه. فقط كن حذراً ألا تضيع نفسك بالكامل في عالمه وتفقد هويتك. هذا كل ما يمكنني قوله لك الآن." كانت إجابته تحمل مزيجاً غريباً من التحذير المخلص والاعتراف غير المباشر بمعرفة تفوق السمعة، دون أن يفصح عن طبيعة ليلته القذرة معه.
"أنا بخير،" أجاب دومينيك، لكن صوته خانه قليلاً وهو يحاول إقناع نفسه أولاً. "أعتقد... أنني بخير." كان يرى القلق الحقيقي في عيني ليو، وهذا الإدراك جعله يشعر فجأة بنوع من العزلة والوحدة في هذا العالم المزدوج؛ فلم يكن قادراً بعد على مشاركة تفاصيل مشاعره المربكة مع صديقه.
غير ليو الموضوع، وبدأ يتحدث عن المحاضرات القادمة وامتحانات منتصف الفصل، في محاولة واضحة لتخفيف التوتر الرهيب الذي ساد الطاولة. انخرط دومينيك في المحادثة، لكن جزءاً من ذهنه ظل معلقاً في القصر، ومع ديمون، وفي الأسرار الجديدة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياته.
في خضم حديثهما، استنشق دومينيك الهواء، وتسللت إليه رائحة خفيفة من عطر مألوف. عطر ديمون، برائحته القوية المميزة من المسك وخشب الصندل، كان يملأ ذاكرته بجميع تفاصيل الأيام الأخيرة. لكن ما استغربه هو وجود أثر خفيف جداً من الرائحة نفسها على ليو.
لم يكن واضحاً بما يكفي ليثير شكوكاً مباشرة، بل كان مجرد تفصيل صغير وعابر. ومع ذلك، وجد نفسه يربطه دون وعي بكل ما قاله ليو عن ديمون قبل قليل، وبالعلامات المتلاشية على رسغه وعنقه.
راقب صديقه للحظة.
كان ليو يتحدث بصورة طبيعية تماماً، يضحك أحياناً ويتذمر من المحاضرات أحياناً أخرى، لكن ذلك لم يمنع دومينيك من الشعور بأن هناك شيئاً ما لا يفهمه، شيئاً ضخماً ومخفياً بعناية.الأمر لم يكن يتعلق بالعطر وحده.بل بطريقة معرفة ليو بديمون.بطريقته في الحديث عنه. وبذلك القلق الغريب والتحفظ الذي كان يظهر كلما ذُكر اسمه.
لكن مهما حاول دومينيك أن يرتب أفكاره المشتتة، لم يصل إلى نتيجة واحدة واضحة؛ كانت مجرد ملاحظات متناثرة وظنون لا تكفي لبناء حقيقة مؤكدة تشير إلى أن صديقه المقرب يشاركه نفس السيد ونفس السرير.
بعد فترة قصيرة، افترق الصديقان، وكل منهما يحمل أفكاره الخاصة وأسراره الثقيلة.
أما دومينيك، فبقيت كلمات ليو تتردد في ذهنه كالنواقيس: "ديمون لا يهتم بأحد."
كانت جملة بسيطة، لكنها بدت وكأنها خرجت من شخص اختبر ذلك الجفاء والبرود بنفسه، شخص يعرف أكثر مما يقول بكثير.
ومع ذلك، لم يكن لدى دومينيك ما يكفي من الحقائق لفهم الصورة كاملة. طوى هاتف دومينيك ووضعه في جيبه فور عودته إلى جناحه في القصر؛ كانت الأسئلة ما تزال تدور في رأسه وتنهش هدوءه، لكنه لم يجد لها تفسيراً منطقياً يربط ليو بالرجل المهيمن. وفي النهاية، فعل ما اعتاد فعله دائماً للهروب من حيرته؛ تجاهل شكوكه المعلقة ومضى قدماً، مستسلماً لجاذبية عالمه الجديد.
وفي صباح اليوم التالي، بعد ساعات قليلة من نوم دومينيك الهادئ في جناحه الخاص بقصر ديمون، أمسك ديمون بهاتفه في مكتبه الفخم. كان يفكر بالفعل في ضرورة إجراء هذه المكالمة لوضع الحدود الصارمة. تصفح قائمة الأسماء بنظرات جليدية، ثم ضغط على اسم "ليو". رن الهاتف على الجانب الآخر، وفي ثوانٍ جاء صوت ليو المتردد والمحتقن بأثر الصدمات المتتالية.
"صباح الخير، ليو." قال ديمون، وصوته يخلو من أي ود أو حرارة؛ كان هدوؤه يسبق العاصفة، نبرة حاسمة، لا تحمل أي أثر للرضا الذي كان عليه في الأيام الماضية مع دومينيك.
على الطرف الآخر، بدا ليو متفاجئاً وخائفاً بعض الشيء من هذا الاتصال المباشر. "ديمون؟ هل كل شيء على ما يرام؟"
"ليس تماماً،" أجاب ديمون بهدوء مخيف جعل فرائص ليو ترتعد. "أظن أن لديك بعض الأفكار... أو التحذيرات الخاصة... التي شاركتها وتشاركها مع دومينيك في لقاءاتكم. أليس كذلك؟" كانت نبرة ديمون تحمل تلميحاً صريحاً بالتهديد، مما جعل الرعب يتسلل لقلب ليو؛ فديمون نادراً ما يتصل به بهذه الجدية الحادة، وخاصة بخصوص ملكية أخرى تخصه.
صمت ليو للحظة محاولاً تجميع شتات نفسه، ثم قال بصوت حذر ومستسلم: "كنت فقط أحاول... أن أقدم له بعض النصائح كصديق، ديمون. دومينيك جديد تماماً على هذا العالم، ولا يعرف القواعد..."
قاطعه ديمون بحدة قاطعة كالسيف: "دومينيك ليس بحاجة إلى نصائحك أو شفقتك، ليو. وليس بحاجة إلى شكوكك أو مخاوفك السوداء لتلوث عقله. ما يحدث بيني وبينه هو شأني وحدي وقواعدي أنا. أي تدخل منك في علاقته بي أو محاولة لتوجيهه، مهما كان دافعك، لن يكون مقبولاً أو مغفوراً. ما أزرعه في روحه وجسده من خضوع ليس لك أن تحاول اقتلاعه أو التشكيك فيه." كانت كل كلمة تخرج من فمه كضربة سوط قاضية، خالية من العاطفة، تركز فقط على حماية وفرض السيطرة على ممتلكاته.
تنهد ليو بصوت متهدج، وبدت نبرته أكثر انكساراً واستسلاماً لسلطة الرجل الذي سحقه بالأمس. "أفهم، ديمون. لم أقصد أي ضرر أو إساءة لقواعدك. كنت قلقاً عليه فحسب."
"قلقك وعواطفك ليس لهما مكان في كوني،" قال ديمون ببرود جليدي. "دومينيك آمن معي، بل هو آمن ومصان أكثر مما كان عليه في أي وقت مضى تحت حمايتي، وأنا أعتني بتشكيله بطريقتي. إذا سمعت كلمة واحدة أخرى تخرج من فمك إليه، أو علمت بأي محاولة خفية للتأثير على تفكيره بأي شكل... ستكون هناك عواقب وخيمة يا ليو. عواقب وسحق لا أظن أن جسدك أو عقلك يود تجربته أو تحمله مجدداً." كانت نبرته الأخيرة حاسمة، قاطعة، تركت ليو في حالة من الصدمة والرعب، مدركاً بدقة حجم الغضب والسادية التي أثارها في جوف ديمون.
أغلق ديمون الخط بعنف دون انتظار أي رد أو توسل آخر من ليو.
وفي الجانب الآخر من المدينة، وفي شقة جوليان التي كانت يوماً ما تعج بالضحكات، الأمل والدفء، خيم صمت ثقيل ومطبق؛ صمت يعكس تماماً الفراغ الأسود الذي استقر في صدره. بعد أن أغلق الباب خلف ليو في تلك الليلة المشؤومة وأعلن نهاية كل شيء، انهار جوليان خلف الباب مباشرة، تتهاوى قواه الجسدية والنفسية. سنتان كاملتان من الذكريات، المشاعر العميقة، والأحلام التي نسجها لليو حباً وحماية، تحولت في لحظة واحدة إلى رماد ثقيل يطحن كاهله. لم يكن الأمر ندماً على كلماته القاطعة، بل كان إدراكاً قاسياً ومدمراً بأن ليو، الشخص الوحيد الذي حاول جاهداً صيانته وحمايته من السقوط، قد اختار بكامل إرادته المضي قدماً نحو شباك ديمون السامة وسحقه البدني. كان يرى حبه المكتوم يتهاوى ويغرق أمام عينيه دون وعي.
مرت الأيام ببطء قاتل، كل لحظة تمر عليه كأنها قرن من العذاب المستمر. أصبحت الشقة فوضى عارمة ومقززة، تعكس بوضوح حالته الداخلية المنهارة؛ أكواب قهوة فارغة وجافة هنا، أوراق مبعثرة هناك، وعبوات بيرة وزجاجات نبيذ رخيصة منتشرة على الطاولات والأرضية، شاهداً صامتاً على رفيقه الوحيد الجديد: الكحول. كان جوليان يشرب بلا توقف، مستمراً في سكب الخمر في جوفه محاولاً إغراق الألم الفظيع الذي كان ينهش روحه وتخدير ذكريات ليو وملامحه الباكية التي لم تفارق مخيلته قط. كل رشفة كانت تعده بتخدير مؤقت وضياع عابر، لكن الصحوة كانت دائماً تأتي أقسى وأشد مرارة، ليعود الألم ويتضخم عشرات المرات، مذكراً إياه بضياع أغلى ما يملك؛ ليس كحبيب فحسب، بل كإنسان أحبه بكل كيانه وبات الآن مستباحاً وملكاً خاصاً لديمون وساديته. كان يحاول عبثاً إقناع نفسه بأنه فعل الصواب بالابتعاد، لكن الشوق الذي نخر عظامه كان أقوى من أي منطق أو كبرياء.
مراراً وتكراراً، كان هاتفه الملقى في الزاوية يرن، واسم "ليو" يضيء الشاشة في الظلام، أشبه بنصل سكين يخترق جوف عالمه المنهار. في كل مرة، كان قلبه ينقبض بعنف، وتتصارع في داخله رغبة يائسة وطاغية في الرد، في سماع صوته المتهدج، وفي التراجع عن كل قراراته واحتضانه مجدداً، مع إدراكه المؤلم أنه لا يستطيع كسر جدار كرامته وحمايته لنفسه بعد الآن. كان يتجاهل المكالمات بقسوة مصطنعة، يترك الهاتف يرن ويرن حتى يتوقف تماماً، ثم يرميه بعيداً أو يضعه مقلوباً على وجهه لئلا يرى الضوء. كل مكالمة لم يرد عليها كانت بمثابة مسمار ثقيل يدقه بيده في نعش علاقتهما القديمة، وتأكيداً مؤلماً على التزامه بالخروج من حياة ليو الذي فضل الخضوع للغرباء على دفء صداقته وحبه المكتوم.
في أحد تلك الأيام الضبابية والقاتمة، بينما كان جوليان يغرق في كأسه السابع والوقت قد فقد معناه لديه، رن جرس الباب بحدة. كان ماكسويل، صديقه الوحيد والوفي الذي رفض تركه وحيداً في هذه المحنة العصيبة. دفع ماكسويل الباب ببطء، وتنهد بأسى وهو يرى الفوضى العارمة المحيطة بجوليان، وزجاجات الخمر المتناثرة، ووجه صديقه الشاحب، ذقنه المهملة، وعينيه الحمراوين اللتين تحملان أثر ليالٍ طويلة بلا نوم أو راحة.
"جوليان، يا رجل... ماذا تفعل بنفسك وبحياتك؟" قال ماكسويل، ونبرته تحمل مزيجاً حاداً من القلق، العتاب، والأسى العميق. دخل الشقة، وبدأ فوراً بلملمة الزجاجات الفارغة من الأرض، محاولاً فرز الفوضى وإعادة بعض النظام الظاهري للمكان الموحش.
تنهد جوليان، وخرج صوته أجشاً، مبحوحاً ومحتقناً بفعل الشرب المفرط وقلة النوم، مثقلاً بيأس أسود لا يعرف حدوداً. "ماذا تريد مني أن أفعل يا ماكس؟ هل تريدني أن أنظف المكان وأحتفل بضياعي؟" كانت نبرته تحمل سخرية مرة وجارحة موجهة لذاته المكسورة.
جلس ماكسويل في المقعد المقابل له، وسحب كوباً فارغاً متسخاً ليمسحه سريعاً ثم ملأه بالماء البارد من الثلاجة، ودفعه أمام جوليان بإصرار حازم. "اشرب هذا الماء فوراً. أنت تدمر خلاياك وجسدك يا جوليان. هل يستحق فقدانك لليو وتخليه عنك لصالح عالم ديمون القذر أن تخسر ذاتك، مستقبلك، وكيانك في هذه المحرقة؟"
نظر جوليان إلى الكوب بنظرات زجاجية فارغة، ثم رفعه بيد ترتجب إلى شفتيه، يرتشف الماء ببطء شديد وكأن السائل نفسه يحرق أحشاءه العليلة. "لا أعرف يا ماكس... لا أعرف إن كان أي شيء يستحق... لكنني لم أستطع، لم أعد أتحمل رؤية ليو يغرق ويسحق في عالم ديمون المريض. كان يعود إليه مراراً وتكراراً، بكامل رغبته وكأنه مسحور أو ميت الوعي. لم أستطع أن أقف مكتوف الأيدي وأنا أرى النور والبراءة ينطفئان في عينيه بسبب رجل سادي مثله، بينما أنا... أنا الذي أحببته وحميته منذ سنتين كاملتين، بكل كياني وروحي، بقيت عاجزاً ومستبعداً."
"وهذا ليس عدلاً بحقك وحق مشاعرك أيضاً،" أجاب ماكسويل بنبرة هادئة، حزينة ولكنها صارمة. "أنت تؤذي وتجلد نفسك بلا ذنب. ليو، يا جوليان، لم يبادلك هذا الشعور العاطفي قط، ولم يرَ فيك الشريك أو المهيمن الذي يبحث عنه؛ كان يراك الصديق والملاذ فقط. الحب الذي كنت تريده وتنتظره لم يكن موجوداً بينكما في نظره، وهذا بات واضحاً وصادماً الآن للجميع. لكن عدم متبادلته للمشاعر لا يقلل أبداً من قيمتك، ولا يعطيك الحق في الانتحار البطيء. عليك أن تعيش وتجد من يقدر عمق قلبك حقاً."
تنهد ماكسويل، وقد غمرته شفقة حارقة وهو يرى صديقه القوي ينهار بهذا الشكل المهين. "أنا أفهم خوفك على ليو، وأرى مدى الألم والتمزق الذي تكابده في صدرك." رفع عينيه المتعبتين وثبت نظراته في جوليان، وتابع بنبرة لاذعة ليوقظ وعيه: "لكن، إذا كان الأمر هكذا... فلماذا تستمر في التدخل النفسي في قراراته وخياراته؟ هو بالغ، وهو من اختار هذا الطريق والسحق بملء إرادته، وهو لا يبادلك الحب أو الطاعة، أليس كذلك؟"
"يا جوليان، عليك أن تتركه يواجه تبعات خياراته القذرة والمؤلمة بنفسه. دعه وشأنه، واحمِ ما تبقى من كرامتك."
تقلصت شفتا جوليان بعنف، وتجمعت الدموع الحارقة في عينيه، لكنه ضغط على جفنيه برفض قاطع ليدعها تسقط أمامه. لم يكن هناك أي جواب منطقي يحتاج لقوله؛ فالصمت والمرارة كانا أبلغ رد على هذه الحقيقة العارية والقاسية التي واجهه بها ماكسويل.
صمت جوليان لعدة لحظات، عيناه فارغتان ومثبتتان على نقطة وهمية في الأرض، ثم هز رأسه ببطء شديد كأن الكون كله ينهار فوق جمجمته. "أتركه لتبعاته؟" تمتم جوليان، وصوته كاد يكون هسيساً غير مسموع، ممزوجاً بمرارة قاتلة وكأن الكلمات تحرق لسانه. "كيف يمكنني أن أفعل ذلك ببساطة يا ماكس؟ لو كان الأمر مجرد ألم طبيعي وتجارب عادية للحياة، أو اختيار متهور من ليو يمكن إصلاحه، لكنت تركته يسقط ويتعلم كيف يقف مجدداً على قدميه. لكن الأمر ليس هكذا أبداً! ليس الأمر عن ضعف ليو العابر، ولا حتى عن رغبتي في السيطرة عليه أو امتلاكه – فأنا لن أؤذيه أو أستبيح جسده أبداً، هذا ليس ما أريده منه. الأمر كله يتعلق بديمون! عن نفوذه السام، عن ساديته المريضة، وسيطرته المدمرة التي تسحق الروح ولا تترك مجالاً لليو ليكون نفسه أو يستعيد وعيه وكرامته مرة أخرى. ليو الأبله يعتقد أن هذا الخضوع والسحق هو مصيره وملاذه، لكنه ليس كذلك! أنا... أنا أحبه يا ماكس... أحبه لدرجة أنني لا أستطيع تحمل رؤيته يمحى ويخسر إنسانيته بسببه."
"إنه ليس خطأك، ولم يكن يوماً بيدك يا جوليان،" قال ماكسويل بأسف، وهو يضع يده الثقيلة على كتف جوليان المهتزة، في محاولة حثيثة لتقديم بعض العزاء الإنساني. "الأشياء والناس يتغيرون، والمسارات تختلف. لكن لا تدع هذا الانهيار يكسرك وينهي مستقبلك بهذا الشكل المقيت. أنت أقوى وأرقى من هذا الجمود، يا صديقي. أنت تستحق كل خير في هذا العالم، وتستحق حباً حقيقياً يبادلك إياه الشريك بنفس القدر من العاطفة، العمق، والوضوح."
بعد لحظة صمت ثقيل ومفعم بالأسى، حيث كانت الكلمات الأخيرة لماكسويل تتردد في أرجاء الغرفة المغلقة، أخذ ماكسويل نفساً عميقاً وقرر أن يغير أسلوبه تماماً ليصبح أكثر حزماً وصرامة؛ فلم يعد بإمكانه أو قدرته الطوفان برؤية جوليان يدمر جسده وعمله بهذا الشكل المخزي.
"استمع إلي جيداً يا جوليان،" قال ماكسويل، وصوته الآن يحمل نبرة صلبة، حادة، ولا تقبل أي جدال أو تراجع. "هذا يكفي تماماً. لقد حزنت وشربت بما فيه الكفاية لتدمير مدينة كاملة. لديك عمل ينتظرك، ولديك مسؤوليات مهنية والتزامات تجاه شركائك. لا يمكنك الاستمرار في هذا الانحدار العبثي نحو القاع. انهض الآن."
نظر جوليان إليه بعينين محتقنتين بالدم، مليئتين بالتحدي العاجز واليأس الصرف. "العمل؟ والمكتب؟ وما الفائدة من كل ذلك الآن؟ كل شيء بات فارغاً ومظهراً بلا روح."
"الفائدة والغاية هي أنك لا تزال على قيد الحياة، وأن كرامتك ومستقبلك أهم من خيباتك،" رد ماكسويل بحزم حديدي، ثم نهض فجأة وسحب جوليان من ذراعه بقوة بدنية لم تسمح له بأي مقاومة أو رفض. "هيا بنا فوراً. سأقود السيارة وأوصلك للمكتب بنفسي. لن تجلس هنا دقيقة أخرى لتغرق نفسك في مستنقع الشفقة على الذات والندم العقيم. لديك مشروع ضخم ومهم للغاية عليك تسليمه قبل نهاية الأسبوع، وهناك عملاء وشركاء ينتظرون ردك. هذا ليس وقت الانهيار أو التواري."
حاول جوليان أن يملس ذراعه ويقاوم السحب، لكن قبضة ماكسويل كانت قوية ومصممة، وصوته لاذعاً يطرد الخدر من رأسه. "ماكس... أرجوك، أنا... لا أستطيع مواجهة الناس الآن. أنا لست في حال نفسية أو جسدية جيدة."
"أعلم تماماً أنك لست في حال جيد،" قال ماكسويل وهو يدفع جوليان بلطف ولكن بإصرار نحو باب الحمام. "ولهذا السبب عينه عليك أن تفعل هذا وتتحرك؛ العمل هو خروجك الوحيد. سأنتظر هنا في الخارج. أمامك عشر دقائق بالضبط؛ استحم بماء بارد، احلق هذه الذقن المهملة، وارتدِ ملابسك الرسمية. لن تخرج معي بملابس النوم القذرة هذه التي ترتديها منذ أيام."
وبشكل غير متوقع وهادئ، خارت قوى المقاومة لدى جوليان واستسلم تماماً لضغط صديقه. ربما كانت قوة وإصرار ماكسويل هي ما يحتاجه، أو ربما كان الإرهاق الشديد من التفكير ومقاومة الألم قد استهلكه بالكامل؛ أومأ برأسه ببطء شديد وتوجه يجر قدميه بوهن نحو الحمام. سمع ماكسويل صوت تدفق الماء البارد بعد بضع لحظات، فتنهد براحة خفيفة زفرها من جوفه؛ كان يعلم أن الرحلة لن تكون سهلة، وأن جوليان سيكابد كثيراً في مكتبه لإخفاء كسر قلبه، لكن أي حركة أو خطوة نحو الأمام كانت أفضل بألف مرة من هذا الجمود المدمر والانتحار البطيء في الظلام.
بعد عشر دقائق، انفتح الباب وخرج جوليان؛ كان وجهه لا يزال شاحباً وهالات التعب تحيط بعينيه، ولكن على الأقل كان نظيفاً ومرتباً. ارتدى قميصاً داكناً مكوياً وسروالاً رسمياً، وبدت عليه آثار المجهود النفسي الهائل الذي بذله للقيام بهذه الخطوة البسيطة. لم ينظر في عيني ماكسويل مباشرة خشية الانكسار، لكنه أشار برأسه نحو الباب، كدليل صامت على استعداده للمغادرة ومواجهة العالم الخارجي.
سار ماكسويل بجانبه كتفاً بكتف، يراقبه بحذر وقلق صامت، لكنه لم يقل شيئاً آخر؛ كان يعلم أن الصمت والدعم في هذه اللحظات يكونان أفضل وأعمق بكثير من الكلمات والمواعظ. كان الطريق نحو المكتب طويلًا ومزدحماً بضجيج المدينة، لكنه كان يمثل الخطوة الأولى والضرورية نحو استعادة الذات والتعافي من الشرخ المطبق.

يتبع......

إذا أعجبكم الفصل لا تنسوا تحطوا فوت وكومنتس
© Minami Haruka,
книга «Beyond The Collar».
Chapter Thirty Four: رنينٌ في الفراغ وواقعٌ قاسٍ
Коментарі