ما قبل الإحتراق
CH1||سياسة التَّمرُّد
CH2||الملك أيضًا أب
CH3||بِدء التنفيذ
CH4||كرامة الملك
CH5||تأثير الفراش
CH6||اسم الملك
CH7||الإمبراطور
CH8||نِصف قمر دموي
CH9||على حافة الهاوية
CH10||العرش يهتز
CH11||عصر من الظلام
CH12||قلبي يتمزَّق
CH13||جِراحُ المَلِك
CH14||العنقاء إحترق
CH15||شرانق عواطف
CH16||إبنة الكهوف
CH17|| الحب في سيماءه
CH18|| القلوب تبكي
CH19||الحيرة والحب
CH20|| المُفارقات
CH21|| البطلة
CH22||سيّدة التَّفرُّد
CH23||شُعلات حُب وحرب
CH24||كش ملك
CH25||خيبة
CH26||الحُب والحرب
CH27||ساعة الحِساب
CH28||عجز
CH29|| مُنكسرة الفؤاد
CH30||زمهرير
CH19||الحيرة والحب
بيون بيكهيون
(الإمبراطور المَغولي لمملكة اليوان الصينيّة المَغولية)

بطل:

العنقاء|| The Emperor's Return

"الحيرة والحُب"

..........................

لأولِ مرَّة يعتني بيكهيون بأطفالِه بصفتِه أب وليس ملكًا، لم يَكُ ذلك مُكلِفًا أو مُجهِدًا حقًا؛ بل شعر أنَّهُ لرُبَّما بحاجةِ أطفاله أكثر مِمّا هُم بحاجةٍ إليه؛ فلم يتبقى له أحد من عائلته سوى أطفالِه الثلاث الصِغار، ولم يتبقى لهم سوى والدهم فقط.

خرج من غُرفةِ أطفالِه عند الفجر تقريبًا، ولم يتوجَّه إلى غُرفتِه الخاصّة، بل خرج نحو الشُّرفة الفسيحة، التي تقع في الطابق الثاني تحديدًا.

ولم يُفاجئه وجود هيريم هُناك؛ التي ما إن أحسَّت بِقدوم أحدهم إلتفتت، وحينما ميَّزته إنحنت له، ثم إنتظرتهُ حتى أدركها وتجاوزها نحو السور.

وقفت إلى السور تُفضي بينهما مساحة إحترام وعلاقة رسميّة، نظرت إلى القمر، الذي بدأ يبهت لونه، ثم نبست.

"بِمُرور اليوم يكون قد مرَّ على وفاةِ الملكة ناري سِتة أشهر"

تنهَّد بيكهيون وأومئ.

"وكأنَّهُ الأمس"

إلتفتت بِجِذعها حتى قابلته ثم تسآلت.

"مولاي؟"

همهم فاتبعت.

"أيُمكن أن يعيش الرَّجُل دون إمرأة لوقتٍ طويل؟!"

نظر لها بيكهيون يقبض حاجبيه.

"لِمَ فجأة؟"

نظرت هيريم نحو تايهيونغ، الذي يرأس الحَرس ويتفقَّد المكان كل حين؛ فهو في بالها، تظن أنَّهُ سينتظرها حتى تنتهي الحرب ويعود الملك إلى عرشه، لكنَّها حقًا لا تعلم كم هذهِ الحرب ستأخذ وقتًا، قد تأخذ سنين وينتهي بها المطاف أن تموت، فلا تُريد أن ينتظرها عبثًا، أو ينتظرها كثيرًا ولو بقيَّت حيّة.

"هكذا فقط"

أومئ بيكهيون واتبع.

"أتقصدين إمرأة مُعيّنة أم أيُ إمرأة؟"

تنهدت ونظرت إلى صاحب الجلالة.

"أيُ إمرأة"

تبسَّم بيكهيون وبرم شفتيه جاهلًا.

"ستكون إجابتي ناقصة لو سألتِني عن أيُ إمرأة"

عقدت هيريم حاجبيها بجهل.

"لِمَ مولاي؟!"

نظر إلى هيريم وأجاب يضحك.

"لأنَّني متزوِّج مُذُّ أن كُنتُ طِفلًا"

كوَّرت شفتيها ونبست.

"اوه! هل من الوقح أن أسألك عن قصَّتُكَ مع الملكة ناري أولًا؟"

ضحك بيكهيون ينفي، وأفادها بما يعلمه.

"تزوجتُ وأنا أبلغ من العمر خمسة عشر عامًا من ناري، التي كانت بنفسِ عُمري، أراد أبي في البداية أن يُزوِّجني بفتاة تبلغ من العُمر سبع سنين؛ لكنَّني رفضت وذهبتُ لأبي أتوسله وأنا أبكي ليُحيد عن قراره، فاقتنع وزوَّجني بناري لِحُسن الحظ.

لم يُسبق لي أن رأيتُ ناري قبل زواجي منها، رأيتُها في ليلةِ الزَّفاف، أعجبتني في البداية لأنَّها جميلة، ثم لاحقًا أحببتُ كل ما فيها بالتدريج"

برمت هيريم شفتيها، ومن داخلها تدري أنها الآن تشعر بالغيرة وتمنَّت مكان ناري رُغمَ عُمرها القصير.

"هل كُنتَ تُحِبُّها كثيرًا؟"

نظر في الأُفق واتبع.

"في الحقيقة لا أدري؛ ظننتُ نفسي أنَّني لا أُحِب أحد بقدرِها، ظننتُ نفسي أُحبُها أكثر من نفسي ومُلكي؛ لكنَّني كنتُ مُخطئً."

قبضت هيريم حاجبيها بإستغراب وتسآلت.

"ولِمَ تُشكِّك بقوّة مشاعرك لها مولاي؟ لقد كنتُم حكاية جميلة يتداولها الناس!"

إستذكر بيكهيون وأجاب هيريم فيما ينظر نحو الأُفق وهي تنظر إليه.

"يوم خطفتُم بيكهي من القصر لم تأتي ناري وتُخبرني، لقد تستَّرت على الأمر وحاولت إيجادها وحدها، لقد خافت مني، كانت تعلم أنَّ ردة فعلي ستكون قاسية، كانت تعلم أنَّني سأتَّهمُها بالتقصير حتى لو كنتُ في لحظة نوبة غضب.

وهذا بالفعل ما حدث؛ ذهبتُ إليها، وهددتُها، واتهمتُها بالتقصير وبالتستُر على ابنتي، لم أواسيها، أو أقوم بتهدئتها، أو أعدها أن أُعيد ابنتي على خير... أنا قُمتُ بتهديدها."

إستنكرت هيريم.

"وهل لهذا تُشكِّك بِحُبَّك؟ لقد كان رد فعل عاديًّا ومتوقعًا!"

تنهد وأجابها.

"لا يا هيريم، أنتِ تفكرين هكذا لأنَّكِ لستِ زوجة أو أن بعد، الأب والزوج يقلق على إبنته ويُطمئن زوجته.

أنا لم أفكر بقلق زوجتي أو سلامة إبنتي أولًا، فكرتُ بعرشي وسُمعتي... حينها إكتشفت أنَّني لا أحب أحد بقدرِ نفسي وعرشي.

واليوم خيرُ إثبات على ذلك، فلقد بعثت زوجتي الوحيدة المُتقيّة لي، وبناتي الإثنتين، وصديقي الوحيد إلى الموت مُقابل عرشي، أليس هذا سلوكًا أنانيًّا؟"

تنهَّدت هيريم وقالت.

"لا؛ بل مسؤولًا؛ فأنتَ الإمبراطور، لكنَّك حزنت حينما توفَّت الملكة كما أنت حزين الآن"

نفى برأسه وهمس.

"لا أيَّتُها القائدة، نعم كنتُ حزينًا لخسارتِها، لكنَّني تعافيتُ سريعًا من الحُزن على فُقدانِها، لقد شغلتني الحياة بِمشاغلها، ويتوجَّب علي إستعادة إمبراطوريتي؛ كل هذا أنساني الوجع."

ثم تيقَّظ بيكهيون على سؤالها الأول بعد وهلةِ صمت.

"بشأنِ إن كان يستطيع الرَّجُل أن يعيش دون إمرأة لوقتٍ طويل؛ فبالنِّسبةِ لي؛ لا أستطيع أبدًا، لأنَّني إعتدتُ وجود نساء كثيرة في حياتي؛ ملكات، عقيلات، محظيّات... الكثير منهن."

حينما تطلَّعت عليه بنظراتٍ تُفسَّر على أنَّها عدم رِضا ضحك وفسّر.

"لستُ بحاجة مائة إمرأة، أنا في الحقيقة أحتاج إمرأة واحدة فقط، المُلك من جعل لي مئات النساء"

تنهدت هيريم وتسآلت.

"ماذا عن الأعزب؟
أيعيشُ دون إمرأة طيلة حياته؟"

حرك كتفيه بجهل ثم إلتفت إلى هيرين بجذعه.

"كنتُ فضوليًّا لمعرفةِ الجواب، وحينما سألتُ صديقي الأعزب جونغكوك قال أنَّ الأعزب يقدر أن يعيش دون إمرأة لوقتٍ طويل، ولكن صعب إن تعلَّق الأمر بطيلة حياته"

أومأت هيريم بتفهُّم، أثناء ذلك؛ كان بيكهيون ينظر إلى معالم وجهها الحَسن وتعابيرها الراكدة.

"ماذا عن إمرأة مُحدَّدة الرجل يريدها هي فقط، أيُمكن أن ينتظرها طويلًا؟"

تبسَّم بيكهيون إبتسامة ودودة ونظر في وجهها، لأولِ مرَّة يبدو في عينيها ودود لهذهِ الدرجة، كانت عيناها تتأمله وأُذناها تنصت له.

"الرَّجُل في مثلِ هذهِ الحالة رَجُلًا عاشق، والرَّجل العاشق ليس سويًا؛ فيَشُذ عن قواعد الرجال؛ ويكون قادرًا أن يعيش مع ذكرى إمرأة ما أو في إنتظار إمرأة للأبد"

وجَّهت له سؤالًا لم يتوقعه حينها.

"إذًا أنتَ لم تَكُن عاشقًا من قبل؟"

تبسَّم إبتسامة تتلحفها السُخرية، إستهلكته الإجابة وهلة صمت ثم تنهيدة، وها هو يجيب.

"لا، بما أنَّني أعيش حياة زوجيّة عاديّة مع الملكة راهي، وبما أنَّني إستفردتُ بنساءٍ كثيرة على حياة ناري"

أومأت هيريم فيما تنظر إلى تايهيونغ، الدؤوب في تأدية عمله، ثم همست بصوتٍ مُنخفض.

"إذًا قد ينتظرني إلى الأبد؟!"

عقد بيكهيون حاجبيه.

"ماذا قُلتِ؟"

نظرت هيريم إلى صاحب الجلالة ونفت برأسِها تقول.

"هذه المرَّة الأولى التي نتحدَّث بها بأمر لا يَخُص العرش والإمبراطوريّة، شُكرًا لأنَّك فتحت قلبك لي!"

أومئ بيكهيون لها وعلى شفتيه إبتسامة ضئيلة، تلك الفتاة أصبحت تعني له أكثر حقًا، لا يدري إن كان حُبًا أم إعجابًا أو مُجرَّد رغبة؛ لكنَّها حتمًا تملك لها شيئًا داخله.

........................

ما زالت القوافل تَسير بعدما تفرَّقت مُذُّ وقتٍ طويل، لقد مَضى على سيرِها ساعات طِوال.

قافلة الوزير الأول جيون جونغكوك تحديدًا ما زالت تسير، لكنَّهُ توقَّف وأوقف الأحصنة خلفه حينما نظر إلى القمر، وخمَّن أنَّ الليل يكاد أن ينتصِف قريبًا، فأمرَ بإيقاف القافلة وقال بصوتٍ مُرتفِع؛ فالناسُ في القافلة مُنهكين والدواب كذلك.

"أوقفوا السير، سَنُخيّم هنا!"

العروس الأميرة في الهودج أصابها الخوف حينما سمعته يأمر بذلك؛ فقبضت على ثيابها بقلق، لا تُريد أن ينتهي بهما الأمر بِخيمةٍ واحدة، ليست مُستعِدَّة أن تواجهه إطلاقًا رُغم أنَّهُ أمرًا محتوم.

لكن ما تخاف منه حاصلٌ حاصل؛ إذ بِمُجرَّد ما توقَّفت المَسيرة ترجَّل جونغكوك عن حِصانه، واقترب من الهودج الخاص بها، رفع السِّتار، الذي يَسُد مدخل الهودج، قليلًا وتسآل وهو ينظر لها.

"سمو الأميرة؛ هل أنتِ بحاجةِ شيء؟"

كانت قد أشاحت برأسِها بِمُجرَّد أن فتح عليها السِّتار، ورغم شعوره بنفورها منه حبَّذَ أن يسألها ما أراد، وحينما نفت برأسها ردًا على سؤاله، أومئ وابتعد عن الهودج، حينها زفرت براحة وهي تُمسِك بِقلبِها.

مضى بعضِ الوقت وهي في الهودج، يظن الجميع أنها تنال قِسطًا من الراحة، ولكن الخوف من الحاصل كان يُغذِّبها، هكذا حتى أتت إحدى النساء، اللاتي سيتولين راعيتها خلال الرحلة وقالت.

"سموَّكِ، خيمتُكِ أصبحت جاهزة، يُمكنكِ الخروج"

خرجت الأميرة من هودجها وسارت إلى خيمتها وهي حريصة ألّا يبان منها شيء، دخلت تنظر في أركان الخيمة الملكيّة، مُزيَّنة بالورود، والشموع، والعطور، تنهدت ثم جلست على السرير، الذي زينوه لأجلِ ليلتها الأولى مع قائد الرحلة، الذي بات زوجها وسيملك منها أقصى خصوصياتها.

شعرت بالضيق وهي بإنتظاره أن يأتي، لا تعلم ماذا سيحدُث، وتخشى كثيرًا ما قد يفعله، لكن ما فعلته فعلته، وما عاد يُمكن تغييره مهما كانت العواقب وخيمة.

قبضت بيدِها على الفِراش أسفلها، وشعرت بالخوف والتَوتُر الشديد حينما حلَّت رِحالِه داخل الخيمة الفسيحة وتحمحم مُستئذنًا، يبدو مُحرَجًا إحراجًا عظيمًا؛ إذ كان يمنحها ظهره ويبقى على مسافة بعيدة عنها.

"سمو الأميرة؛ هل أنتِ بحاجةِ شيء؟"

لم تستطِع أن تُجيبه، اللحظة الحاسمة قد حانت، إلتفتَ إليها حينما تأخَّر جوابها؛ فوجدها تجلس على طرفِ السرير وهي تضع خِمارها الأحمر على وجهها، تَعُض أصابعها على الفِراش ورأسها مُنحني خجول، بَدَت كأي عروس خجول؛ لكنَّها في الحقيقة خائفة.

إقتربَ جونغكوك من الأميرة، وجلس على رُكبتيه أمامها، لم يَكُ يقصد أن يُخفيها بل قصد أن يُشعِرها بالأمان؛ لكنَّها خافت، إذ نشزت وتراجعت عنه فابتعد يقول.

"هل أنتِ بخير سموكِ؟"

أشاحت بوجهها عنه، وتحفَّظت بالإجابة لنفسِها، فتنهد وأومئ مُستسلِمًا لنفورها منه، وإبتعادها عنه؛ ففي نهاية المَطاف؛ لقد تزوجت منه مُكرهة.

"حسنًا، سأخرج... سأبيت خارجًا"

خرج والأميرة لم تقول شيء، نزعت عن رأسِها الخِمار وتنهَّدت بقوّة، ثم وقفت تدور في الخيمة بقلق، هو سيكشف ما فعلت حتمًا، ولا تدري عنه الكثير لتعلم ماذا سيكون رد فعله تجاهها... تأمل ألا يجعلها تشعر بالسوء أكثر، ألا تخيب ظنونها به، ويكون أفضل مما تظن به حتى.

وفيما تسير هكذا دخل أحدهم؛ ولقد كانت إحدى النساء الموكلات بخدمتِها تحمل لها الثياب لِتُبدِّل ثوب الزفاف، ولسوءِ حظ الأميرة فلم يُسعفها الوقت أن تُخفي سِرَّها وانكشف أمام المرأة، التي أسقطت الثياب من يدها وشهقت بشدة.

"سمو الأميرة!"

هرعت إليها الأميرة تحاول إسكاتها وحفظ السِر فيما بدنها يرتجف خوفًا.

"لا تُخبري أحد أرجوكِ! لا أدري ماذا قد يفعل بي الوزير لو علم، ربما يرسلني إلى أبي، وأبي حتمًا سيقتلني أرجوكِ!"

نفت المرأة برأسها وتفلَّتت من يد الأميرة تقول.

"أنا آسفة يا مولاتي، لكنني أعمل لصالح القمر الدموي وليس لصالح القصر الملكي، لا يُمكنني إخفاء شيئ كهذا!"

وخرجت المرأة دون أن تسمح للأميرة أن تقول المزيد، فلا عُذر للأميرة عمّا فعلته.

ذهبت المرأة إلى الوزير الذي يقف قُرب النار وحده ويداه خلف ظهره.

"عذرًا سيدي الوزير؛ هناك ظرف طارئ!"

إلتفت جونغكوك نحو المرأة وتسآل.

"ما المشكلة؟!"

أجابته المرأة بنبرة منخفضة وبصرها نحو الأرض.

"عُذرًا يا سيدي؛ لكن رجاءً تفقَّد وجه الأميرة وستُدرك ما المشكلة، إنها مُشكلة خطيرة!"

قبض جونغكوك حاجبيه وذهب نحو خيمة الأميرة، ولا يُنكِر أنَّهُ يشعر بالقلق، فلو ما كان يحمل أي مشاعر للأميرة، ما زالت أميرة وأمانة معه، ولج الخيمة دون أن يستأذن -أنساه القلق-؛ ووجد الأميرة قد وقفت فيما تمنحه ظهرها؛ فنبس بخشونة.

"إلتفتِ؛ دعيني أرى وجهك!"

تجمَّدت الأميرة ولم تستطيع، ولكنه بدى مُصرًّا، فلقد إشتدَّت نبرته وارتفع صوته.

"بصفتي زوجك يحق لي أن تَرُدي علي، قُلتُ لكِ إلتفتِ يا سمو الأميرة!"

إزدرئت الأميرة جوفها فيما تضغط على يديها، ثم إلتفت، وحينما رأى وجهها شهق، وهمس بلا تصديق.

"الأميرة بيكهي!"

تقدَّم منها واستنكر.

"هل أنا تزوجتُ منكِ أنتِ وليس من أُختك؟"

أومأت فيما تُخفِض رأسها، فتراجع عنها وهو يُخبّئ وجهه بكفيّه ثم قهقه، لم يكن يضحك لأنَّهُ غاضب، بل هذه ضحكات الفرح!

رفعت رأسها تنظر إليه مشدوهة؛ فبيكهي لم تتوقع رد الفعل هذه -أن يكون سعيدًا-، ثم تفاجئت، وتراجعت، ونشزا كتفيها حينما أقترب منها مُسرِعًا وضمَّها بين يديه بقوّة.

"اه يا إلهي! لا أصدق!"

ثم غرز أنفه عند عُنقها، ورفع خُصل شعرها بيده يشتمَّها بِعُمق، بيكهي كانت مُتصنِّمة بين يديه، يعانقها ويشتمها؟!

أمسك بخصرها وقوَّم وجهها ليطبع قُبلة على شفتيها، ثم قبلة على فكِّها، وأُخرى على رقبتها، ثم أخيرة على كتفها، لم يستهلكه فعل ذلك ثانية، فكانت قُبلاته كالنقرات سريعة ولطيفة، ثم أركن جبهته على كتفها يهمس.

"يا إلهي! لا أصدق!"

ضلَّ هكذا وهو ينتفَّس بصعوبة مُتكئًا على كتفها، ثم إستردَّ وعيه أخيرًا، وتذكر أن هذه ليست الفتاة التي يحبها فقط، تذكر أيضًا إسمها ومن والداها؛ فاندفع عنها بعيدًا وهو بالكاد يستجمع أنفاسه.

"لِمَ فعلتِ هكذا؟! صاحب الجلالة سيقتلكِ ويقتلني!"

إزدرئت بيكهي رمقها وحاولت إستجماع الشَتات، الذي تسبب به لها، فلأولِ مرة في حياتها تكون بهذا القُرب من رجل، أول مرة أن تتلقّى القُبل من رجل غير قُبل والدها الأبويّة، ثم بدأت تُبرِّر له بنبرةٍ مُهتزَّة وتدعك يدها ببعضهما فيما تنظر نحو الأرض.

"أبي أراد إجبار أختي جيهان من الزواج بك؛ لأنَّها تُحب القائد جونغ إن، وأبي لا يراه مناسبًا لها فقرَّر تقييد مشاعرها بك وتقييدك بها؛ لكنني لم أستطع أن أرى أحلام جيهان تتدمَّر أمام عيناي؛ لذا ضحيتُ بنفسي بدلًا منها"

ضحَّت؟ إن كان يستحق أميرة؛ ألا يستحق الأميرة التي يُحبها؟

لِمَ تعتبر نفسها ضحيته؟!
سيكون لها هنيًّا رضيًّا ورائعًا، لكن ماذا يفعل الآن؟!

وجد نفسه يصرخ بإنفعال.

"ولِمَ ضحيتِ هكذا؟ أنت تعلمين ماذا سيحدث لي ولكِ؟"

نشز جسدها من صرخته وأخفضت بيكهي رأسها ثم أخذت تبكي.

"لأنَّ قلبي فارغ من أي حُب، لكن قلبها يملؤه حُب البربري."

رفعت رأسها تنظر إليه.

"ونعم أعلم أنَّكَ لو أعدتني لأبي الآن سيقتلني، لكن رجاءً لا تفعل، واقبل بي زوجة لك."

ثم اقتربت منه وجثت على رُكبتيها أمامه، لقد نَحرت كل كرامتها كأميرة لأجلِ أن تضع والدها تحت الأمر الواقع، ولأنها تعلم أن ما تفعله ليس التصرُّف الصحيح، والذي بسببِه قد تخسر أول رجل أحبَّتهُ في حياتها -أباها-، بكت وهي تتوسل جونغكوك.

"سأفعل لكَ أي شيء، وافعل بي ما تشاء، أنا كُلّي لك، مُستسلمة لك، وتحت أمرك؛ لكن أرجوك لا تُعيدني لأبي!"

رمقها جونغكوك بإستنكار شديد، ومسح على فمه بلا تصديق، تلفَّت بالخيمة يحاول إيجاد الحل، لكنه لا يعرف أبدًا ماذا يفعل.

تنهد وجلس على طرف السرير فيما يضع رأسه بين كفّيه، يشعرُ بالضياع، إقتربت منه بيكهي وانحنت قُربه.

"سلوكك قبل قليل كشف لي حقيقة شعورك لي، وأنا أُفضِّل أن أكون لِرَجُل يُحبني على رجل لا يعرفني ولا يحبني."

نظر لها جونغكوك ثم أشاح ببصره، لقد كشفت الحب الذي يكنه لها مُذُّ وقت طويل؛ وبيكهي اتبعت.

"فكر قليلًا؛ ماذا لو تزوجتَ بأختي وأنتَ تُحبني أنا؟!
ستكرهني، وتكرهك، وتكره أبي، وتكره نفسها، جيهان مجنونة قد تقتل نفسها."

نظر لها جونغكوك ونبس مُحتِدِمًا.

"وأنتِ مجنونة أكثر منها!"

أومأت تُقِر بهذه التُّهمة، واقتربت منه حتى جثت عند قدميه وقالت.

"نعم؛ أنا مجنونة لكنَّني لن أندم أبدًا على جنوني هذا، أنا لم أرمي نفسي بالنار، لقد تزوجت رجلًا رائعًا بلا شك."

نظر لها جونغكوك، فاتبعت بعدما وضعت يدها فوق ركبته، لقد كلفها هذا السلوك الذي فاجئه الكثير من الجُرءة.

"كُن مجنونًا مثلي، واجعل حُبَّكَ ينتصر على الظروف، لا تُعيدني لأبي ولا تُخبره، بل بدلًا من ذلك؛ أتمِم زواجكَ مني، واجعلني زوجتَك"

وقفت بقِوامها الفاتن أمامه، وخلعت عباءتها الملكيّة، وبقي عليها الفُستان الداخلي فقط، فأشاح بوجهه عنها سريعًا وأغمض عينيه، قلبه ينبض بسرعة وحماسة، وبالكاد يمنع نفسه عنها، نظرت له من إرتفاعها بعينين تملأها الدموع واتبعت.

"أعلم أنَّكَ تُريدني، لا تمنع نفسكَ عني، أبي لو علم لن يفعل حيال علاقتنا شيء، الطلاق مُحرَّم؛ لذا سنبقى عالقين معًا ولو رفض أبي، قد يُبعدني عنكَ بطريقةٍ واحدة فقط؛ لو قتلني؛ لذا إغتنم الفرصة واحصل علي ما دُمتُ حيّة، وسأثق أنك ستحميني من أبي لاحقًا... أنا أرجوك أجعلني زوجتك؛ اتمِم زواجنا!"

كلما أغوته بكلامها تراخت دفعاته، لكنَّهُ لو فعل ولمسها سيشعر أنَّهُ خان صاحب الجلالة... لا يستطيع.

دفع بها عنه فسقطت على السرير، ووقف يعطيها ظهره، ثم قال بغيظ؛ فلا يدري كيف أحب إمرأة مجنونة كهذه!

"لن أفعل مهما أحببتُك وأردتُك، أنا لن أخون جلالة الملك لأُرضي نفسي؛ إرتدي ثيابك وتجهَّزي، ستعودي صباحًا إلى الملك!"

نهضت عن السرير تنفي برأسها وصرخت تمنعه من الخروج.

"أقسم سأفعل ذلك بنفسي وأقول أنَّكَ من فعلت"

إلتفت لها ونبس يُضيّق بين حاجبيه.

"ماذا تقصدين؟!"

وحينما لم يحصل على إجابة بل فقط معالم وجهها المُتجمِّدة؛ إرتفع حاجبه بسخط واقترب منها يُمسك بكتفيها بقسوة.

"افعلي ذلك، وستُثبتِ لي أنَّني أحببتُ عاهرة بلقبِ أميرة!"

دفعها عنه فسقطت أرضًا وهي تبكي وتصرخ به.

"أقسم أنني سأفعلها!"

لكنه لم يأبه بما قالت، وخرج من الخيمة الملكيّة يترك الأميرة التي لطالما أحبها ويحبها وحدها، لكنه اليوم إكتشف لها وجهًا لا يألفه... وجهًا لم يُحبَّه أبدًا.

سار حتى أدرك صخرة قريبة من الخيمة وجلس عليها، ماذا يفعل؟!
لو بعثها للملك سيقتلها، ولو أخفى ما حدث سيفهمه الملك على نحوٍ خاطئ، ويتورَّط بجريمة خيانة ومساس بمحارِم الملك.

تنهد ووضع جبهته بين كفّيه، يَعُمه السواد والكآبة جرّاء السلوك الأخرق، الذي إفتعلته، لكنَّه لا يستطيع أن ينكر أن ثمَّة وميض للسعادة بداخله، فبطريقة مُلتوية وغير متوقعة قد حصل على الإمرأة، التي يحلم بها وظنَّها حُلمًا مُستحيلًا.

رفع رأسه إلى السماء وبعدما نفث أنفاسه همس بضياع.

"ماذا علي أن أفعل الآن؟!"

.........................

في الليلة ذاتِها؛ توقفت قافلة القائد جونغ إن بأمرٍ منه وبدأوا بنصبِ الخيَّم للمَبيت، لقد كانت ليلة حافلة بالعمل، وجونغ إن بالفعل لا يُطيق الأميرة؛ بسببِ والدها الأحمق -على حدِّ تعبيره-؛ لذا لم يُكلِّف نفسه عناء الإطمئنان عليها بصفتِه المسؤول عن سلامتِها وقائد القافلة.

كانت الأميرة جيهان في الهودج المستور عن الخارج بِسِتار، ولم يكتشف هويتها أحد بعد، ولم يأتي أحد لِتفقُدها بعد أو السؤال عنها؛ والأمرُ إطلاقًا لم يُزعجها؛ بل هُم وفَّروا لها بعض الوقت لِتُفكِّر بما سيؤول إليه الحال معها؛ ماذا ستكون ردة فعل القائد البَربَري حينما يعلم؟

وأما جونغ إن فقد ترجَّلَ عن حِصانه وربطه إلى إحدى الصخور، ثم جلب له الماء والطعام، وجلس على الصخرة فيما يُراقب حصانه يأكل.

إقترب أونو، الذي أمر الملك بتحريره ومُرافقته للقائد جونغ إن قُبيل الرحلة، إقترب من جونغ إن بينما لا يخفي شعوره بالخوف منه وهمس فيما رأسه مُنخفض ويداه مُنعقِدة أسفل معدته.

"سيدي القائد؛ هل تحتاج أن أفعل شيئًا لأجلك؟!"

رفع جونغ إن ذقنه حتى طلَّ على وجه خائف السِنحة، ثم رفع سبّابته مُهدِّدًا.

"فقط إحرص ألا تجعلني أقتُلك أو أحبسكَ بين أقفاص الدجاج؛ تفهم؟"

أومئ أونو.

"أمرُكَ سيدي!"

ثم جونغ إن أمره بنبرٍ جاف لا يُشبه شخصيته المَرِحة والجميلة؛ هكذا عادةً يكون مع من يقفون خارج حدود لُطفَه.

"إنصرف!"

إنحنى أونو إليه ثم ولّى مُغادرًا؛ لم يشعر بمثلِ هذا القدر من الإذلال في حياته قط!

صحيح أن العمل كحارس بسيط وصغير للسجن الملكي لم يَكُ عملًا يشعرُه بالعِزَّة، ولكنَّهُ بنفسِ الوقت لم يُشعِرهُ بالإذلال، وذلك حتى حرس الزِنزانة، التي سُجِن بها الملك الحالي تشانيول، وانقلبت حياته.

لم يَكُن يُرِد شيء سوى أن يحفظ حياته من الهلاك وكل النِّزاع السياسي على السُّلطة لم يَكُن يَهُمه؛ فهو مثل أيُ إنسان عادي مُتمسِّك بالحياة مهما كانت مُقرِفة وغير عادلة؛ أملًا بأنَّ المُستقبل سيكون أفضل من الحاضر.

لكن آماله ضُرِبَت بحائط الواقع حينما إكتشف أنَّهُ -بلا قصد- ورَّط الملكة ناري بجريمة خيانة عُظمى هي بريئة منها؛ وعلى إثرها أُعدِمت.

حياته إنقلبت رأسًا على عَقِب من ذاك الأوان، وعاش في ضنكٍ شديد بين عذاب الضمير والجوع الذي يُهدِّد أُسرته.

لم يَكُ شخصًا يكيد لأحد بشيء كان رجلًا عاديًّا يرغب في حياة عاديّة، يعمل ليَسُد حاجته وحاجة رعيَّته، لم يَكُ يطمح لشيء، ولا حتى للمنصب، الذي وعده فيه الملك تشانيول وأخلف، أراد أن يعيش بهدوء فقط.

لكنَّهُ بعدما أدرك أنَّهُ أسيرًا للمُتمرِّدين؛ وهم الجماعة الأكثر إخافة، وسُلطة، ونفوذًا، بكامل البلاد، وكذلك هم مع حُكم الملك بيكهيون وضد أي ملك آخر؛ علم أنَّ ساعة الحساب قد حانت، وأنه سيحصُد ثِمار فعلته، التي لم يقصد أن يزرعها من الأصل.

كان خائفًا جدًا في البداية، فإن تواجه العِقاب أفضل من أن تنتظره، وهذه حالة أونو حتى دخل عليه الملك، وظن أنَّهُ ميت لا محالة، فلقد قتل زوجته، التي يُحبها.

لكن الأسر لأمدٍ طويل لم يُخفِّف من شعوره بالخوف؛ بل أصبحَ خوف وإذلال إمتدَّ لشهور طويلة.

حتى غروب شمس هذا اليوم؛ حينما دخل الملك إلى زِنزانته حافيًّا من رجال المُتمرِّدين، كان قانطًا من أنَّهُ سيُمنح فُرصة ويتحرَّر من الأسر، لكن الملك فعل.

إذ دخل عليه دون أن ينسى أنَّهُ تسبب بمقتل ملكته ولو كان لا يقصد، وأونو أسرع بالوقوف والإنحناء لصاحب الجلالة، ثم بقيَ رأسه منخفضًا لم يجرؤ أن يرفعه في حضرةِ المولى.

نظر له بيكهيون بِتَرفُّع ونبس بنبرةٍ جافّة.

"لا يستحق أمثالك فُرصة، لكن لِحُسن حظِّك أعرف قراءة الوجوه، أنتَ ستقوم بِمَهمَّة لأجلي، وحينما تعود وقد أديتها لي سأُفكِّر بالصفحِ عنك"

تلحَّف الأمل وجه أونو، وسُرعان ما انحنى لصاحب السمو بحماسة.

"سأفعل أي شيء تأمُرني بهِ يا مولاي، سأحرص أن أحصُل على عفوِك!"

وفيما يقف بيكهيون بِرِفعة ويداه معقودة خلف ظهره قال.

"أُريد منك أن تنخرط بهذه الجماعة، وتعلم أعمق أسرارهم"

نظر أونو إلى مولاه بعينين تملؤها الخوف، وبِنبرةٍ مُهتزَّة عبَّرَ عن خوفِه.

"مولاي، سيقتلوني لو علموا!"

إرتفع حاجب بيكهيون وبدَّد بِغلظة.

"وأنا سأقتُلك لوما نفَّذت، هذه فُرصتك الوحيدة للنجاة؛ تفهم؟"

أخفض أونو رأسه ثم أومئ.

"أمرُكَ مولاي"

حينها خرج بيكهيون، وأما أونو فتنهد يكظم خوفه وتوتره، ليس بيده شيء سوى أن يكون بيدق بين الأيدي الطويلة، أن يكون بيدق صغير حياته أو موته لا تؤثِّر بسيرِ الأحداث.

يخشى في النهاية أن يلقى المَصير الذي يُحارِب كي لا يلقاه، يخشى أن لا يتذكره أحد، يخشى أن يفنى حقَّه معه.

هكذا كان يفكر بينما يعمل مع بقيّة الرجال على نصبِ الخيم.

وهكذا حتى إنتهى العمل وبدأ الجميع يتوجه إلى خيمته، لكن الأميرة ترفض الخروج من الهودج ولا ترضى أن تتكلَّم أو تنظر لأحد، فقط تختبئ أسفل خِمارها الأحمر وتلتصق بأبعد نُقطة في الهودج، هكذا حتى ذقن النِّسوة ذرعًا منها وذهبت إحداهن تَشكوها وتشكو عِنادها إلى القائد جونغ إن.

إذ فورما وصلت إليه واسترعت إنتباهه قالت في شكوى.

"سيدي؛ الأميرة لا تستمع لنا ولا ترضى أن تبرح هودجها، ماذا أفعل؟!"

نهض جونغ إن فيما ينفض ثيابه مُتمتِمًا.

"هذا ما كان ينقُصني، أن أتورَّط بأميرة مُدلَّلة"

توجَّه القائد نحو هودج الاميرة، ونادى عليها من خلف السِّتار.

"أيَّتُها الأميرة؛ انزلي وتوجَّهي إلى خيمتك، لا وقت لعِنادك كما ترين"

سكت بصددِ أن يتلقّى منها رد، لكنَّها لبثت في صمت؛ فتنهد واتبع.

"لا تخافي مني أو من أحد أعضاء الجماعة، بخلافِ ظنون والدكِ الملك؛ أنا لا أملك أنياب بارزة ومخالب لآكلك، هيا اخرجي"

لم يتلقّى رد فعل للمرة الثانيّة؛ فزفر بعصبيّة وكرَّر.

"سمو الأميرة أخرجي قبل أن أنسى أنَّكِ أميرة، ربما لا تعلمين لكنني مجنون!"

نظر نحو السِتار بدهشةٍ وإستنكار؛ إذ إنَّها بعدمِ الرَّد لا تهتم بثرثرتِه، ثم تمتم بعصبيّة قبل أن يُشرع السِتار.

"هل أتكلَّم مع نفسي أنا؟!"

فتح السِتار على الأميرة فانطوت بالزاوية بعيدًا عنه، شعر وكأنَّها تختبئ منه ولم يكن شعوره خائبًا، تنهد وقدَّم يَدهُ لها؛ كي تُمسكها وتترجَّل، لكنَّها لم تفعل.

"لا تخافي مني، لقد وضع والدكِ جاسوسًا علي بالفعل، هيا اخرجي واخلدي للنوم، سننطلق صباحًا"

لم تُجِبه وأنزوت بالزاوية أكثر، وهكذا قد إنتهت طُرقه معها في الكلام إذ زفر بعصبيّة وأمسك بالقِماش الذي تستتر فيه، ولم يكن يدري أنَّهُ خمارها.

"أتظنيني مُتفرِّغ لمُراضاتك طيلة اليوم!"

سحب الخِمار بلا قصد؛ فتناثرت خصلاتها المجنونة، وبانت تضاريس وجهها المُختلفة عن الأميرة، التي ظنَّ أنَّها بِصُحبتِه، فنبس مشدوهًا.

"الأميرة جيهان!
كيف أصبحتِ هنا؟ أين الأميرة بيكهي؟!"

نظرت ناحيته الأميرة الصغيرة، وعيناها مُحمرَّتان بسببِ الدموع، التي تحبسها.

"هل تسمح لي أن أتحدَّث معكَ على إنفراد؟"

كشَّرت معالمه بإشمئزاز؛ كيف يكون طعم اللحم البشري؟! مُقرِف بِكُل تأكيد.

"سيظن أبوكِ أنني أكلتُكِ حينها"

رمقته بعينيها الواهنة وهمست.

"رجاءًا!"

حينها تنهَّد جونغ إن وأومئ.

"حسنًا، اخرجي أولًا!"

مدَّ يدُه لها، نظرت إلى يده بتردُّد، تعلم أنَّ لها قلبًا مجنون لو لمسته سيُجن، لذا أرادت ألا تضع يدها بيده رغم أنَّها في داخلها تطوق لما هو أكثر من مسك يده؛ لكنها لا تريد أن يقرأ عليها الحُب، وإن كان لا يُجيد قراءته يقرؤنه غيره على صفحاتِها المُترسَة بِحُب البربري.

لكنَّهُ بدا مُصِرًا أن تُمسِك بها، فأمسكت بها وساعدها على الخروج من الهودج، وفيما تنزل تمسَّكت بكتفيه حتى لامست قدميها الأرض وأصبح يَطُل عليها من إرتفاعِه المُهيب.

نظرت إلى وجهه وأخذ قلبها ينبُض بجنون، لم تَكُ قط بمثلِ هذا القُرب منه، ولم تَكُ تدري أنَّهُ مثل الحِجارة الكريمة؛ قد يُخطئ الناس في تسميته حجرًا وينسوا أنَّهُ كريمًا؛ فكيف بِرَجُلٍ له مثل هذا الوجه الجميل أن يكون مجرم مُتمرِّد وبربري؟!

وجونغ إن هنا لا يدري عن شيء رغم عيناها الفضَّاحة؛ فهو غشيم في علوم النساء؛ جاهل تمامًا.

إنزاح عنها ثم أشار لها أن تسير أمامه ففعلت حتى وصلت قُرب حصانه، توقفت وإلتفتت إليه، بدى عليها الإرتباك؛ فلقد كانت تُخفِض بصرها وتفرك أنامله بقوَّة.

إستهلكت بعض الوقت حتى تملَّكتها الشجاعة وهو كان بإنتظارها أن تستجمع نفسها وتتكلَّم، رفعت رأسها بإنفة ونظرت في عينيه وقالت بلا أن تمنح نفسها الفرصة للتفكير بالعواقب؛ فهي بالنهاية الأميرة المغوليّة جيهان.

"أنا أُحبُك!"

إتسعت عيناه بدهشة وارتفعا حاجبيه، ثم قهقه وهو يُدلِّك قفا عُنقه؛ لقد ساوره الخجل، لأولِ مرَّة أن تعترف له إمرأة بالحُب.

"وأنا أُحبُني، والجميع يُحبني... مزحة جيّدة!"

نزلت دمعة من عينيها، إنجلت القوَّة عنها ورمقتهُ بذلك الوهن.

"لكنَّني لا أمزح، أنا حقًا أُحِبُك!"

عقد حاجبيه ثم إلتفت وصاح على المرأة المسؤولة عن خدمتِها يقول.

"هل أسقيتِها خمرًا؟!"

صرخت المرأة حتى يسمعها.

"لا سيدي!"

تنهدت جيهان؛ لِمَ لا يُصدِّق؟!

وبغرضِ أن يُصدِّق؛ إقتربت منه وجعلتهُ يمنحها إنتباهه حينما قبضت بيديها على ثيابه، وبَكَت تعترف له بِمشاعرها للمرة الثالثة على التوالي.

"أنا أُحبك؛ لِمَ لا تفهم؟!"

لوهلة؛ الدهشة والأستغراب جعلانه يمكث في سكون وهو ينظر إلى معالم وجهها الواهنة، التي لا تكذب ولا تمزح.

لأولِ مرة أن تعترف إمرأة بمشاعرها له، حرَّك ذلك شيئًا بداخله، ورُبَّما أستيقظ ميوله نحو النساء، لكن بالتأكيد ليس لهذه الفتاة من النِّساء، إذ أمسك بمعصميها ليخلَّص ثيابه من قبضتيها الواهنة، وابتعد عنها يقول.

"أنتِ جادَّة فيما تقولين الآن؟"

أومأت له؛ فلم يقدر أن يكتم رغبتُه بالضحك، ما كان مُصدِّقًا؛ ولو صدَّق فإنَّهُ أمرًا يدعو للسُخريّة.

عقد حاجبيه مُستذكِرًا في إستنكار.

"ألستِ الأميرة التي تزوَّجت بالوزير جيون؟!"

أخفضت جيهان رأسها تُقِر بالقول دون أن ينطُق لسانها به؛ فضحك جونغ إن وهو يلتف حول نفسه، يشعر بالتشتُّت والضياع؛ ثم وقف في مواجهة الأميرة، التي تهتز خوفًا من العواقب.

"وهل تزوجت به أُختك بدلًا عنكِ لأجلِ حُبكِ السخيف؟!"

رمقتهُ تستنكر الطريقة التي وصف بها حُبها له.

"أتنعت حُبي لكَ بالسخيف أيُّها القائد؟!"

أقرَّ بإيمائة مُتزمِّتة وردَّ في أستياء وغضب.

"وسخيف جدًا أيضًا؛ ماذا ظننتِ أنتِ؟! أنَّي سآخُذكِ بالأحضان وأُصفِّق لكِ عمّا فعلتِه؟"

إقترب منها وأشار إلى رأسِها فيما ينظر لها بغضبٍ واستحقار لم تشهده من قبل، بل لم يتجرَّأ أحد على مثلِ هذا الفعل من قبل أبدًا؛ بصفتِها شخصية ملكية، لكنَّهُ تجرَّأ.

"وليدخل في رأسكِ الصغير هذا أمرًا واحد؛ أنا لا آبه بكِ ولا بشعوركِ نحوي، ولن ينتُج عنه أي من تخيُّلاتكِ الورديّة، أنتِ لن تكوني في عيني إمرأة تَخُصني إطلاقًا!"

لقد جرحها كلامه وجعلها تصرخ به.

"إحترم مشاعري على الأقل!"

ردَّ صارخًا.

"أنتِ لم تتركي مجالًا للإحترام الشخصي بيننا أيَّتُها الأميرة!"

تكالبت الشهقات في صدرها، وأباح بها فاهها، وخزت صدرها بيدها واتبعت في إستنكار.

"ألهذا السبب ترفضني؟! لأنني أميرة؟"

تنهد جونغ إن وفكَّر أنَّهُ يجب عليه أن يُهدّئ من إنفعاله، ويتحدَّث معها كما يناسب سِنَّها الصغير.

"استمعي جيدًا؛ لقد نعتِني قبل قليل بالقائد، أنا قائد على من؟!"

نظرت له في صمت، وكانت تعلم مُسبقًا ما الذي سيبوح به، سيُفرِّقها عنه بسببِ سِجلَّه عند الدولة وطبقته الإجتماعيّة.

"أنا قائد على مجموعة ضخمة جدًا من المُتمرِّدين، المُخرِّبين، البرابِرة، الهمجيين، القتلة، والسارقين... هكذا يصفنا والدك.

ولو أردتِ سماع وصفي؛ فأنا قائد من ثلاثة على مجموعة من الناس، الذين لم يجدوا من ينصفهم ويرد لهم حقوقهم، بلادهم ظلمتهم وحولتهم من أسياد لعبيد، فكان الطريق الوحيد الذي يعزُّهم هو التَمرُّد، فلو كان نِتاج التمرُّد قطع الرِقاب فهو أهون من إنحنائها؛ بسببِ الخضوع والإمتثال!

نحنُ جماعة حملنا كرامتنا على ظهورنا ورمينا الموت في دروبنا، فلا نعلم متى نُلاقي الموت، وإلى متى سنقدر أن نحمل كرامتنا"

ثم ربَّت على رقبته بخشونة واتبع.

"لن أسمح لهذه الرقبة أن تنحني لأيًا كان حتى لو كان الملك، ولأي سبب كان حتى لو كان الأميرة، أنا سأموت واقفًا أيَّتُها الأميرة!"

إنسحب جونغ إن من أمامها يأمر أحد الرجال، وهي أخفضت رأسها إلى الأرض تبكي.

"حضِّر هودج الأميرة، سنعود إلى المَقر!"

ولكنها حينما سمعته يأمر رجاله هكذا إلتفتت ناحيته، وصاحت صيحة إستقطبت إنتباه الجميع.

"أستُعيدني لأبي ليقتُلني؟!"

لكنَّهُ بهدوء تحدَّث رغم إنقباض صدره غضبًا.

"كان عليكِ أن تُفكِّري بأبيكِ حينما إقترفتِ هذا الفعل الشنيع!"

صرخت تبكي.

"ولكن أبي أجبرني على زواجٍ لا أريده!"

قبض حاجبيه وارتفع صوته قليلًا.

"وهل أختك راضية على الزواج الذي أقحمتِها به؟! كم أنتِ أنانيّة!

وبما أنَّهُ بوسعكِ الهرب كان عليكِ أن تفعلي قبل أن يعقد الوزير قرانه على أختك وهو جاهل!"

إلتفتَ مُدبرًا بعد أن رمقها بنظراته الكريهة، وكرَّر أمره للرجال أن يحضِّروا الهودج؛ فهو لن يتحمل نتيجة سلوك أميرة مدلَّلة مُتمرِّدة، وينعتونه بالمُتمرِّد!

إنهارت جيهان أرضًا، لم تدري أنه له رأسًا صلب وقلبًا قاسيًّا لا يلين، لقد أحبَّت ضحكاته المُبهِجة، ونِكاته السخيفة، لعبه مع الأطفال، ومهاراته في الرقص، أحبت به الشاب البسيط العادي، لم تدري أنَّ في لُبِّه هذا الجمود.

لكن العودة إلى والدها ليست الخيار الصحيح، إنَّهُ أشبه بفعل الإقدام على الإنتحار، تعلم أن والدها سيكون قاسيًا معها ومع بيكهي، لكنَّها فكرت بكسبِ دعم الرجل الذي تُحبه أولًا؛ لكنَّهُ نفرها!

وضعت كفيها على وجهها وأخذت تبكي بشدَّة.

"ماذا أفعل أنا بنفسي الآن؟!
أبي سيقتلني!"

...

في الصباح؛ كان بيكهيون يقف على الشُرفة حينما رأى هيريم تقف وهي تستعد للخروج، ثم هي رفعت رأسها ونظرت ناحيته فتسآل.

"هل ستذهبي للخارج؟"

أومأت.

"نعم مولاي، يبتدأ العمل من اليوم"

"انتظري، سأذهب معكِ"

ثم خرج دون أن يمنحها الفرصة لترفض، تنهدت هيريم ووقفت بإنتظاره، ليس من اللائق أن تهرب الآن وتتركه مثل طفل صغير يود مرافقة أهله؛ لكنهم هربوا حينما ذهب ليأتي بِخُفَّه.

بزغ عليها مثل الشمس بهيبةِ الملك، وهيريم إبتسمت تقول.

"لا يمكن أن ترافقني بهذه الثياب يا مولاي، عليكَ أن تتنكَّر مثلنا لو أردتَ مُرافقتنا"

أومئ بيكهيون موافقًا، ثم أشارت هيريم إلى أحد الرجال ليعطيه زيًا مُناسبًا، وبينما هي بإنتظاره حضَّرت حصان لأجله وسيف، ثم أمرت مجموعة من رجالها أن يتبعونها لأجلِ حماية الملك لو جدَّ جديد.

آتى الملك فيما يرتدي زي المحاربين المَردة، بدى لائقًا عليه وأكثر جاذبيّة مما يكون على أي رجل آخر.

"هيّا؟"

تحمحمت في خجل؛ إذ لم تعي على سلوكها الواضح حتى إبتسم، فأومأت له وقالت.

"هيا"

خرجا معًا على حصانه وفرسها حتى يبلغان حدود السوق يتبعهما مجموعة من رجال هيريم.

تنهد فجأة فنظرت له تقول.

"أمن خطب مولاي؟"

نفى برأسه واتبع.

"لقد تذكرتُ الأيام السالفة"

"ألا يُزعجك لو سألتك عن أي أيام تقصد؟"

نفى برأسِه مُتبسِّمًا وأجابها.

"أيامي الأخيرة في ولاية العهد"

أخفضت رأسها تومئ، تلك الأيام تكرهها جدًا.

"ما الذي يذكرك بها؟"

حرَّك كتفيه بجهل قائلًا.

"لا أدري... الشعب ثار علي رغم أنَّني لم أجور عليهم، وحرصت أن أخدمهم بكل ما أستطيع، وأما أبي فقطَّع رقابًا كثيرة ولم يجرؤ أحد أن يرفع رأسه، لِمَ سكتوا على ظُلمه وتمرَّدوا علي رغم أنني بصدق لم أفعل ما يستدعي ثورتهم ضدي؟!"

نظرت ناحيته هيريم وقالت.

"ألم يكن السبب عمك في قطع الرقاب؟! فعلى من يثورون ومن ينصرون؟ في كل الحالات سيقتلون، أما أنت فلم يكن الأمير تشانيول بصفك بل كان عدوك، فلو عادوكَ نصروه وإن نصروكَ عادوه، في كلتا الحالتين سيعيشوا بظل ملك"

نظر إليها يعقد حاجبيه في إستغراب.

"وكيف تعلمين عن عمي؟!"

تبسَّمت.

"سيُفاجئك القول أنَّني أعلم أكثر منك عن عمَّك"

ثم أطلقت فرسها تجنُّبًا لأسئلته وقالت.

"هيا مولاي!"

أدرك بيكهيون أنها ترفض البوح، فتنهد وضرب لجام الحصان ليتبع حصانها.

وصلا حدود السوق، فترجلا عن الأحصنة وتركوها مع المُجنَّدين، ثم دخلا معًا يضعا اللِثام، ويحملان السيوف على خصريهما.

أصبحت أنظار الجميع عليهم، الجميع قد ميَّز القائدة هيريم، لم تظهر في السوق مُذُّ مقتل الملك بيكهيون على حسبِ ظنونهم، واليوم تدخل فيما تُرافق رجل ملثَّم غريب.

تبسَّمت هيريم من أسفل اللِّثام وأشارت إلى الأرض.

"انظر"

نظر بيكهيون حيث تشير وإذ به سيف قد كسر الآخر وانتصب مكانه.

"هذا السيف المكسور لنا، وهذا سيفك الذي بعثته خصيصًا لكسرِ سيفنا رغم أننا قصدنا الدفاع عنك، وكما ترى؛ لم يجرؤ أحد على تحريك السيفين"

تبسَّم بيكهيون وتذكر ذلك اليوم.

"لقد شعرت أنني أضعف من حماية ابنتي، وسمعتي، وسمعة ابنتي، حتى تحمونها أنتم، لذلك كسرتُه!"

أومأت هيريم وسارت برفقته.

"أتفهم ذلك سموك"

سارت معه حتى أدركت إحدى الدكاكين، حينما رآها صاحب الدكان شهق ووقف بإستقامة.

"سيدتي، هل أتيتِ للنظر في دفتر الحسابات؟ أقسم أنني لم آخذ قرش من حصصك!"

"أعلم، أنا أثق برجالي وبالتأكيد ليس بك أنت"

قدَّم لها العامل في الدكان التحية وأومأت له، حينها تسآل بيكهيون مُستعجِبًا.

"أهذا من رجالك؟!"

"نعم"

ربتت على صلعةِ الرجل، وهو قد ظن أنها ستضربه فصرخ بوادر صرخة لكنها قالت.

"لا تخف أيُّها السمين، لن أضرب هذه الرأس اللامعة"

إنحنى لها الرجل يشكرها وبيكهيون في جوارها ضحك، ثم اتبعا السير.

"أنتِ تتنمَّرين على التُّجار فعلًا، كانت شكواتهم في البلاط كثيرة"

ضحكت هيريم وأومأت.

"هذا مجرد سوء فهم مولاي؛ نحن لا نسرقهم"








.............................................

يُتبَع...

"الحيرة والحُب"

العنقاء|| The Emperor's Return

31st/July/2021

......................

Hello ladies❤

أتمنى تكونوا فهمتوا سبب بيك ليميل قلبه لهيريم ويتخطى ناري.

الفصل القادم بعد 100فوت و150كومنت.

1.رأيكم ببيكهيون؟ كلامه عن علاقته بناري؟

2.رأيكم بهيريم؟ قلقها بشأن تايهيونغ؟

3.رأيكم بجونغكوك؟ رد فعله على إكتشافه الحقيقة؟

4.رأيكم بجونغ إن؟ وإكتشافه لمشاعر جيهان ووجودها معه؟

5.رأيكم بتصرف جيهان وبيكي؟ شو رح تكون نتائج هذا الفعل؟ وشو ح تكون ردة فعل بيك لما يعرف؟

6.رأيكم بالفصل وتوقعاتكم للقادم؟

دمتم سالمين❤
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
Love❤

© Mercy Ariana Park,
книга «العنقاء/ The King's Return».
CH20|| المُفارقات
Коментарі