Chapter Thirty Four: رنينٌ في الفراغ وواقعٌ قاسٍ
دفعت يد ماكسويل الحازمة جوليان عبر المدخل الزجاجي اللامع لمبنى الشركة. كانت أضواء مكتبه المشرقة، والتي كانت ترمز في السابق إلى عالمه المنظم وهدفه المهني الواضح، تبدو الآن وكأنها تلسع عينيه المتعبتين بقسوة. كل خطوة يخطوها داخل الرواق كانت ثقيلة، كأن الجاذبية الأرضية تضاعفت فوق جسده ألف مرة. رائحة القهوة المركزة، وصوت لوحات المفاتيح الذي لا يتوقف في الأرجاء، والثرثرة الخافتة لزملاء العمل؛ كل ذلك كان بمثابة ضجيج فوضوي حاد يضرب رأسه، محاولاً اختراق الضباب الكثيف الذي لّف عقله وقلبه المكسور.
توجه جوليان مباشرة إلى مكتبه الفخم، دون أن يرفع عينيه لمواجهة نظرات الموظفين الفضولية أو الاستجابة للمحاولات الخجولة لتبادل تحية الصباح. كانت سكرتيرته، السيدة كلير، تقف بجوار المكتب تحمل دفتراً وقلماً، بوجهٍ يعكس قلقاً خفياً حاولت كبحه. كانت قد عملت معه لسنوات طويلة، وتعرف التغييرات الطفيفة في ملامحه ومزاجه، لكن هذا الصباح، كان هناك شيء مختلف جذرياً، شيء يشبه الخراب الداخلي.
"صباح الخير سيد جوليان. هل أنت بخير؟" سألت بهدوء شديد، محاولة إخفاء لهجة الوجل في نبرتها.
تمتم جوليان بصوت أجش ونبرة خافتة بالكاد تُسمع: "صباح النور، كلير. أنا بخير. هل هناك شيء عاجل يتطلب تدخلي؟" لم ينظر إليها مطلقاً، بل رمى حقيبته بجفاء على الكرسي وجلس خلف مكتبه الواسع، يدس أصابعه في شعره المبعثر بإرهاق.
شعرت كلير بالارتياح، وإن كان ضئيلاً، لأنه أجابها على الأقل. "بالتأكيد، سيدي. لديك اجتماع مغلق مع فريق التسويق في غضون عشرين دقيقة لمراجعة تفاصيل حملة المنتج الجديد. والسيد هاريس يتصل بهاتفك منذ الصباح الباكر، ويبدو أن الأمر مستعجل للغاية ولا يحتمل التأجيل."
لم يرد جوليان؛ اكتفى بإيماءة مقتضبة وجافة من رأسه، وعيناه مثبتتان على شاشة الحاسوب التي ظلت سوداء ومطفأة. كانت يده ترتجف قليلاً وهو يمد أصابعه لتشغيل الجهاز، وكأن هذا الفعل البسيط والآلي يتطلب منه طاقة نفسية لم يعد يملكها. كانت الأرقام، الجداول، والمخططات البيانية التي بدأت تظهر على الشاشة مجرد رموز صماء بلا معنى لديه. كان يحاول جاهداً أن يجمع شتات أفكاره المشتتة، وأن يركز على روتين العمل الذي أمامه، لكن الأمر كان أشبه بمحاولة بائسة للإمساك بحفنة من الرمال بين أصابعه. كانت كل كلمة، كل ملف، وكل بريد إلكتروني يصله يذكره فجأة بالفراغ الرهيب الذي خلفه ليو وراءه، وبالثقل الجاثم الذي يضغط على أنفاسه.
دخل مساعده، جاك، وهو شاب متحمس ومندفع، حاملاً أكواماً من الأوراق والملفات. "صباح الخير، سيدي! هذه تقارير المبيعات الربع سنوية التي طلبتها منذ بضعة أيام. وهناك أيضاً بعض المشكلات الفنية الطارئة في خط الإنتاج رقم ثلاثة، مهندسونا يحاولون الآن..."
"ضعها هنا على الطاولة، يا جاك. سأراجعها لاحقاً،" قاطعه جوليان ببرود جليدي، دون أن يرفع رأسه أو يلتفت إليه. كانت نبرته قاسية وحادة أكثر من المعتاد، مما جعل جاك يتوقف متفاجئاً وملتجماً قبل أن ينسحب من الغرفة في صمت مطبق. عادة ما يكون جوليان دقيقاً، مرحباً، ومهتماً بأدق التفاصيل ويناقش مساعديه بشغف؛ لكن اليوم، كان هناك شرود فاضح في عينيه، وهالة ثقيلة من اليأس تفرض نفسها على المكان.
مع اقتراب وقت الاجتماع، حاول جوليان أن يجمع بقايا قواه المتبددة. ارتدى سترته الرسمية، وعدل ربطة عنقه التي كانت تبدو له في تلك اللحظة كحبل مشنقة يلتف حول رقبته ويخنق أنفاسه. دخل قاعة الاجتماعات الفسيحة حيث كان فريق التسويق ينتظره بترقب، وتبادل معهم تحيات باهتة وجافة. جلس في رأس الطاولة، وأومأ للمسؤول عن العرض المرئي بالبدء دون مقدمات.
كانت الكلمات تتدفق من شفاه الحاضرين، مصطلحات تجارية، أرقام صاعدة، وإحصائيات مقارنة... لكنها لم تكن سوى ضوضاء بيضاء فارغة تصدح في أذن جوليان. كانت عيناه تحدقان في شاشة العرض الكبيرة، لكن عقله كان يسافر بعيداً جداً، عائداً إلى تلك الشقة التي كانت يوماً ما تعج بالضحكات المشتركة، وإلى صوت ليو الذي كان يملأ حياته بالدفء الحقيقي. كلما حاول إجبار نفسه على التركيز في العمل، كان وجه ليو الباكي والمستسلم يظهر أمام مخيلته، يذكره بلمساته وعالمه الذي كان يوماً ما جزءاً لا يتجزأ من كيانه. كان يشعر بوخز مؤلم ومزق في قلبه مع كل لفتة أو إشارة في الاجتماع تشير إلى "النمو" أو "النجاح"؛ فكيف يمكن للنجاح العملي أن يكون له طعم أو قيمة وقد خسر في سبيله أثمن جزء من روحه؟
لم ينسَ جوليان مكالمات ليو المتكررة التي تعمد عدم الرد عليها؛ كانت تلك الرنات الفائتة مثل الشوكة المغروسة في جنبه، تذكره في كل ثانية بالخيار القاسي الذي اتخذه، وبالألم الذي تسبب فيه لكليهما. كانت رنات الهاتف تتردد بصداها في رأسه حتى عندما كان يضعه على وضع الصامت، تدق في وعيه تذكيراً مؤلماً بحبه المفقود، وتحدياً لمدى صلابته وثباته على قراره. كان يعلم يقيناً أنه يتسبب في وجع هائل لليو، ولنفسه أيضاً، لكنه ظل مقتنعاً من خلف قناع بروده بأن هذا البتر وهذا الألم ضروريان لإنقاذ ليو من براثن ديمون السامة.
على الجانب الآخر، وبعد أن افترق ليو عن دومينيك في المقهى، عاد إلى شقته يجر أذيال الخيبة والإنهاك النفسي. كان قد أجبر جسده المثقل والموسوم بعلامات ديمون على الخروج لمواجهة الجامعة والعالم الخارجي، لكن بمجرد أن أغلق باب شقته خلفه مجدداً، انهار كل ذلك التظاهر بالتماسك.
مرت الساعات التالية عليه كأنها أيام، والأيام كأنها أبدية تائهة في فراغ موحش وقاتل. بمجرد عودته وانعزاله في هذا السكون، بدت له كل زاوية في الشقة وكأنها تصرخ باسم جوليان؛ كل قطعة أثاث تروي قصة أمان قديمة، وكل زاوية تحمل لمسة أو ذبذبة عالقة في الهواء، تذكره بالدفء النقي الذي فقده بيده. كان الألم حاداً، لاذعاً، ينهش روحه ببطء وبلا رحمة. لم يكن مجرد حزن تقليدي على فراق شخص قريب، بل كان صدمة وجودية عنيفة من حجم الفراغ الشاسع الذي تركه جوليان في حياته؛ الفراغ الذي لم يكن ليو يدرك مدى اتساعه وعمقه إلا عندما اختفى جوليان تماماً وأوصد دونه الأبواب.
انكمش ليو على الأريكة في وضعية الجنين، وعيناه تحدقان في السقف الباهت بنظرات زجاجية، كأنما يبحث عن إجابة شافية وسط هذا الفراغ المطبق. لماذا فعل جوليان ذلك؟ لماذا تخلى عنه وعزله بهذه السهولة الظاهرية والقسوة المفاجئة؟ هل كان حبه وحمايته له هشين إلى هذا الحد ليتبخرا عند أول مواجهة؟ كانت هذه الأسئلة السوداوية تدور في رأسه بلا توقف، تزيد من إحساسه بالضياع الجسدي والوحدة الحارقة. كل ركن في قلبه كان ينزف، ومع كل نبضة متعبة، كان يشعر وكأن جزءاً من هويته يتلاشى.
ومع مرور الوقت واستسلامه للصمت، بدأ الألم في جوفه يتحول إلى شيء آخر، شيء أعمق، أكثر نضجاً ووضوحاً. كانت لحظات الصمت المطلق التي تعقب انهياره الباكي أو نوباته من الغضب المكتوم، هي التي جلبت معها وضوحاً مؤلماً وجلياً لعقله. بدأ ليو يتذكر بدقة كل تفصيل صغير وعابر في علاقته الطويلة بجوليان: الضحكات الصادقة المنبعثة من القلب، الأحاديث العميقة التي امتدت لساعات الفجر الأولى دون ملل، والدعم المطلق وغير المشروط الذي كان جوليان يقدمه له في كل عثرة، وحتى الطريقة السحرية التي كان جوليان يقرأ بها أفكاره وهواجسه قبل أن ينطق بها لسانه.
صار ليو يرى الآن، ومن خلال غبار غيابه، بوضوح شديد كيف كان جوليان يحاول طوال الوقت حمايته بقلبه، وكيف كان يدفع عنه بجسده ظلال ديمون المهيمنة والمدمرة. في كل تحذير شديد أطلقه جوليان، في كل نظرة قلق وعتاب انبعثت من عينيه، وفي كل محاولة مستميتة لإبعاده عن قصر ديمون وعالمه الخطر القائم على السحق، كان هناك حبٌ حقيقي، عميق، ونقي لم يقدره ليو حق قدره ولم يفهمه إلا بعد أن فقده وبات وحيداً.
كان ذلك الحب غير المشروط هو ما يفتقده ليو الآن وبشدة؛ فالأمر لم يكن مجرد صداقة عابرة، ولا مجرد رفيق يقضي معه الوقت. كان جوليان ملاذه الآمن الوحيد، ونقطة ارتكازه وثباته في عالم متقلب ومخيف. في حضوره، كان ليو يشعر بالأمان الإنساني، بالثبات النفسي، وبوجود شيء حقيقي وصلب وسط سراب الوعود والأوامر الخادعة التي يتلقاها في قصر ديمون. أما مع ديمون، ورغم اللمسات الحانية المفاجئة التي بدأت تظهر مؤخراً، فما زال ليو يشعر بالسيطرة، بالإثارة، والامتلاك، لكنه لم يشعر قط بذلك النوع من الدفء العاطفي النقي أو الأمان الروحي المطلق الذي كان جوليان يمنحه إياه مجاناً وبلا مقابل بدني.
إدراك هذه الحقيقة جاء كصفعة قوية وعنيفة على وجهه، صفعة قاسية أفاقت وعيه وجعلته يتساءل بمرارة: كيف كان أعمى إلى هذا الحد؟ كيف سمح لعالم ديمون وسلطته أن يسحباه بعيداً عن أثمن وأطهر ما يملك في حياته؟ كان قلبه ينقبض ألماً يمزق أحشاءه، ليس فقط لفقدان جوليان وابتعاده، بل لشعوره العارم بخيانة نفسه وخيانة ذلك الحب النبيل الذي أحاطه به صديقه. كان يدرك الآن، ومن وسط رماد عز ليلته، أن ما كان يشعر به تجاه جوليان يتجاوز أي تعريف سطحي أو مسمى معتاد؛ إنه حبٌ عميقٌ تجذر في أطراف روحه، ولم يكتشف حجمه وعظمته إلا بعد فوات الأوان وإغلاق الخطوط.
في تلك اللحظة العارمة من اليأس، ومع هذا الإدراك القاسي والمباغت، امتدت يده بارتجاف وبلا وعي نحو هاتفه الملقى بجانبه. كانت المكالمات الأولى التي أجراها مجرد محاولة يائسة ومذعورة لسماع صوته، للتراجع عن كل الكلمات الجارحة والمؤذية التي قيلت بينهما في ليلتهما الأخيرة، ولإصلاح ما انكسر في جدار ثقتهما. ضغط على اسم جوليان، وكانت كل رنة تصدر من الجهاز تزيد من توتره وتسرع دقات قلبه؛ ترتفع الرنات وتخفت، ثم تنقطع فجأة لتتحول إلى بريد صوتي جاف، تاركة وراءها فراغاً وصمتاً أضخم بكثير مما كان عليه في الغرفة.
حاول مرة أخرى، ثم أخرى، وثالثة دون كلل. كل محاولة جديدة كانت بمثابة طعنة نصل في كبريائه، وكل صمت بارد من الطرف الآخر كان تأكيداً صامتاً وقاسياً على قرار جوليان النهائي بالابتعاد والبتر. صار يتصل بلا توقف، بلا هدف محدد، فقط لملء هذا الصمت المطبق الذي يبتلعه، وليطرد شبح الندم والذنب الذي بدأ يطارد كل فكرة وتطلّع لديه. كانت أصابعه ترتجف بشدة وعيناه تفيضان بالدموع الحارقة وهو يرى اسم "جوليان" يضيء شاشة الهاتف ثم يختفي، مراراً وتكراراً، دون أي استجابة أو رد. كانت تلك المكالمات المستمرة والمهملة هي التي صرخت في أذن ليو بأعلى صوت، مؤكدة له مدى عمق تعلقه وحبه لجوليان، ومدى حجم خسارته الفادحة والمدمرة التي لا يمكن تعويضها.
في فترة ما بعد الظهر، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب وتصب خيوطاً ذهبية باهتة على زجاج المكتب الفخم، كان جوليان لا يزال يصارع داخلياً للتركيز في كومة الملفات المعروضة أمامه. كانت السيدة كلير قد دخلت وخرجت من مكتبه عدة مرات، تضع أكواب القهوة الطازجة وتسحب الأكواب الباردة والمتروكة أمامه دون أن يمسها، وتذكره بهدوء بمواعيد العمل والاتصالات الفائتة. كانت نظراتها تحمل تعاطفاً كبيراً واحتراماً حذراً؛ فقد شعرت بحسها الأنثوي والمهني أن شيئاً عميقاً وأساسياً قد انكسر وتحطم داخل هذا الرجل الذي لطالما كان صخرة صلبة لا تهزها الرياح.
"سيد جوليان،" قالت كلير بنبرة لطيفة وخفيضة في إحدى المرات، وهي تضع أمامه ملفاً جديداً خاصاً بحسابات الشركة. "السيد ماكسويل اتصل بمكتبي وطلب مني شخصياً أن أتأكد من أنك تناولت أي شيء كطعام. هل يمكنني طلب وجبة خفيفة لك من المطعم القريب؟"
رفع جوليان رأسه ونظر إليها، وكانت عيناه فارغتين وخاليتين من أي بريق. "لا، شكراً لكِ يا كلير. لست جائعاً، وليست لدي أي رغبة في الأكل." كانت نبرته خالية تماماً من الحدة والقسوة التي استخدمها مع مساعده جاك في الصباح، مجرد تعب إنساني عميق ونفاذ تام للطاقة.
تركت كلير المكتب بملامح قلقة، لكنها أرسلت نظرة ذات مغزى إلى ماكسويل الذي كان قد وصل للتو إلى الشركة خصيصاً للاطمئنان على وضع صديقه. كان ماكسويل قد ترك أعمال شركته الخاصة وتفرغ لمراقبة ومواساة صديقه، وهو ما أظهر بدقة مدى عمق وأصالة الصداقة والروابط التي تجمعهما. أومأ ماكسويل برأسه لكلير بتفهم تام، وتوجه بخطوات واثقة نحو مكتب جوليان، حاملاً في يديه كوبين من القهوة الساخنة.
"كيف تسير الأمور هنا، يا عبقري؟" قال ماكسويل محاولاً بث بعض الدفء والخفة في أجواء المكتب الخانقة. وضع أحد الكوبين أمام جوليان مباشرة، وأخذ رشفة هادئة من الكوب الآخر وهو يستند إلى حافة المكتب.
رفع جوليان رأسه المتعب، وعيناه حمراوان وضخمتان من الإجهاد النفسي والسهر المفرط. "كما ترى بنفسك يا ماكس. كل شيء يسير على ما يرام وبدقة. الأرقام والحسابات لا تكذب أبداً."
"وأنت أيضاً لا تكذب يا جوليان، ولا يمكنك إخفاء ذلك علي،" قال ماكسويل بجدية تامة ونبرة ممتلئة بالحرص، وهو يشير بيده إلى وجه جوليان الشاحب والمتعب. "أنت تبدو كحطام رجل، وكأنك لم تذق طعم النوم منذ أسبوع كامل. هل تناولت أي شيء يسند جسدك؟"
هز جوليان رأسه نفياً بقلة حيلة. "قلت لكلير قبل قليل، ليس لدي أي شهية للطعام."
تنهد ماكسويل بعمق، وجلس على الكرسي المقابل له. "اسمعني جيداً يا صديقي، أعلم يقيناً أن هذا البتر والابتعاد صعب ويمزق الأحشاء. لكن تجويع جسدك وإهمال نفسك لن يحلا المشكلة ولن يعيدا الأمور لنصابها. يجب أن تعتني بنفسك وبصحتك أولاً. هذا الألم... هو واقع قاسٍ يجب أن تمر به وتختبره لتشفى منه، لا أن تهرب وتتوارى منه خلف ضغط العمل أو الجوع والإنهاك."
نظر جوليان إلى ماكسويل المطوق له باهتمامه، وشعر بنوع من الدفء الإنساني النادر يتسلل ببطء إلى قلبه المتبلد والمحترق. كان ماكسويل هو الصديق الحقيقي والوحيد الذي يراه على حقيقته دون أقنعة، الشخص الذي لا يطالبه بأي شيء سوى الصداقة، بلا قيود، وبلا تعقيدات عاطفية مظلمة. "أحاول يا ماكس... صدقني، أنا أحاول بكل ما أوتيت من قوة أن أصمد."
"أعلم ذلك جيداً،" قال ماكسويل، وربت بقوة وحنان على كتفه الساكن. "لكن المحاولة الحقيقية يجب أن تكون على كل الجبهات؛ جسدك، عقلك، وروحك. فقط تأكد وأيقن تماماً ألا تنهار كلياً أو تنهي مستقبلك بسبب شخص لم يقدر تضحياتك وحمايتك له، وفضل عوالم أخرى عليك. ليو اتخذ قراره الفعلي ومضى في طريقه، وعليك أنت الآن وبلا تردد أن تختار نفسك، وأن تكون قوياً لأجلك أولاً، يا جوليان."
عادت نظرات جوليان التائهة لتتركز على شاشة هاتفه الملقى على سطح المكتب الزجاجي، حيث أضاءت شاشة القفل فجأة معلنة عن إشعار جديد يحمل نفس العبارة المكررة: "مكالمة فائتة من ليو". كانت يده ترتعش بشدة وتتحفز للتحرك، لكنه كبح جماح نفسه وضغط على أصابعه بقسوة ولم يمدها نحو الهاتف مطلقاً. كان يعلم في أعماقه أن ليو يحاول الوصول إليه بشتى الطرق، ويعلم يقيناً أن ليو يتألم ويختبر الفراغ بدونه. الألم كان يمزق أحشاء جوليان ويقسم روحه إلى نصفين، لكنه تمسك بقراره وببتره للعلاقة بقوة وعناد يفوقان أي شيء آخر.
لا رد. لا تراجع. ولا فتح للخطوط مجدداً. هذا هو الطريق الوحيد والآمن لإنقاذه وإنقاذ نفسه. العمل الشاق، الصمت المطبق، وتحمل الألم حتى يتلاشى.
يتبع......
إذا أعجبكم الفصل لا تنسوا تحطوا فوت وكومنتس
توجه جوليان مباشرة إلى مكتبه الفخم، دون أن يرفع عينيه لمواجهة نظرات الموظفين الفضولية أو الاستجابة للمحاولات الخجولة لتبادل تحية الصباح. كانت سكرتيرته، السيدة كلير، تقف بجوار المكتب تحمل دفتراً وقلماً، بوجهٍ يعكس قلقاً خفياً حاولت كبحه. كانت قد عملت معه لسنوات طويلة، وتعرف التغييرات الطفيفة في ملامحه ومزاجه، لكن هذا الصباح، كان هناك شيء مختلف جذرياً، شيء يشبه الخراب الداخلي.
"صباح الخير سيد جوليان. هل أنت بخير؟" سألت بهدوء شديد، محاولة إخفاء لهجة الوجل في نبرتها.
تمتم جوليان بصوت أجش ونبرة خافتة بالكاد تُسمع: "صباح النور، كلير. أنا بخير. هل هناك شيء عاجل يتطلب تدخلي؟" لم ينظر إليها مطلقاً، بل رمى حقيبته بجفاء على الكرسي وجلس خلف مكتبه الواسع، يدس أصابعه في شعره المبعثر بإرهاق.
شعرت كلير بالارتياح، وإن كان ضئيلاً، لأنه أجابها على الأقل. "بالتأكيد، سيدي. لديك اجتماع مغلق مع فريق التسويق في غضون عشرين دقيقة لمراجعة تفاصيل حملة المنتج الجديد. والسيد هاريس يتصل بهاتفك منذ الصباح الباكر، ويبدو أن الأمر مستعجل للغاية ولا يحتمل التأجيل."
لم يرد جوليان؛ اكتفى بإيماءة مقتضبة وجافة من رأسه، وعيناه مثبتتان على شاشة الحاسوب التي ظلت سوداء ومطفأة. كانت يده ترتجف قليلاً وهو يمد أصابعه لتشغيل الجهاز، وكأن هذا الفعل البسيط والآلي يتطلب منه طاقة نفسية لم يعد يملكها. كانت الأرقام، الجداول، والمخططات البيانية التي بدأت تظهر على الشاشة مجرد رموز صماء بلا معنى لديه. كان يحاول جاهداً أن يجمع شتات أفكاره المشتتة، وأن يركز على روتين العمل الذي أمامه، لكن الأمر كان أشبه بمحاولة بائسة للإمساك بحفنة من الرمال بين أصابعه. كانت كل كلمة، كل ملف، وكل بريد إلكتروني يصله يذكره فجأة بالفراغ الرهيب الذي خلفه ليو وراءه، وبالثقل الجاثم الذي يضغط على أنفاسه.
دخل مساعده، جاك، وهو شاب متحمس ومندفع، حاملاً أكواماً من الأوراق والملفات. "صباح الخير، سيدي! هذه تقارير المبيعات الربع سنوية التي طلبتها منذ بضعة أيام. وهناك أيضاً بعض المشكلات الفنية الطارئة في خط الإنتاج رقم ثلاثة، مهندسونا يحاولون الآن..."
"ضعها هنا على الطاولة، يا جاك. سأراجعها لاحقاً،" قاطعه جوليان ببرود جليدي، دون أن يرفع رأسه أو يلتفت إليه. كانت نبرته قاسية وحادة أكثر من المعتاد، مما جعل جاك يتوقف متفاجئاً وملتجماً قبل أن ينسحب من الغرفة في صمت مطبق. عادة ما يكون جوليان دقيقاً، مرحباً، ومهتماً بأدق التفاصيل ويناقش مساعديه بشغف؛ لكن اليوم، كان هناك شرود فاضح في عينيه، وهالة ثقيلة من اليأس تفرض نفسها على المكان.
مع اقتراب وقت الاجتماع، حاول جوليان أن يجمع بقايا قواه المتبددة. ارتدى سترته الرسمية، وعدل ربطة عنقه التي كانت تبدو له في تلك اللحظة كحبل مشنقة يلتف حول رقبته ويخنق أنفاسه. دخل قاعة الاجتماعات الفسيحة حيث كان فريق التسويق ينتظره بترقب، وتبادل معهم تحيات باهتة وجافة. جلس في رأس الطاولة، وأومأ للمسؤول عن العرض المرئي بالبدء دون مقدمات.
كانت الكلمات تتدفق من شفاه الحاضرين، مصطلحات تجارية، أرقام صاعدة، وإحصائيات مقارنة... لكنها لم تكن سوى ضوضاء بيضاء فارغة تصدح في أذن جوليان. كانت عيناه تحدقان في شاشة العرض الكبيرة، لكن عقله كان يسافر بعيداً جداً، عائداً إلى تلك الشقة التي كانت يوماً ما تعج بالضحكات المشتركة، وإلى صوت ليو الذي كان يملأ حياته بالدفء الحقيقي. كلما حاول إجبار نفسه على التركيز في العمل، كان وجه ليو الباكي والمستسلم يظهر أمام مخيلته، يذكره بلمساته وعالمه الذي كان يوماً ما جزءاً لا يتجزأ من كيانه. كان يشعر بوخز مؤلم ومزق في قلبه مع كل لفتة أو إشارة في الاجتماع تشير إلى "النمو" أو "النجاح"؛ فكيف يمكن للنجاح العملي أن يكون له طعم أو قيمة وقد خسر في سبيله أثمن جزء من روحه؟
لم ينسَ جوليان مكالمات ليو المتكررة التي تعمد عدم الرد عليها؛ كانت تلك الرنات الفائتة مثل الشوكة المغروسة في جنبه، تذكره في كل ثانية بالخيار القاسي الذي اتخذه، وبالألم الذي تسبب فيه لكليهما. كانت رنات الهاتف تتردد بصداها في رأسه حتى عندما كان يضعه على وضع الصامت، تدق في وعيه تذكيراً مؤلماً بحبه المفقود، وتحدياً لمدى صلابته وثباته على قراره. كان يعلم يقيناً أنه يتسبب في وجع هائل لليو، ولنفسه أيضاً، لكنه ظل مقتنعاً من خلف قناع بروده بأن هذا البتر وهذا الألم ضروريان لإنقاذ ليو من براثن ديمون السامة.
على الجانب الآخر، وبعد أن افترق ليو عن دومينيك في المقهى، عاد إلى شقته يجر أذيال الخيبة والإنهاك النفسي. كان قد أجبر جسده المثقل والموسوم بعلامات ديمون على الخروج لمواجهة الجامعة والعالم الخارجي، لكن بمجرد أن أغلق باب شقته خلفه مجدداً، انهار كل ذلك التظاهر بالتماسك.
مرت الساعات التالية عليه كأنها أيام، والأيام كأنها أبدية تائهة في فراغ موحش وقاتل. بمجرد عودته وانعزاله في هذا السكون، بدت له كل زاوية في الشقة وكأنها تصرخ باسم جوليان؛ كل قطعة أثاث تروي قصة أمان قديمة، وكل زاوية تحمل لمسة أو ذبذبة عالقة في الهواء، تذكره بالدفء النقي الذي فقده بيده. كان الألم حاداً، لاذعاً، ينهش روحه ببطء وبلا رحمة. لم يكن مجرد حزن تقليدي على فراق شخص قريب، بل كان صدمة وجودية عنيفة من حجم الفراغ الشاسع الذي تركه جوليان في حياته؛ الفراغ الذي لم يكن ليو يدرك مدى اتساعه وعمقه إلا عندما اختفى جوليان تماماً وأوصد دونه الأبواب.
انكمش ليو على الأريكة في وضعية الجنين، وعيناه تحدقان في السقف الباهت بنظرات زجاجية، كأنما يبحث عن إجابة شافية وسط هذا الفراغ المطبق. لماذا فعل جوليان ذلك؟ لماذا تخلى عنه وعزله بهذه السهولة الظاهرية والقسوة المفاجئة؟ هل كان حبه وحمايته له هشين إلى هذا الحد ليتبخرا عند أول مواجهة؟ كانت هذه الأسئلة السوداوية تدور في رأسه بلا توقف، تزيد من إحساسه بالضياع الجسدي والوحدة الحارقة. كل ركن في قلبه كان ينزف، ومع كل نبضة متعبة، كان يشعر وكأن جزءاً من هويته يتلاشى.
ومع مرور الوقت واستسلامه للصمت، بدأ الألم في جوفه يتحول إلى شيء آخر، شيء أعمق، أكثر نضجاً ووضوحاً. كانت لحظات الصمت المطلق التي تعقب انهياره الباكي أو نوباته من الغضب المكتوم، هي التي جلبت معها وضوحاً مؤلماً وجلياً لعقله. بدأ ليو يتذكر بدقة كل تفصيل صغير وعابر في علاقته الطويلة بجوليان: الضحكات الصادقة المنبعثة من القلب، الأحاديث العميقة التي امتدت لساعات الفجر الأولى دون ملل، والدعم المطلق وغير المشروط الذي كان جوليان يقدمه له في كل عثرة، وحتى الطريقة السحرية التي كان جوليان يقرأ بها أفكاره وهواجسه قبل أن ينطق بها لسانه.
صار ليو يرى الآن، ومن خلال غبار غيابه، بوضوح شديد كيف كان جوليان يحاول طوال الوقت حمايته بقلبه، وكيف كان يدفع عنه بجسده ظلال ديمون المهيمنة والمدمرة. في كل تحذير شديد أطلقه جوليان، في كل نظرة قلق وعتاب انبعثت من عينيه، وفي كل محاولة مستميتة لإبعاده عن قصر ديمون وعالمه الخطر القائم على السحق، كان هناك حبٌ حقيقي، عميق، ونقي لم يقدره ليو حق قدره ولم يفهمه إلا بعد أن فقده وبات وحيداً.
كان ذلك الحب غير المشروط هو ما يفتقده ليو الآن وبشدة؛ فالأمر لم يكن مجرد صداقة عابرة، ولا مجرد رفيق يقضي معه الوقت. كان جوليان ملاذه الآمن الوحيد، ونقطة ارتكازه وثباته في عالم متقلب ومخيف. في حضوره، كان ليو يشعر بالأمان الإنساني، بالثبات النفسي، وبوجود شيء حقيقي وصلب وسط سراب الوعود والأوامر الخادعة التي يتلقاها في قصر ديمون. أما مع ديمون، ورغم اللمسات الحانية المفاجئة التي بدأت تظهر مؤخراً، فما زال ليو يشعر بالسيطرة، بالإثارة، والامتلاك، لكنه لم يشعر قط بذلك النوع من الدفء العاطفي النقي أو الأمان الروحي المطلق الذي كان جوليان يمنحه إياه مجاناً وبلا مقابل بدني.
إدراك هذه الحقيقة جاء كصفعة قوية وعنيفة على وجهه، صفعة قاسية أفاقت وعيه وجعلته يتساءل بمرارة: كيف كان أعمى إلى هذا الحد؟ كيف سمح لعالم ديمون وسلطته أن يسحباه بعيداً عن أثمن وأطهر ما يملك في حياته؟ كان قلبه ينقبض ألماً يمزق أحشاءه، ليس فقط لفقدان جوليان وابتعاده، بل لشعوره العارم بخيانة نفسه وخيانة ذلك الحب النبيل الذي أحاطه به صديقه. كان يدرك الآن، ومن وسط رماد عز ليلته، أن ما كان يشعر به تجاه جوليان يتجاوز أي تعريف سطحي أو مسمى معتاد؛ إنه حبٌ عميقٌ تجذر في أطراف روحه، ولم يكتشف حجمه وعظمته إلا بعد فوات الأوان وإغلاق الخطوط.
في تلك اللحظة العارمة من اليأس، ومع هذا الإدراك القاسي والمباغت، امتدت يده بارتجاف وبلا وعي نحو هاتفه الملقى بجانبه. كانت المكالمات الأولى التي أجراها مجرد محاولة يائسة ومذعورة لسماع صوته، للتراجع عن كل الكلمات الجارحة والمؤذية التي قيلت بينهما في ليلتهما الأخيرة، ولإصلاح ما انكسر في جدار ثقتهما. ضغط على اسم جوليان، وكانت كل رنة تصدر من الجهاز تزيد من توتره وتسرع دقات قلبه؛ ترتفع الرنات وتخفت، ثم تنقطع فجأة لتتحول إلى بريد صوتي جاف، تاركة وراءها فراغاً وصمتاً أضخم بكثير مما كان عليه في الغرفة.
حاول مرة أخرى، ثم أخرى، وثالثة دون كلل. كل محاولة جديدة كانت بمثابة طعنة نصل في كبريائه، وكل صمت بارد من الطرف الآخر كان تأكيداً صامتاً وقاسياً على قرار جوليان النهائي بالابتعاد والبتر. صار يتصل بلا توقف، بلا هدف محدد، فقط لملء هذا الصمت المطبق الذي يبتلعه، وليطرد شبح الندم والذنب الذي بدأ يطارد كل فكرة وتطلّع لديه. كانت أصابعه ترتجف بشدة وعيناه تفيضان بالدموع الحارقة وهو يرى اسم "جوليان" يضيء شاشة الهاتف ثم يختفي، مراراً وتكراراً، دون أي استجابة أو رد. كانت تلك المكالمات المستمرة والمهملة هي التي صرخت في أذن ليو بأعلى صوت، مؤكدة له مدى عمق تعلقه وحبه لجوليان، ومدى حجم خسارته الفادحة والمدمرة التي لا يمكن تعويضها.
في فترة ما بعد الظهر، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب وتصب خيوطاً ذهبية باهتة على زجاج المكتب الفخم، كان جوليان لا يزال يصارع داخلياً للتركيز في كومة الملفات المعروضة أمامه. كانت السيدة كلير قد دخلت وخرجت من مكتبه عدة مرات، تضع أكواب القهوة الطازجة وتسحب الأكواب الباردة والمتروكة أمامه دون أن يمسها، وتذكره بهدوء بمواعيد العمل والاتصالات الفائتة. كانت نظراتها تحمل تعاطفاً كبيراً واحتراماً حذراً؛ فقد شعرت بحسها الأنثوي والمهني أن شيئاً عميقاً وأساسياً قد انكسر وتحطم داخل هذا الرجل الذي لطالما كان صخرة صلبة لا تهزها الرياح.
"سيد جوليان،" قالت كلير بنبرة لطيفة وخفيضة في إحدى المرات، وهي تضع أمامه ملفاً جديداً خاصاً بحسابات الشركة. "السيد ماكسويل اتصل بمكتبي وطلب مني شخصياً أن أتأكد من أنك تناولت أي شيء كطعام. هل يمكنني طلب وجبة خفيفة لك من المطعم القريب؟"
رفع جوليان رأسه ونظر إليها، وكانت عيناه فارغتين وخاليتين من أي بريق. "لا، شكراً لكِ يا كلير. لست جائعاً، وليست لدي أي رغبة في الأكل." كانت نبرته خالية تماماً من الحدة والقسوة التي استخدمها مع مساعده جاك في الصباح، مجرد تعب إنساني عميق ونفاذ تام للطاقة.
تركت كلير المكتب بملامح قلقة، لكنها أرسلت نظرة ذات مغزى إلى ماكسويل الذي كان قد وصل للتو إلى الشركة خصيصاً للاطمئنان على وضع صديقه. كان ماكسويل قد ترك أعمال شركته الخاصة وتفرغ لمراقبة ومواساة صديقه، وهو ما أظهر بدقة مدى عمق وأصالة الصداقة والروابط التي تجمعهما. أومأ ماكسويل برأسه لكلير بتفهم تام، وتوجه بخطوات واثقة نحو مكتب جوليان، حاملاً في يديه كوبين من القهوة الساخنة.
"كيف تسير الأمور هنا، يا عبقري؟" قال ماكسويل محاولاً بث بعض الدفء والخفة في أجواء المكتب الخانقة. وضع أحد الكوبين أمام جوليان مباشرة، وأخذ رشفة هادئة من الكوب الآخر وهو يستند إلى حافة المكتب.
رفع جوليان رأسه المتعب، وعيناه حمراوان وضخمتان من الإجهاد النفسي والسهر المفرط. "كما ترى بنفسك يا ماكس. كل شيء يسير على ما يرام وبدقة. الأرقام والحسابات لا تكذب أبداً."
"وأنت أيضاً لا تكذب يا جوليان، ولا يمكنك إخفاء ذلك علي،" قال ماكسويل بجدية تامة ونبرة ممتلئة بالحرص، وهو يشير بيده إلى وجه جوليان الشاحب والمتعب. "أنت تبدو كحطام رجل، وكأنك لم تذق طعم النوم منذ أسبوع كامل. هل تناولت أي شيء يسند جسدك؟"
هز جوليان رأسه نفياً بقلة حيلة. "قلت لكلير قبل قليل، ليس لدي أي شهية للطعام."
تنهد ماكسويل بعمق، وجلس على الكرسي المقابل له. "اسمعني جيداً يا صديقي، أعلم يقيناً أن هذا البتر والابتعاد صعب ويمزق الأحشاء. لكن تجويع جسدك وإهمال نفسك لن يحلا المشكلة ولن يعيدا الأمور لنصابها. يجب أن تعتني بنفسك وبصحتك أولاً. هذا الألم... هو واقع قاسٍ يجب أن تمر به وتختبره لتشفى منه، لا أن تهرب وتتوارى منه خلف ضغط العمل أو الجوع والإنهاك."
نظر جوليان إلى ماكسويل المطوق له باهتمامه، وشعر بنوع من الدفء الإنساني النادر يتسلل ببطء إلى قلبه المتبلد والمحترق. كان ماكسويل هو الصديق الحقيقي والوحيد الذي يراه على حقيقته دون أقنعة، الشخص الذي لا يطالبه بأي شيء سوى الصداقة، بلا قيود، وبلا تعقيدات عاطفية مظلمة. "أحاول يا ماكس... صدقني، أنا أحاول بكل ما أوتيت من قوة أن أصمد."
"أعلم ذلك جيداً،" قال ماكسويل، وربت بقوة وحنان على كتفه الساكن. "لكن المحاولة الحقيقية يجب أن تكون على كل الجبهات؛ جسدك، عقلك، وروحك. فقط تأكد وأيقن تماماً ألا تنهار كلياً أو تنهي مستقبلك بسبب شخص لم يقدر تضحياتك وحمايتك له، وفضل عوالم أخرى عليك. ليو اتخذ قراره الفعلي ومضى في طريقه، وعليك أنت الآن وبلا تردد أن تختار نفسك، وأن تكون قوياً لأجلك أولاً، يا جوليان."
عادت نظرات جوليان التائهة لتتركز على شاشة هاتفه الملقى على سطح المكتب الزجاجي، حيث أضاءت شاشة القفل فجأة معلنة عن إشعار جديد يحمل نفس العبارة المكررة: "مكالمة فائتة من ليو". كانت يده ترتعش بشدة وتتحفز للتحرك، لكنه كبح جماح نفسه وضغط على أصابعه بقسوة ولم يمدها نحو الهاتف مطلقاً. كان يعلم في أعماقه أن ليو يحاول الوصول إليه بشتى الطرق، ويعلم يقيناً أن ليو يتألم ويختبر الفراغ بدونه. الألم كان يمزق أحشاء جوليان ويقسم روحه إلى نصفين، لكنه تمسك بقراره وببتره للعلاقة بقوة وعناد يفوقان أي شيء آخر.
لا رد. لا تراجع. ولا فتح للخطوط مجدداً. هذا هو الطريق الوحيد والآمن لإنقاذه وإنقاذ نفسه. العمل الشاق، الصمت المطبق، وتحمل الألم حتى يتلاشى.
يتبع......
إذا أعجبكم الفصل لا تنسوا تحطوا فوت وكومنتس
Коментарі