Chapter Twenty: رمال متحركة
لم يكن ليو يتذكر شيئاً من رحلة العودة من النادي، كان جسده يتحرك آلياً، لكن روحه كانت عالقة تحت سيطرة ديمون بلاكوود. استيقظ في صباح اليوم التالي على أثر مكالمة هاتفية سريعة من جوليان. كانت المكالمة تهدف إلى توفير الرعاية والاطمئنان فقط، ووعده فيها بأنه سيحاول العودة بأسرع ما يمكن، لكنها لم تكن كافية.
لم تستطع تلك اللحظة الوجيزة من التواصل أن توقف زحف الرعب. فبعد تلك الليلة المشؤومة في النادي، وبعد مكالمة جوليان الأولى التي لم تقدم سوى راحة مؤقتة، بدأت الأيام تتلاشى الواحدة تلو الأخرى في روتين من الوجود الباهت. لم يعد ليو يميز بين الصباح والمساء، فالشمس كانت ترتفع وتغرب دون أن يلاحظها حقاً. أصبحت شقة ليو، التي كانت في السابق ملاذاً صغيراً، سجنًا حقيقياً، تضيق جدرانه عليه مع كل ساعة تمر. كان الهواء فيها ثقيلاً، مشبعاً بالخوف الذي كان يحيط به كوشاح غير مرئي.
في أحد الأيام، جمع ليو ما تبقى من إرادته. يجب أن يخرج. ارتدي قميصاً، ووصل إلى الباب الأمامي. وضع يده على مقبض الباب البارد، وفي تلك اللحظة، شعر بقلبه يقفز إلى حلقه. تذكر يد ديمون ولمسة كتفه في النادي. كان لديه إحساس يقيني بأن ديمون كان ينتظره على الجانب الآخر. سحب ليو يده بسرعة، وعاد إلى منتصف الغرفة وهو يتنفس بصعوبة. كان العالم الخارجي متاهة بلاكوود.
فقد ليو شهيته بالكامل. الطعام كان يقف في حلقه ككتلة من الرصاص، والمياه كانت لا تروي ظمأ روحه المجهدة. كان جسده يتداعى ببطء، تفقد عضلاته قوتها، وتتحول عيناه إلى بؤر حمراء غائرة من قلة النوم. وعندما كان النوم يأتيه أخيراً، لم يكن سوى راحة زائفة، فكانت الكوابيس تنهش روحه. كانت رؤى ديمون بلاكوود تملأ أحلامه: عيناه الرماديتان الباردتان تتتبعان كل حركة، وصوته الهادئ الذي يهمس "أنت ملكي" يتردد في أذنيه حتى بعد الاستيقاظ، يمزج بين الواقع والحلم في دوامة من الرعب. كان يستيقظ لاهثاً، غارقاً في عرق بارد، قلبه يخفق بعنف كطائر محبوس.
فكرة مغادرة الشقة أصبحت مستحيلة. كل صوت خارج الباب، كل ظل يمر أمام النافذة، كان يثير فيه موجة من الذعر. وفي تلك الأثناء، أضاء هاتفه برسالة من دومينيك: "يا رجل، أين اختفيت؟ أنا قلق. اتصل بي." نظر ليو إلى الرسالة، ثم أطفأ الشاشة بسرعة. لم يستطع الرد. لم يستطع أن يشرح لدومينيك أنه أصبح ملكية لـ ديمون بلاكوود، مفضلاً الصمت والعزلة على الخيانة أو الخطر. شعر بأن ديمون يمكن أن يكون في أي مكان، يراقبه، ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة تأكيد سيطرته. كانت أوريليا الصاخبة بالخارج، التي كانت في يوم من الأيام مصدراً للطاقة والحياة، قد تحولت الآن إلى متاهة من المخاطر المحتملة، حيث يمكن أن يختبئ فيها شبح بلاكوود. لقد أصبح الخوف من العالم الخارجي جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية، يحبسه داخل أسوار لا مرئية.
في الجانب الآخر من العالم، كانت طوكيو تحترق تحت أضواء النيون، ومكتب جوليان بليك في الجناح الرئاسي للمؤتمرات يطل على بحر من المصابيح المتلألئة. كانت الصفقة هي أهم أولويات "بلاكستون آند كو" لهذا العام: تأمين التمويل لمشروع البنية التحتية نوفا، وهو استثمار ضخم في الطاقة الشمسية يهدف إلى تغيير سوق آسيا بالكامل.
استند جوليان على الطاولة الزجاجية وقال: "سيد هاياشي، لا يمكننا أن نسمح لدورات المراجعة التقليدية بعرقلة هذا الإطلاق. الشراكة في مشروع نوفا تضعكم في موقع قيادي لثلاثة عقود قادمة. العرض مطروح الآن، والنافذة الزمنية للإغلاق تضيق."
مرر السيد هاياشي إصبعه على الجدول الزمني و قال بهدوء: "نحن نتفهم الإلحاح يا سيد بليك، لكن شركتنا بحاجة إلى تقييم أثر التمويل على سنداتنا العالمية. المراجعون لدينا يطلبون أسبوعين إضافيين للتدقيق في بند المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاستثمار. التوقيع قبل المراجعة الكاملة قد يكلفنا مليار دولار في السوق الأوروبية."
شعر جوليان بانقباضة حادة. هذا يعني ضياع أسبوعين آخرين بعيداً عن أوريليا. هز رأسه ببطء. جوليان: "مفهوم. أنا أحترم دقة عملكم. أبلغهم أنني سأبقى شخصياً هنا للإشراف على عملية التدقيق وسأقدم لهم أي ضمانات يطلبونها. سنبقى حتى يتم تأمين الصفقة."
لكن في الطرف الآخر من العالم، وفي عزلة شقته، كان ليو لا يستطيع تحمل هذا الوضع بعد الآن. بعد تردد طويل، وفي لحظة من الضعف اليائس، التقط هاتفه مرة أخرى، وبحث عن اسم جوليان. لم يكن يريد أن يُظهر ضعفه، لكنه كان بحاجة ماسة إلى سماع صوت مألوف، صوت لا يحمل تهديداً.
عندما أجاب جوليان، شعر ليو بانقباضة في صدره. "مرحباً جوليان،" قال ليو بصوت أجش بالكاد تعرف عليه.
"ليو! كيف حالك؟" جاء صوت جوليان دافئاً، حنوناً، من الطرف الآخر، مليئاً بالاهتمام العميق الذي شعر به ليو كطوق نجاة. "كنت أفكر فيك. الأيام هنا تمر بسرعة، والعودة تبدو أبعد قليلاً مما كنت أتوقع في البداية."
شعر ليو بلسعة ألم جديدة. "أبعد؟" تمتم، لم يستطع إخفاء خيبة أمله.
"نعم، هناك بعض التعقيدات في العمل هنا. قد أضطر للبقاء أسبوعين إضافيين." حاول جوليان أن يطمئن، ولهجة القلق كانت واضحة في كل كلمة، تغلغلت إلى قلب ليو البائس. "أنا آسف جداً يا ليو. لكن اهتمامي بك لم يتغير. هل أنت بخير حقاً؟ صوتك... ما زال لا يبدو على ما يرام. هل أنت متأكد من أن كل شيء على ما يرام؟"
كبت ليو تنهيدة عميقة. كيف يمكنه أن يخبره؟ "أنا... أنا فقط أعتمد عليك يا جوليان. والشقة هادئة جداً بدونك." حاول أن يصطنع ابتسامة في صوته، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً. "أتدبر أمري. فقط الأيام تمر ببطء شديد."
"أعلم ذلك يا ليو. وقلقي عليك شديد. وتذكر ما تحدثنا عنه: التسليم ليس ضعفاً. استغل هذه الفترة لتركز على نفسك، على شفائك. أنت أقوى مما تعتقد. أنا هنا لأجلك ولرعايتك، حتى لو كنت بعيداً." كانت كلمات جوليان تحمل حماية ووعوداً بالعودة التي كانت تؤرق ليو.
استمرت المحادثة لدقائق معدودة، مليئة بمحاولات جوليان لإظهار الرعاية ولمحاولات ليو اليائسة لإخفاء الكارثة التي كانت تتكشف في حياته. عندما انتهت المكالمة، سقط الهاتف من يد ليو على الأريكة، وكأن وزنه أصبح لا يطاق. كلمات جوليان كانت حانية، لكنها لم تستطع اختراق الجدران التي أقامها الخوف حول روحه. أدرك ليو أن طيبة جوليان، حتى رعايته، كانا عاجزين تماماً أمام القوة الساحقة التي يمتلكها ديمون بلاكوود.
جلس ليو في الظلام، وعيناه فارغتان. لم يعد هناك أمل بالهروب، ولا حتى أمل بالنجاة. لقد كان مجرد لعبة في يد ديمون، وشبح هذا الرجل كان يطارده بلا رحمة، يحول كل لحظة وكل مكان إلى تذكير بأنه مملوك بالكامل. كانت الرمال تتحرك من تحت قدميه، تغرقه ببطء في يأس عميق. كان ليو محاصراً تماماً في شقته، في رأسه، في خوفه. لم يكن هناك هروب. كان هذا هو مصيره، أن يكون لعبة في يد رجل أقوى من أن يُقاوم، وأبعد من أن يُنسى.
يتبع.....
إذا أعجبكم الفصل لا تنسو تحطو فوت و كومنتس
لم تستطع تلك اللحظة الوجيزة من التواصل أن توقف زحف الرعب. فبعد تلك الليلة المشؤومة في النادي، وبعد مكالمة جوليان الأولى التي لم تقدم سوى راحة مؤقتة، بدأت الأيام تتلاشى الواحدة تلو الأخرى في روتين من الوجود الباهت. لم يعد ليو يميز بين الصباح والمساء، فالشمس كانت ترتفع وتغرب دون أن يلاحظها حقاً. أصبحت شقة ليو، التي كانت في السابق ملاذاً صغيراً، سجنًا حقيقياً، تضيق جدرانه عليه مع كل ساعة تمر. كان الهواء فيها ثقيلاً، مشبعاً بالخوف الذي كان يحيط به كوشاح غير مرئي.
في أحد الأيام، جمع ليو ما تبقى من إرادته. يجب أن يخرج. ارتدي قميصاً، ووصل إلى الباب الأمامي. وضع يده على مقبض الباب البارد، وفي تلك اللحظة، شعر بقلبه يقفز إلى حلقه. تذكر يد ديمون ولمسة كتفه في النادي. كان لديه إحساس يقيني بأن ديمون كان ينتظره على الجانب الآخر. سحب ليو يده بسرعة، وعاد إلى منتصف الغرفة وهو يتنفس بصعوبة. كان العالم الخارجي متاهة بلاكوود.
فقد ليو شهيته بالكامل. الطعام كان يقف في حلقه ككتلة من الرصاص، والمياه كانت لا تروي ظمأ روحه المجهدة. كان جسده يتداعى ببطء، تفقد عضلاته قوتها، وتتحول عيناه إلى بؤر حمراء غائرة من قلة النوم. وعندما كان النوم يأتيه أخيراً، لم يكن سوى راحة زائفة، فكانت الكوابيس تنهش روحه. كانت رؤى ديمون بلاكوود تملأ أحلامه: عيناه الرماديتان الباردتان تتتبعان كل حركة، وصوته الهادئ الذي يهمس "أنت ملكي" يتردد في أذنيه حتى بعد الاستيقاظ، يمزج بين الواقع والحلم في دوامة من الرعب. كان يستيقظ لاهثاً، غارقاً في عرق بارد، قلبه يخفق بعنف كطائر محبوس.
فكرة مغادرة الشقة أصبحت مستحيلة. كل صوت خارج الباب، كل ظل يمر أمام النافذة، كان يثير فيه موجة من الذعر. وفي تلك الأثناء، أضاء هاتفه برسالة من دومينيك: "يا رجل، أين اختفيت؟ أنا قلق. اتصل بي." نظر ليو إلى الرسالة، ثم أطفأ الشاشة بسرعة. لم يستطع الرد. لم يستطع أن يشرح لدومينيك أنه أصبح ملكية لـ ديمون بلاكوود، مفضلاً الصمت والعزلة على الخيانة أو الخطر. شعر بأن ديمون يمكن أن يكون في أي مكان، يراقبه، ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة تأكيد سيطرته. كانت أوريليا الصاخبة بالخارج، التي كانت في يوم من الأيام مصدراً للطاقة والحياة، قد تحولت الآن إلى متاهة من المخاطر المحتملة، حيث يمكن أن يختبئ فيها شبح بلاكوود. لقد أصبح الخوف من العالم الخارجي جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية، يحبسه داخل أسوار لا مرئية.
في الجانب الآخر من العالم، كانت طوكيو تحترق تحت أضواء النيون، ومكتب جوليان بليك في الجناح الرئاسي للمؤتمرات يطل على بحر من المصابيح المتلألئة. كانت الصفقة هي أهم أولويات "بلاكستون آند كو" لهذا العام: تأمين التمويل لمشروع البنية التحتية نوفا، وهو استثمار ضخم في الطاقة الشمسية يهدف إلى تغيير سوق آسيا بالكامل.
استند جوليان على الطاولة الزجاجية وقال: "سيد هاياشي، لا يمكننا أن نسمح لدورات المراجعة التقليدية بعرقلة هذا الإطلاق. الشراكة في مشروع نوفا تضعكم في موقع قيادي لثلاثة عقود قادمة. العرض مطروح الآن، والنافذة الزمنية للإغلاق تضيق."
مرر السيد هاياشي إصبعه على الجدول الزمني و قال بهدوء: "نحن نتفهم الإلحاح يا سيد بليك، لكن شركتنا بحاجة إلى تقييم أثر التمويل على سنداتنا العالمية. المراجعون لدينا يطلبون أسبوعين إضافيين للتدقيق في بند المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاستثمار. التوقيع قبل المراجعة الكاملة قد يكلفنا مليار دولار في السوق الأوروبية."
شعر جوليان بانقباضة حادة. هذا يعني ضياع أسبوعين آخرين بعيداً عن أوريليا. هز رأسه ببطء. جوليان: "مفهوم. أنا أحترم دقة عملكم. أبلغهم أنني سأبقى شخصياً هنا للإشراف على عملية التدقيق وسأقدم لهم أي ضمانات يطلبونها. سنبقى حتى يتم تأمين الصفقة."
لكن في الطرف الآخر من العالم، وفي عزلة شقته، كان ليو لا يستطيع تحمل هذا الوضع بعد الآن. بعد تردد طويل، وفي لحظة من الضعف اليائس، التقط هاتفه مرة أخرى، وبحث عن اسم جوليان. لم يكن يريد أن يُظهر ضعفه، لكنه كان بحاجة ماسة إلى سماع صوت مألوف، صوت لا يحمل تهديداً.
عندما أجاب جوليان، شعر ليو بانقباضة في صدره. "مرحباً جوليان،" قال ليو بصوت أجش بالكاد تعرف عليه.
"ليو! كيف حالك؟" جاء صوت جوليان دافئاً، حنوناً، من الطرف الآخر، مليئاً بالاهتمام العميق الذي شعر به ليو كطوق نجاة. "كنت أفكر فيك. الأيام هنا تمر بسرعة، والعودة تبدو أبعد قليلاً مما كنت أتوقع في البداية."
شعر ليو بلسعة ألم جديدة. "أبعد؟" تمتم، لم يستطع إخفاء خيبة أمله.
"نعم، هناك بعض التعقيدات في العمل هنا. قد أضطر للبقاء أسبوعين إضافيين." حاول جوليان أن يطمئن، ولهجة القلق كانت واضحة في كل كلمة، تغلغلت إلى قلب ليو البائس. "أنا آسف جداً يا ليو. لكن اهتمامي بك لم يتغير. هل أنت بخير حقاً؟ صوتك... ما زال لا يبدو على ما يرام. هل أنت متأكد من أن كل شيء على ما يرام؟"
كبت ليو تنهيدة عميقة. كيف يمكنه أن يخبره؟ "أنا... أنا فقط أعتمد عليك يا جوليان. والشقة هادئة جداً بدونك." حاول أن يصطنع ابتسامة في صوته، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً. "أتدبر أمري. فقط الأيام تمر ببطء شديد."
"أعلم ذلك يا ليو. وقلقي عليك شديد. وتذكر ما تحدثنا عنه: التسليم ليس ضعفاً. استغل هذه الفترة لتركز على نفسك، على شفائك. أنت أقوى مما تعتقد. أنا هنا لأجلك ولرعايتك، حتى لو كنت بعيداً." كانت كلمات جوليان تحمل حماية ووعوداً بالعودة التي كانت تؤرق ليو.
استمرت المحادثة لدقائق معدودة، مليئة بمحاولات جوليان لإظهار الرعاية ولمحاولات ليو اليائسة لإخفاء الكارثة التي كانت تتكشف في حياته. عندما انتهت المكالمة، سقط الهاتف من يد ليو على الأريكة، وكأن وزنه أصبح لا يطاق. كلمات جوليان كانت حانية، لكنها لم تستطع اختراق الجدران التي أقامها الخوف حول روحه. أدرك ليو أن طيبة جوليان، حتى رعايته، كانا عاجزين تماماً أمام القوة الساحقة التي يمتلكها ديمون بلاكوود.
جلس ليو في الظلام، وعيناه فارغتان. لم يعد هناك أمل بالهروب، ولا حتى أمل بالنجاة. لقد كان مجرد لعبة في يد ديمون، وشبح هذا الرجل كان يطارده بلا رحمة، يحول كل لحظة وكل مكان إلى تذكير بأنه مملوك بالكامل. كانت الرمال تتحرك من تحت قدميه، تغرقه ببطء في يأس عميق. كان ليو محاصراً تماماً في شقته، في رأسه، في خوفه. لم يكن هناك هروب. كان هذا هو مصيره، أن يكون لعبة في يد رجل أقوى من أن يُقاوم، وأبعد من أن يُنسى.
يتبع.....
إذا أعجبكم الفصل لا تنسو تحطو فوت و كومنتس
Коментарі