Chapter Fifteen: مكالمة في الظلام
بعد أن أنهى ديمون عقابه، أطلق رجلاه سراح ليو، الذي سقط على الأرض على ركبتيه، يلهث. تركه الرجلان دون كلمة، وغادرا الغرفة المظلمة. لم يمنحه ديمون حتى نظرة أخيرة، فقط تركه هناك في حالة من الإذلال المطلق. مرت دقائق، تحولت إلى ما يشبه الأبدية، قبل أن يتمكن ليو من جمع قوته لينهض. كل عضلة في جسده كانت تصرخ ألماً، لكنه كان يعلم أنه لا يستطيع البقاء. لم تكن لديه أي فكرة عن مكانه، لكنه تمكن بصعوبة من العثور على طريقه للخروج من المبنى الضخم. وجد نفسه في شارع مزدحم، تحت سماء رمادية، ووجهه شاحب، وجسده يرتعش. كان كل شيء من حوله يبدو وكأنه ضباب غير حقيقي. تمكن بصعوبة من إيقاف سيارة أجرة، وتسلل إلى المقعد الخلفي. لم يلاحظ سائق الأجرة حالته، كان مشغولاً بمحادثة هاتفية، وبعث الصمت المريح لليو، وإن كان صمتاً بارداً. شعر ليو بالإذلال المطلق عندما وصل إلى شقته. دخل ببطء، كل خطوة كانت كالجمر يحرق، ثم أغلق الباب خلفه، وسقط على الأرض الباردة، منهكاً، لا يملك من القوة ما يكفي لينهض. كان الهاتف الذي سقط من جيبه يضيء الأرضية بوهج خافت، كنقطة ضوء وسط ظلام دامس.
لم يكن ليو متأكداً كم من الوقت قضى هناك، يرتعش على الأرض، والظلام يلتف حوله ككفن ثقيل يخنقه. كانت كل خلية في جسده تصرخ ألماً، من مؤخرته التي بدت وكأنها تشتعل، إلى العضلات المتقلصة في فخذيه وخصره. لكن الألم الجسدي لم يكن سوى ستار رقيق يغطي جرحاً أعمق بكثير. الخزي المطلق، الشعور بالانتهاك الذي يمزق الروح، هو ما كان يصرخ حقاً في أعماقه. كان يشم رائحة نفسه، ممزوجة بالخوف والعرق البارد، وكأن آثار الإذلال قد التصقت بجلده، لا يمكن التخلص منها.
مد يده المرتعشة، التي بالكاد استطاعت الإمساك بهاتفه الملقى بجانبه على الأرض الباردة. كانت الشاشة مضاءة بوهج خافت، ورقم جوليان يتربص هناك، كخيط رفيع من أمل يائس في بحر متلاطم من الظلام. ترددت أنامله فوق الشاشة. هل يجب عليه؟ هل كان هذا هو الملجأ الوحيد؟ هل كان جوليان هو الحل الوحيد المتبقي له في هذا العالم الذي انقلب رأساً على عقب؟ لم يعد لديه خيار آخر الآن. لا أحد غير جوليان قد يفهم ما مر به، أو يستمع إليه دون حكم.
بصوت أجش يكاد لا يسمع، بالكاد قادر على النطق، ضغط ليو على زر الاتصال. رنت النغمة في أذنه كإيقاع غريب، ثقيل، قبل أن يأتي صوت جوليان الهادئ، العذب، نقيضاً تاماً لكل وحشية ديمون بلاكوود.
"ليو؟ هل أنت بخير؟" جاء صوت جوليان، نبرته خالية من أي توقعات، مجرد قلق حقيقي يرتعش في الكلمات، لكن ليو لم يدرك الترقب الحذر الذي يختبئ تحتها.
تجمعت الدموع الساخنة في عيني ليو، دموع الألم الذي اخترق كل ذرة من كيانه، والخزي الذي يخنقه. "جوليان..." همس ليو، صوته متهدج، ممزقاً، وكأن الكلمة نفسها تكاد تمزق أحباله الصوتية. "أنا... أنا لست بخير. لقد حاولت... حاولت أن أنقذ صديقي، دومينيك، من ديمون بلاكوود." كانت الجملة الوحيدة التي يمكنه صياغتها، اعترافاً مكسوراً بالهزيمة المطلقة، واليأس العميق الذي يغمره كطوفان.
صمت جوليان للحظة على الطرف الآخر، صمت أطول مما توقعه ليو، لكن ليو شعر أن جوليان كان يستوعب كل كلمة بسرعة جنونية، يربط النقاط المبعثرة في ذهنه بحدة غامضة. "ماذا حدث يا ليو؟" جاء صوت جوليان، هذه المرة أعمق، أكثر إلحاحاً، يحمل صدى أمواج متلاطمة من الفضول والخوف على ليو.
"لم أستطع... لم أستطع أن أوقفه،" قال ليو، الألم في صوته كان كالجمر يحرق أحشائه، ويخنق أنفاسه. "ولأنني حاولت... لقد عاقبني. لقد... لقد عاقبني ديمون بلاكوود." لم يستطع ليو أن يخوض في التفاصيل المذلة، لم يستطع وصف صوت الجلد وهو يصفع جسده، أو الشعور بالبرودة المعدنية للقيود، أو نظرة ديمون المتجمدة. الشعور بالعار كان خانقاً جداً، يمنعه من الحديث. فقط الكلمات المجردة، "لقد عاقبني"، حملت وزناً ثقيلاً لجوليان، الذي بدأت نبرة صوته تتغير ببطء، تتحول من القلق إلى شيء أكثر حدة، أكثر تصميماً.
"عاقبك؟" قال جوليان، وبدت نبرة من الحدة والخطر تتسلل إلى صوته. كان قلب جوليان ينقبض خوفاً على ليو، لكن في نفس الوقت، كان هناك وميض من الفهم، إدراك لمدى عمق الأثر الذي تركه ديمون في ليو. "ليو... أين أنت الآن؟ هل أنت في أمان؟"
"في... في شقتي،" تمتم ليو، جسده لا يزال ينتفض تحت وطأة الصدمة، وكأنه محبوس في قفص من الخوف. "لقد تركني وذهب."
تنهد جوليان بعمق، تنهيدة طويلة ومدروسة، تخفي تحتها حسابات سريعة ومعقدة. "أنا قادم إليك الآن، ليو. لا تتحرك من مكانك. لا تحاول فعل أي شيء. سأكون هناك في غضون دقائق. ابقَ على الخط إن أمكن." لم ينتظر رداً، أغلق الخط، تاركاً ليو معلقاً بين الخوف المتواصل من العزلة ووميض ضعيف من الراحة يجلبها وعد جوليان بالوجود إلى جانبه.
مرت الدقائق التالية ببطء مؤلم، كل ثانية كأنها مطرقة تدق في رأس ليو. كان يسمع دقات قلبه المرتجفة في أذنيه، ويداه ترتعشان بشكل لا إرادي. حاول أن يحرك ساقيه، لكن الألم كان حاداً لدرجة أنه جعله يتراجع، ويقبع في مكانه. كان يتخيل وصول جوليان، يتخيل رد فعله، يتخيل ما سيقوله. كانت فكرة وجود شخص آخر، شخص يهتم به، في نفس الغرفة، هي كل ما تمسك به ليو ليظل واعياً.
ثم سمع طرقاً خفيفاً على الباب. ليس الطرق العنيف الذي حطم سكونه من قبل، بل طرق حذر، قلق، يكشف عن طبيعة جوليان المختلفة تماماً. دفع ليو نفسه بصعوبة، كل عضلة تصرخ، كل حركة كانت أشبه بالتعذيب، حتى وصل إلى الباب ببطء وفتحه.
كان جوليان يقف هناك، عيناه البندقيتان الكبيرتان تلمعان بقلق حقيقي، لكنهما تحملان أيضاً نظرة فاحصة، تقيم الضرر الذي لحق بليو. كانت ملامحه المرهفة تعكس خوفاً صادقاً على ليو، لكن في أعماقها كان هناك تصميم لا يتزعزع. وما إن رأى جوليان ليو واقفاً على أعتاب الباب، شاحباً، مرتعشاً، وعيناه غائرتين، حتى اتسعت حدقتا عينيه البندقيتين قليلاً، متأثرة بوضعه الهش.
"يا إلهي، ليو!" همس جوليان، صوته مليء بالأسى العميق، وكأنه يرى جرحاً حياً. خطى خطوة إلى الأمام، ثم خطوة أخرى، ثم انغمس في ليو، ذراعاه تلتفان حوله بقوة ورفق، وكأنه يخشى أن يتفتت بين يديه.
كان ليو متصلباً للحظة، جسده ما يزال يئن تحت وطأة الألم، والذكريات المؤلمة تومض في ذهنه. ثم انهار تماماً في أحضان جوليان. كان هذا هو الدفء الإنساني الذي يحتاجه بشدة، السند الوحيد في هذا المحيط المظلم الذي وجد نفسه فيه. دفن وجهه المحتقن بالدموع في صدر جوليان، وسمح للشهقات المكبوتة بالخروج أخيراً، تعبيراً عن الهزيمة المطلقة، والإرهاق العاطفي والجسدي. لم يكن بكاءً صاخباً، بل مجرد ارتجاف صامت، اهتزاز يائس يعكس عمق الجرح الذي أصاب روحه.
ربت جوليان على ظهر ليو برفق شديد، يهمس بكلمات مطمئنة غير مفهومة، مجرد أصوات مريحة تخفي وراءها حباً عميقاً، وشوقاً مزمناً لليو. كان يضمه بقوة، وكأنه يحاول أن يمتص كل الألم من جسد ليو، وأن يجعله يشعر بالأمان المطلق الذي لم يختبره منذ سنوات. شعر ليو بعزاء هش في أحضانه، ملاذاً مؤقتاً من العاصفة، نقيضاً صارخاً للعدوان الذي مزقه قبل لحظات. كانت رائحة جوليان النظيفة، المخلوطة بلمسة من العطر الرجالي الخفيف، تملأ رئتيه، وتمنحه شعوراً مؤقتاً بالهدوء وسط الفوضى.
عندما هدأت رجفة ليو قليلاً، تراجع جوليان خطوة، لكن يديه بقيتا ثابتتين على ذراعي ليو، وعيناه البندقيتان مثبتتين على وجهه الشاحب، تقيّمان مدى الأثر بعمق وحنان، ممزوجين بتصميم. كانت نظرته تحمل مزيجاً من القلق، والتفهم المتعاطف، ولمعة أمل خفية، وكأنه يرى أمامه فرصة لم يجرؤ على الحلم بها.
"حسناً يا ليو. استمع إليّ جيداً،" قال جوليان، صوته أصبح أكثر هدوءاً، لكنه يحمل الآن نبرة من السلطة الهادئة، سلطة الاهتمام. "أنت... أنت فعلت جيداً بمحاولتك إنقاذ صديقك، دومينيك. هذا يدل على شجاعتك وطيبة قلبك، وهذا ما يشدني إليك يا ليو، أكثر من أي شيء آخر." كانت كلماته دافئة، صادقة في جوهرها، تخفي تحتها رغبة عميقة في حمايته والاحتفاظ به لنفسه، شعور كان يعتز به جوليان منذ زمن طويل.
"لكن ديمون بلاكوود... هو رجل لا يمكن لأحد أن يتدخل في شؤونه. أنت دفعت الثمن غالياً يا ليو. لقد رأيت بعينيك ما يمكن أن يفعله ديمون بلاكوود بمن يعصيه. هل يستحق الأمر؟ هل يستحق أن تعاني هكذا لأجل شخص اختار عالماً لم يختره لك؟" كانت كلمات جوليان تتغلغل في وعي ليو المنهك، تبدو منطقية بشكل ملتوٍ، مستغلة حاجته الماسة للراحة والأمان، ومترددة على وتر الخوف من المزيد من الألم.
"ولكن..." حاول ليو الاعتراض بصوت خافت، ما يزال يعاني من أثر الصدمة، ومحاولاً التفكير بوضوح. كانت أفكاره تتسابق في رأسه: كيف يمكنني أن أتخلى عن دومينيك؟ كيف يمكنني أن أدعه يغرق وحده؟ لكن جوليان رفع إصبعه النحيل ووضعه برفق على شفتي ليو، يمنعه من الكلام، في بادرة حنان ممزوجة بالسيطرة اللطيفة.
"لا توجد 'ولكن' هنا يا ليو. هذه هي الحقيقة القاسية. أنت الآن بحاجة إلى أن تعتني بنفسك. أن تستعيد قوتك. أن تركز على شفائك. ديمون ودومينيك... دعهما يواجهان اختياراتهما. هذا ليس صراعك بعد الآن. أنت تستحق السلام يا ليو." كان جوليان يرى في ضعف ليو هذا فرصة فريدة ليكون المنقذ، ليوفر له الملاذ الذي طالما تمنى أن يكونه. لقد كان يزرع بذور فكرة جديدة في ذهن ليو المنهك، فكرة عن عالم يمكن أن يقدمه هو له، بعيداً عن أهوال ديمون، عالم يتم فيه الاعتناء بليو، ويصبح هو محور الاهتمام.
"أنا... أنا لا أعرف ماذا أفعل،" اعترف ليو بصوت مهموم، عيناه زائغتان، يبحث عن إجابات لا يجدها في هذا الظلام الذي يحيط به. كان يشعر بالعجز، وبالثقل الهائل للمسؤولية التي أُلقيت عليه.
"أنت تعرف يا ليو،" قال جوليان بصوت هادئ وحاسم، وعيناه البندقيتان تخترقان عيني ليو، تحاولان التأثير عليه بكل ما فيهما من شغف ورغبة في القرب، ومزيج معقد من الحب والتملك. "أنت تعرف ما هو الأفضل لك الآن. كل ما عليك فعله هو أن تسمح لي بالاعتناء بك. دعني أظهر لك جانباً آخر من الاهتمام، جانباً لا يجلب الألم، بل الراحة... والأمان، جانباً يمنحك كل ما تحتاجه حقاً."
يتبع.....
إذا أعجبكم الفصل لا تنسو تحطو فوت و كومنتس
لم يكن ليو متأكداً كم من الوقت قضى هناك، يرتعش على الأرض، والظلام يلتف حوله ككفن ثقيل يخنقه. كانت كل خلية في جسده تصرخ ألماً، من مؤخرته التي بدت وكأنها تشتعل، إلى العضلات المتقلصة في فخذيه وخصره. لكن الألم الجسدي لم يكن سوى ستار رقيق يغطي جرحاً أعمق بكثير. الخزي المطلق، الشعور بالانتهاك الذي يمزق الروح، هو ما كان يصرخ حقاً في أعماقه. كان يشم رائحة نفسه، ممزوجة بالخوف والعرق البارد، وكأن آثار الإذلال قد التصقت بجلده، لا يمكن التخلص منها.
مد يده المرتعشة، التي بالكاد استطاعت الإمساك بهاتفه الملقى بجانبه على الأرض الباردة. كانت الشاشة مضاءة بوهج خافت، ورقم جوليان يتربص هناك، كخيط رفيع من أمل يائس في بحر متلاطم من الظلام. ترددت أنامله فوق الشاشة. هل يجب عليه؟ هل كان هذا هو الملجأ الوحيد؟ هل كان جوليان هو الحل الوحيد المتبقي له في هذا العالم الذي انقلب رأساً على عقب؟ لم يعد لديه خيار آخر الآن. لا أحد غير جوليان قد يفهم ما مر به، أو يستمع إليه دون حكم.
بصوت أجش يكاد لا يسمع، بالكاد قادر على النطق، ضغط ليو على زر الاتصال. رنت النغمة في أذنه كإيقاع غريب، ثقيل، قبل أن يأتي صوت جوليان الهادئ، العذب، نقيضاً تاماً لكل وحشية ديمون بلاكوود.
"ليو؟ هل أنت بخير؟" جاء صوت جوليان، نبرته خالية من أي توقعات، مجرد قلق حقيقي يرتعش في الكلمات، لكن ليو لم يدرك الترقب الحذر الذي يختبئ تحتها.
تجمعت الدموع الساخنة في عيني ليو، دموع الألم الذي اخترق كل ذرة من كيانه، والخزي الذي يخنقه. "جوليان..." همس ليو، صوته متهدج، ممزقاً، وكأن الكلمة نفسها تكاد تمزق أحباله الصوتية. "أنا... أنا لست بخير. لقد حاولت... حاولت أن أنقذ صديقي، دومينيك، من ديمون بلاكوود." كانت الجملة الوحيدة التي يمكنه صياغتها، اعترافاً مكسوراً بالهزيمة المطلقة، واليأس العميق الذي يغمره كطوفان.
صمت جوليان للحظة على الطرف الآخر، صمت أطول مما توقعه ليو، لكن ليو شعر أن جوليان كان يستوعب كل كلمة بسرعة جنونية، يربط النقاط المبعثرة في ذهنه بحدة غامضة. "ماذا حدث يا ليو؟" جاء صوت جوليان، هذه المرة أعمق، أكثر إلحاحاً، يحمل صدى أمواج متلاطمة من الفضول والخوف على ليو.
"لم أستطع... لم أستطع أن أوقفه،" قال ليو، الألم في صوته كان كالجمر يحرق أحشائه، ويخنق أنفاسه. "ولأنني حاولت... لقد عاقبني. لقد... لقد عاقبني ديمون بلاكوود." لم يستطع ليو أن يخوض في التفاصيل المذلة، لم يستطع وصف صوت الجلد وهو يصفع جسده، أو الشعور بالبرودة المعدنية للقيود، أو نظرة ديمون المتجمدة. الشعور بالعار كان خانقاً جداً، يمنعه من الحديث. فقط الكلمات المجردة، "لقد عاقبني"، حملت وزناً ثقيلاً لجوليان، الذي بدأت نبرة صوته تتغير ببطء، تتحول من القلق إلى شيء أكثر حدة، أكثر تصميماً.
"عاقبك؟" قال جوليان، وبدت نبرة من الحدة والخطر تتسلل إلى صوته. كان قلب جوليان ينقبض خوفاً على ليو، لكن في نفس الوقت، كان هناك وميض من الفهم، إدراك لمدى عمق الأثر الذي تركه ديمون في ليو. "ليو... أين أنت الآن؟ هل أنت في أمان؟"
"في... في شقتي،" تمتم ليو، جسده لا يزال ينتفض تحت وطأة الصدمة، وكأنه محبوس في قفص من الخوف. "لقد تركني وذهب."
تنهد جوليان بعمق، تنهيدة طويلة ومدروسة، تخفي تحتها حسابات سريعة ومعقدة. "أنا قادم إليك الآن، ليو. لا تتحرك من مكانك. لا تحاول فعل أي شيء. سأكون هناك في غضون دقائق. ابقَ على الخط إن أمكن." لم ينتظر رداً، أغلق الخط، تاركاً ليو معلقاً بين الخوف المتواصل من العزلة ووميض ضعيف من الراحة يجلبها وعد جوليان بالوجود إلى جانبه.
مرت الدقائق التالية ببطء مؤلم، كل ثانية كأنها مطرقة تدق في رأس ليو. كان يسمع دقات قلبه المرتجفة في أذنيه، ويداه ترتعشان بشكل لا إرادي. حاول أن يحرك ساقيه، لكن الألم كان حاداً لدرجة أنه جعله يتراجع، ويقبع في مكانه. كان يتخيل وصول جوليان، يتخيل رد فعله، يتخيل ما سيقوله. كانت فكرة وجود شخص آخر، شخص يهتم به، في نفس الغرفة، هي كل ما تمسك به ليو ليظل واعياً.
ثم سمع طرقاً خفيفاً على الباب. ليس الطرق العنيف الذي حطم سكونه من قبل، بل طرق حذر، قلق، يكشف عن طبيعة جوليان المختلفة تماماً. دفع ليو نفسه بصعوبة، كل عضلة تصرخ، كل حركة كانت أشبه بالتعذيب، حتى وصل إلى الباب ببطء وفتحه.
كان جوليان يقف هناك، عيناه البندقيتان الكبيرتان تلمعان بقلق حقيقي، لكنهما تحملان أيضاً نظرة فاحصة، تقيم الضرر الذي لحق بليو. كانت ملامحه المرهفة تعكس خوفاً صادقاً على ليو، لكن في أعماقها كان هناك تصميم لا يتزعزع. وما إن رأى جوليان ليو واقفاً على أعتاب الباب، شاحباً، مرتعشاً، وعيناه غائرتين، حتى اتسعت حدقتا عينيه البندقيتين قليلاً، متأثرة بوضعه الهش.
"يا إلهي، ليو!" همس جوليان، صوته مليء بالأسى العميق، وكأنه يرى جرحاً حياً. خطى خطوة إلى الأمام، ثم خطوة أخرى، ثم انغمس في ليو، ذراعاه تلتفان حوله بقوة ورفق، وكأنه يخشى أن يتفتت بين يديه.
كان ليو متصلباً للحظة، جسده ما يزال يئن تحت وطأة الألم، والذكريات المؤلمة تومض في ذهنه. ثم انهار تماماً في أحضان جوليان. كان هذا هو الدفء الإنساني الذي يحتاجه بشدة، السند الوحيد في هذا المحيط المظلم الذي وجد نفسه فيه. دفن وجهه المحتقن بالدموع في صدر جوليان، وسمح للشهقات المكبوتة بالخروج أخيراً، تعبيراً عن الهزيمة المطلقة، والإرهاق العاطفي والجسدي. لم يكن بكاءً صاخباً، بل مجرد ارتجاف صامت، اهتزاز يائس يعكس عمق الجرح الذي أصاب روحه.
ربت جوليان على ظهر ليو برفق شديد، يهمس بكلمات مطمئنة غير مفهومة، مجرد أصوات مريحة تخفي وراءها حباً عميقاً، وشوقاً مزمناً لليو. كان يضمه بقوة، وكأنه يحاول أن يمتص كل الألم من جسد ليو، وأن يجعله يشعر بالأمان المطلق الذي لم يختبره منذ سنوات. شعر ليو بعزاء هش في أحضانه، ملاذاً مؤقتاً من العاصفة، نقيضاً صارخاً للعدوان الذي مزقه قبل لحظات. كانت رائحة جوليان النظيفة، المخلوطة بلمسة من العطر الرجالي الخفيف، تملأ رئتيه، وتمنحه شعوراً مؤقتاً بالهدوء وسط الفوضى.
عندما هدأت رجفة ليو قليلاً، تراجع جوليان خطوة، لكن يديه بقيتا ثابتتين على ذراعي ليو، وعيناه البندقيتان مثبتتين على وجهه الشاحب، تقيّمان مدى الأثر بعمق وحنان، ممزوجين بتصميم. كانت نظرته تحمل مزيجاً من القلق، والتفهم المتعاطف، ولمعة أمل خفية، وكأنه يرى أمامه فرصة لم يجرؤ على الحلم بها.
"حسناً يا ليو. استمع إليّ جيداً،" قال جوليان، صوته أصبح أكثر هدوءاً، لكنه يحمل الآن نبرة من السلطة الهادئة، سلطة الاهتمام. "أنت... أنت فعلت جيداً بمحاولتك إنقاذ صديقك، دومينيك. هذا يدل على شجاعتك وطيبة قلبك، وهذا ما يشدني إليك يا ليو، أكثر من أي شيء آخر." كانت كلماته دافئة، صادقة في جوهرها، تخفي تحتها رغبة عميقة في حمايته والاحتفاظ به لنفسه، شعور كان يعتز به جوليان منذ زمن طويل.
"لكن ديمون بلاكوود... هو رجل لا يمكن لأحد أن يتدخل في شؤونه. أنت دفعت الثمن غالياً يا ليو. لقد رأيت بعينيك ما يمكن أن يفعله ديمون بلاكوود بمن يعصيه. هل يستحق الأمر؟ هل يستحق أن تعاني هكذا لأجل شخص اختار عالماً لم يختره لك؟" كانت كلمات جوليان تتغلغل في وعي ليو المنهك، تبدو منطقية بشكل ملتوٍ، مستغلة حاجته الماسة للراحة والأمان، ومترددة على وتر الخوف من المزيد من الألم.
"ولكن..." حاول ليو الاعتراض بصوت خافت، ما يزال يعاني من أثر الصدمة، ومحاولاً التفكير بوضوح. كانت أفكاره تتسابق في رأسه: كيف يمكنني أن أتخلى عن دومينيك؟ كيف يمكنني أن أدعه يغرق وحده؟ لكن جوليان رفع إصبعه النحيل ووضعه برفق على شفتي ليو، يمنعه من الكلام، في بادرة حنان ممزوجة بالسيطرة اللطيفة.
"لا توجد 'ولكن' هنا يا ليو. هذه هي الحقيقة القاسية. أنت الآن بحاجة إلى أن تعتني بنفسك. أن تستعيد قوتك. أن تركز على شفائك. ديمون ودومينيك... دعهما يواجهان اختياراتهما. هذا ليس صراعك بعد الآن. أنت تستحق السلام يا ليو." كان جوليان يرى في ضعف ليو هذا فرصة فريدة ليكون المنقذ، ليوفر له الملاذ الذي طالما تمنى أن يكونه. لقد كان يزرع بذور فكرة جديدة في ذهن ليو المنهك، فكرة عن عالم يمكن أن يقدمه هو له، بعيداً عن أهوال ديمون، عالم يتم فيه الاعتناء بليو، ويصبح هو محور الاهتمام.
"أنا... أنا لا أعرف ماذا أفعل،" اعترف ليو بصوت مهموم، عيناه زائغتان، يبحث عن إجابات لا يجدها في هذا الظلام الذي يحيط به. كان يشعر بالعجز، وبالثقل الهائل للمسؤولية التي أُلقيت عليه.
"أنت تعرف يا ليو،" قال جوليان بصوت هادئ وحاسم، وعيناه البندقيتان تخترقان عيني ليو، تحاولان التأثير عليه بكل ما فيهما من شغف ورغبة في القرب، ومزيج معقد من الحب والتملك. "أنت تعرف ما هو الأفضل لك الآن. كل ما عليك فعله هو أن تسمح لي بالاعتناء بك. دعني أظهر لك جانباً آخر من الاهتمام، جانباً لا يجلب الألم، بل الراحة... والأمان، جانباً يمنحك كل ما تحتاجه حقاً."
يتبع.....
إذا أعجبكم الفصل لا تنسو تحطو فوت و كومنتس
Коментарі