ما قبل الإحتراق
CH1||سياسة التَّمرُّد
CH2||الملك أيضًا أب
CH3||بِدء التنفيذ
CH4||كرامة الملك
CH5||تأثير الفراش
CH6||اسم الملك
CH7||الإمبراطور
CH8||نِصف قمر دموي
CH9||على حافة الهاوية
CH10||العرش يهتز
CH11||عصر من الظلام
CH12||قلبي يتمزَّق
CH13||جِراحُ المَلِك
CH14||العنقاء إحترق
CH15||شرانق عواطف
CH16||إبنة الكهوف
CH17|| الحب في سيماءه
CH18|| القلوب تبكي
CH19||الحيرة والحب
CH20|| المُفارقات
CH21|| البطلة
CH22||سيّدة التَّفرُّد
CH23||شُعلات حُب وحرب
CH24||كش ملك
CH25||خيبة
CH26||الحُب والحرب
CH27||ساعة الحِساب
CH28||عجز
CH29|| مُنكسرة الفؤاد
CH30||زمهرير
CH28||عجز
بيكهيون تيمور خان (إمبراطور اليوان الصينيّة)

بطل:

العنقاء|| The Emperor's Return

"عجز"

...

الخيبات توجِع أكثر حينما تكون من أشخاص تُحِبُّهم، قريبون منك جدًا وتثق بهم ثقة عمياء؛ الخيبة من هؤلاء مثل كسر الظهر تؤدّي إلى العجز.

سِتر العِرض وحماية الشَّرف واجب، التقصير به يُقصِّر الأعمار، موضوع لا جِدال ولا مُزاح فيه، جَدّي في غاية الخطورة؛ لأن الجسد جُزء كبير من كرامةِ صاحبه، سُمعتِه وأخلاقه... خصوصًا إن كان جسد إمرأة.

يذكُر سيهون جيّدًا كما لو كان الأمس؛ اليوم البائس والتعيس، الذي أصبح فيه هو المسؤول عن إخوتِه الأصغر سِنًّا، صحيح أنَّ فارق السِّن بينهم ليس بكبير، لكن في عُمر الطفولة كان بالتأكيد يُشكِّل فرقًا.

كان سيهون يبلغ من العُمرِ خمسةَ عشر عامًا حينما أصبح ولي أمر إخوته؛ جونغ إن البالغ من العُمر عشرُ أعوام، وشقيقته هيريم البالغة خمسُ أعوام فقط.

لقد وجد سيهون نفسه -فتى الخمسة عشر عامًا- بين يوم وليلة مُجرَّد من مكانتِه الإجتماعيّة كابنِ نبيل، ومن عائلته ذاتَ السيط والنسب، ومن إرث العائلة الأضخم في اليوان، وحتى من حُريَّته التي ما تجعله بشرًا في النهاية؛ إذ كانوا صائدو العبيد يتبعونه وإخوته؛ حالهم حال أيَّ شخص قد فقد مكانته الإجتماعية واتُّهِمَ بالخيانة.

ما زال يذكر كما لو أنَّهُ الآن؛ كم جاع حتى ربط على بطنِه حجرًا، وكم عطش حتى تقرَّحَ حلقه؛ وهو يهرب بإخوته بين البراري من صائدي العبيد، كم كان صعبًا على ثلاثتهم أن يعيشوا في الكهوف معًا، أن يستمرِّوا بالهربِ مِمَّن يلاحقونهم، أن يجدوا الطعام والشراب هنا، وأن يحتموا بثياب قذرة ومُمزَّقة لا تقيم برد الشتاء ولا تستُر أجسادهم.

من وقتِها؛ قرَّرَ أن يجمع الضحايا أمثاله جميعًا، جميع من أُبيدت عائلاتهم ظُلمًا وتشرَّدوا، ويُنشئ مع شقيقيّه هذهِ الجماعة للإنتقام من كُلِّ فرد تسبَّبَ بتشتيت أي شخص منهم، لخلقِ جماعة لا يستطيع هزيمتها أحد أبدًا.

والآن بعد عشرون عامًا؛ هُم أقوى جماعة خارجة عن طوعِ البلاد، هم حتى أقوى من الحكومة والجيش مُجتمعين، وقد نجحوا في تحقيق هدف لا تقدر عليه أقوى
الجيوش... هزموا جيش المغول، الذي لا يُقهَر، وأرجعوا الملك الصحيح إلى المكان الصحيح.

عاش سيهون مع إخوتِه طيلة عشرون عامًا صعوبات ومهالك لا تُعَد ولا تُحصى حتى وصل إلى هذا المكانة، الذي هُم فيها الآن، لكن طيلة هذه الفترة الطويلة جدًا؛ مهما صعُبَت ومهما تعثَّرت لم يشعر بأنَّهُ مكسور وخائب الأمل كما يشعر الآن... كل شيء كان أسهل عليه من أن تكسره شقيقته الوحيدة، وتُهين شرفه، وتُخفِض رأسه بسببِ العار.

ما زال لا يُصدِّق ما قالته الطبيبة لِتَّو، تعاقد حاجبيه مُستغرِبًا، وظنَّ أنَّهُ أساء السمع، أراد أن يتشبَّث بهذا الأمل المُستحيل.

-أظن أنّي لم أسمعكِ جيدًا؛ ماذا قُلتِ؟! 

أخفض الرُّجلان رفيقاه رأسيهما أرضًا؛ فبلا قصد قد علِما بتلك المُصيبة، التي لو تسرَّبت ستُصبِح فضيحة بِكُلِّ تأكيد لا يغسلها إلا إحدى الخيارين؛ الأول مُستحيل والثاني الموت، كذلك الطبيبة أمامه إزدادت إرتباكًا، وما إستطاعت البوح في كلمة لبعضِ اللحظات؛ لشدةِ صعوبة البوح. صرخ عليها سيهون؛ فلقد نفد صبره.

-تحدَّثي!

الطبيبة إنتفضت في مكانها مُرتعِبة، وأخذت ترتجف بتوتُّر، ثم تحدَّثت بما تعرفه بخوف.

-سيدي القائد؛ القائدة هيريم تبيَّن معي أنَّها كانت تنزف بسببِ فُقدانها لجنينها، لقد تأكدتُ مع كل الأطباء الموجودين هنا أنَّها كانت حقًا حامل، وفقدت جنينها لِتَّو!

نفى سيهون يرفض ما يسمع، لا يريد أن يسمع ما تقوله هذه الطبيبة ولا يُريد تصديقها حتى، لقد بدى كما لو أنَّهُ فقد عقله حقًا، إذ بدأ يهمس وانتهى يصرخ بغضب، ويضرب الباب، الذي يحمي أُخته منه، بِكُل القوة المُكتنزة بقبضتيه.

-لا لا لا!
مستحيل؛ هيريم لن تفعل ذلك بنفسِها، لن تفعل ذلك بي!

تمسَّكَ القائدان جون ميون وكيونغسو بكتفيّ القائد سيهون يحاولان تهدئتِه، ولكن لا شيء الآن يستطيع تهدئتِه؛ لكن مُصيبته عظيمة، ولا يُمكن أن تفوت هكذا، إذ فلَّتَ ذراعيه منهما وصرخ.

-دعوني؛ سأقتُلها الآن!

إنهار فجأةً أرضًا حينما جثى على رُكبتيه فيما يتنفَّس بخشونة، وبدأت رؤيته تصبح ضبابيّة فيما يتسلَّل إلى سمعِه من بعيد أصواتهم القَلِقة، ثم سقط على وجهه فاقدًا وعيه وآخر ما تمتم به كان.

-سأقتُلك يا هيريم، أُقسم أنَّني سأقتُلك!

سُرعان ما جثى جون ميون وكيونغسو قُربه، والآن تطلَّعا في بعضهما بإستنكار، ظهره ينزف كثيرًا وجُرحه عميق.

-أيُّها الأطباء!

صاح جونميون فيما يعاون كيونغسو على حملِ سيهون، وقد هرع الأطباء للمساعدة في ذلك حتى وضعوه بأمان على الفِراش، ينام على بطنِه.

لم يَكُن سيهون في وضعٍ جيد إطلاقًا حتى قبل أن يفقد وعيه، ما كان يتجاهل جُرحه الغائر في ظهره؛ لأنَّهُ لا يستطيع إلا أن يتألَّم ألمًا مُبرِحًا يزداد وبشِدَّة مع مرورِ الوقت؛ لكنَّهُ رأى أن يطمئن على هيريم أولًا ثم يُعالج جُرحه.

لكن بسماعِ هذا الخبر إنهار جسده كما إنهارت نفسيَّته، ولكنَّهُ كما إنهار سيرُد هذه الأذيّة وعلى كل من أخطأ بحقِّه... وأولهم هيريم، لكن عليه أن يتعافى أولًا.

...

هيريم أستيقظت مُذُّ بعض الوقت، ولكن خلال ذلك الوقت لم ترى أحد إطلاقًا حولها، فقط أدركت بأنَّها في إحدى المقرّات الفرعيّة للجماعة.

دعكت صِدغها بألم وقعدت على الفِراش، تحسَّست قاع بطنِها، كان يؤلم أيضًا، ولكنَّها فقط فكَّرت بأنَّ العادة النسائية قد أتت أخيرًا، ولذلك أزفرت بإرتياح، كانت تخشى أن تُخلِّف تلك الليلة طفلًا، كانت ستقع في مُشكلة خطيرة مع سيهون وجونغ إن أولًا ومع بيكهيون أيضًا.

سمعت صوت أحدهم قادم من خلفِ الباب؛ يطلب منها الإذن للدخول فأذِنت له؛ وإذ به القائد جون ميون والقائد كيونغسو برفقتِه، وبرؤية جون ميون أدركت بأي مَقر هي.

-إذًا أنا على أطراف العاصمة!

قدَّما لها التحيّة فتقبَّلتها بهدوء، ثم سمحت لهما بالجلوس أرضًا على يمينها.

-كيف تشعرين الآن سيدتي؟

تسآل كيونغسو فأومأت هيريم مُزفرة، واضح أنَّها ما تزال مُتعبة.

-بخير؛ أخبراني الآن... هل وصلت عائلة الملك إلى القصر بِسلام؟

أجابها كيونغسو.

-نعم سيدتي، لا تقلقي... لقد تكفَّل الوزير الأول جونغكوك بالأمر، ووصلت العائلة إلى القصرِ بأمان.

همهمت، ثم فكَّرت وتردَّدَت، تخشى لو تكلَّمت بوضوح تظهر لهم أنَّها مُتمسِّكة ببيكهيون، الحُب بينهما هو سِرهما الصغير، ليس على أحد أن يكتشف أمره، لكنَّها بالأخير إستجمعت شجاعتها وتسآلت، هي تُريد أن تطمئن فقط.

-هل من أخبار جديدة عن القصر؟

أجاب جون ميون.

-نعم سيدتي؛ لقد بلغتنا الأخبار كاملة من القصر الملكي عبر جواسيسنا؛ إذ قد قام جلالته بإعدام الملكة تاي هان في الساحة العامة، ورفَّعَ الملكة راهي لتصبح الملكة الثانيّة، إعترف بزواج الوزير والأميرة بيكهي، والأميرة جيهان خطَّبَها غيبًا لأحد مجهول الهوية، كما أنَّهُ أعلن عقوبة الإعدام بحقِّ الملك المخلوع.

أومأت هيريم بتفهُّم، كانت تعلم أنَّ الحساب سيبدأ بأفراد عائلته، لقد تصرَّف بشكلٍ جيد للآن، ترجو ألا يُخطئ مُستقبلًا، هو في النهاية بشر، وقد يُسيء التصرُّف.

والآن إرتآت أن تسأل عن أهم شخصين بحياتها كلها.

-أين سيهون وجونغ إن؛ لا أراهما؟!

نظر كلاهما في بعضهما بتوتُّر، ومن تلك التطلُّعات بينهما؛ أحسَّت هيريم أنَّ هُناك خطبٌ ما، وبلا شك أمرٌ كبير، قعدت بإستقامة وكرَّرت سؤالها بإصرار، إذ بدأت تشعر بالقلق وقلبها يخفق بشدة، لا يُمكن لأخويها أن يتعرضا للأذى أبدًا.

-أين إخوتي؟!

تنهَّدَ كيونغسو وأجابها مُطأطئً رأسه.

-سيدتي؛ القائد جونغ إن مفقود، مُذُّ الحرب لم يَراهُ أحد.

صاحت بقلق.

-ماذا؟!

أومئ كيونغسو مؤكدًا صِحَّة ما سمعت، ثم قال.

-لقد أمر القائد سيهون كيم تايهيونغ أن يذهب، ويبحث عنه مع عدد كبير من الرِّجال، لا تقلقي؛ القائد بالتأكيد سيعود معهم، أنتِ تعلمين أنَّ تايهيونغ وبقيّة رجالكِ محل ثقة.

نفت برأسها، ونهضت مُسرعة؛ تتجاهل آلامها جمَّة.

-لا؛ أنا لا أعلم شيء، سأذهب لأجد أخي مهما كلفني الأمر، لن أتحمَّل أن يتأذى ولو قليلًا أبدًا!

وقفت ترتدي دروعها، ولكن جون ميون هبَّ واقفًا أمامها يحاول منعها، كلا كيونغسو وجون ميون، كلاهما لا يستطيعان أن يُخبرانها عن حقيقة إصابتها؛ فهذا أمرٌ شخصي وخاص بين الأخوة، لكن مع ذلك من واجبهما أن يمنعاها من الخروج.

-لكن القائد سيهون هنا!

بلهفة قالت.

-حقًا؟!
أين هو، أريد أن أراه الآن؟!

برم جون ميون ثغره، وأخفض رأسه عنها يهمس بأسف.

-للأسف؛ هو مُصاب إصابة بالغة في ظهرِه، ولقد فقد وعيه.

وكان كل ذلك على هيريم دُفعة واحدة صعب، لا يُمكنها تقبُّله، أمسكت هيريم بتلابيب ثيابه، تضغط على نَفَسِه، وصرخت به فيما تظفر الدموع في عينيها.

-ما الذي تقوله أنت؟!

جون ميون لم يُحرِّك إنشًا للدفاعِ عن نفسه، بل أبقى رأسه مُخفظًا قليلًا، وهمس بصوتٍ خافت مُتأسِّفًا.

-أنا آسف يا سيدتي!

أفلتته ويديها ترتجف، ودموعها تصبَّبت على خدّيها، لا تُصدِّق أنَّ كلا أخويها متورِّطان في مُصيبة مثل هذه، كلاهما تكاد تخسرهما.

-أين هو؟!
أريد أن أطمئن عليه؟!

أشار لها جون ميون بأدب.

-تفضَّلي معي سيدتي القائدة!

سارت هيريم خلف جون ميون، واتبعت خطواته  وقلبها لا يتحمَّل تلك اللهفة لرؤيته حتى أدركت الباب المجاور، توقف هو عنده وقال.

-هو في الداخل سيدتي، لا تحاولي أن توقظيه، عليه أن يرتاح جيدًا.

أومأت تتفهَّم، تحاول بشدة أن تكبت دموعها لكنها تفشل، لا يُمكنها أن تبقى قويّة وهي على حافةِ أن تخسر دروعها، بالداخل كانت لديه جاهي، تمسك بيدِه وتبكي بلا صوت.

كان ينام على بطنه، وظهره عليه ضمّادات، جلست هيريم على جهتِه الشاغرة، وأمسكت بيدِه برفق، ثم رفعت بها إلى ثغرِها، وطبعت عليها قُبلة محمومة بالقلق، ثم جعلتها على خدِّها النَّدي، وهمست.

-أنا مُتأكٍّدة كما أراكَ الآن؛ أنَّكَ أخذتَ حقكَ بيدِك، ليتكَ تركتَ لي أحد آخذ بثأرِكَ منه، كنتُ سأقتله بأشبع طريقة ممكنة يا أخي، فلقد تجرَّأ وأصاب أخي الحبيب!

نظرت جاهي إلى هيريم فيما تمسح دموعها، وقالت.

-سيكون بخير... أرجو أن يستيقظ قريبًا.

نظرت إليها هيريم وقالت تومئ.

-سيكون بكل تأكيد، سيكون!

هيريم نهضت من جانبه وهي تمسح دموعها، ثم حملت سيفه وسهامه على ظهرِها، وتوجَّهت للخارج، ستذهب وتُحضِر جونغ إن، وكلاهما سيهتمّان بسيهون حتى يَصِح، لا يُمكنها أن تخسر جناح، وجناح آخر مُصاب لا يُرفرِف.

ما إن خرجت من باب الغُرفة حتى كان في وجهِها ذات الرَّجُلين يخفضان رأسيهما بإجلال، وكيونغسو قال.

-عُذرًا سيدتي؛ لكن لا يمكنكِ أن تذهبي لأي مكان، لقد تعرضتِ لإصابة بالغة.

نفت برأسها تقول.

-لا يَهُم ذلك الآن يا كيونغسو، يجب علي أن أجد أخي بأسرعِ ما يكون، لا يُمكِن أن أترُكنا مُشتًّتين هكذا.

اعترض كيونغسو.

-لكن سيدتي...!

رفعت يدها بوجهيهما تقول وقد بانت غاضبة.

-لا يجرؤ أي منكما على منعي، أنتُما قادة بالفعل، لكنَّني القائدة عليكما... تذكَّرا ذلك جيّدًا كلما أردتُما منعي عن فعلِ شيء أو أردتُما التَّدخُّل في شؤوني!

صمت كلاهما بطاعة لأمرِها وهي تحدَّثت.

-اجمعا لي عددًا من الرِّجال، يجب أن نذهب لنعثر على أخي وبقية المفقودين من جماعتِنا.

أومئ جون ميون وانصرف لتنفيذِ أمرِها؛ فهي كما قالت؛ القائدة هنا وجميعهم رِجالها، يمكنهم المُجادلة والإعتراض ولكن ليس في هذا الوضع الحسّاس.

بعد مرور الوقت؛ تجهَّز عدد كبير من الرِّجال  لِمُرافقتِها في رحلتِها، صعدت على فرسِها، وهي ترتدي دروعها وتضع لِثامها، تحمل سيفها وكنانتِها.

أمسكت بلِجام الفرس وأمرت جون ميون.

-إن وصلتكم أخبار من تايهيونغ أو أن أستيقظ سيهون أعلموني.

-أمرُكِ سيدتي!

حرَّكت فرسها لينطلِق، ولكن أثناء ذلك وصل فارس رسول إلى المَقر يحمل رسالة.

-رسالة من المَقر الرئيسي إلى القادة سيهون وهيريم.

-تعال إلى هنا!

أشارت له هيريم أن يأتي لها، فأدركها يُحيّها، ثم تناولت الرِّسالة منه، وفتحتها تقرأها، سُرعان ما طَوتها وانتشر القلق في وجهها.

-أخي جونغ إن!

....

خرج الوزير الأول جونغكوك جيون بفرقة كاملة وشرسة من الجيش بحثًا عن القائدة هيريم كما أمر الملك، لقد كان جلالة الملك جادًّا جدًّا حينما أمره بإحضارها على خير مهما كلَّفَ الأمر، كما أنَّهُ يُدين لها بحياته بأكثرِ من موقف... بل بمواقف كثيرة.

-مولاي، انظر إلى هناك!

نبَّه إحدى الجنود جونغكوك، فنظر إلى حيثُ أشار وإذ بها فرس ميّتة، شدَّ جونغكوك لِجام فرسه وأمر.

-بالتأكيد سيكون الفارس قريب من فرسِه، ابحثوا في المكان كاملًا؛ نقِّبوه تنقيبًا!

توزَّعَ الجنود بحثًا عن الفارس، الذي تخلى عنه فرسه أو تخلَّى هو عنه، ولكن على الأغلب أنَّ كلاهما مُصاب، إستمرَّ البحث لبعضِ الوقت بجِد حتى جونغكوك عثر على رَجُل تحت إحدى الأشجار البعيدة مُستلقي ومُصاب مُغطّى بدمائه.

أسرع إليه جونغكوك يتفقَّده، وحينما نظر إليه عرفه، فنبس مشدوهًا.

-القائد جونغ إن!

سُرعان ما أرسل جونغكوك أنامله؛ ليتحسَّس العِرق النابض في عُنقِه، وأزفر براحة حينما أحسَّ بنبضه، هو مُصاب بشِدَّة والدماء تُغطّي بدنِه؛ لذا عليه ألا يُخاطر بحياتِه إطلاقًا أو يُماطل في مداواتِه.

إقترب جونغكوك منه، وبرفق رفعه على كتفه فيما يصيح آمرًا.

-احضروا العَربة إلى هنا!

سُرعان ما نقل جونغكوك جونغ إن على العَربة، التي أتوا بها لأجلِ المُصابين، وقرَّرَ أن يعود بهِ إلى القصر، لا يمكنهُ أن يستمِر بالبحثِ عن القائدة، ومعه شقيقها القائد مُصاب؛ لذا لم يَكُ يملك خيار آخر سوى العودة الآن وإلا قد يخسر القائد جونغ إن. 

وصل جونغكوك إلى القصر، وأمر بنقلِ القائد جونغ إن إلى العيادة الملكيّة لمُعالجتِه، ووضعِ حِراسة فائقة عليه تحسُّبًا من محاولات الأغتيال، التي قد تأتي من الحاقدين، أو من محاولات هربه إن أستيقظ.

ثم جونغكوك قصد مجلس الملك، حيثُ أدرك أن الإمبراطور قد أوقف بقيّة المُحاكمات في البلاطِ الملكي حتى يُدرِك ما حال هيريم؛ فلا يُمكنه التركيز بتصفيّة الحسابات وباله مشغول على المرأة التي يُحِبُّها.

دخل جونغكوك إلى البلاط الملكي، وانحنى في حضرةِ الإمبراطور وهو على عرشه، تقبَّل بيكهيون تحيَّته، ثم ترجَّل عن عرشه حتى أصبح قِبالة وزيره؛ وسأله.

-ما الذي حصل معك؟

أجابه جونغكوك وهو يُخفِض رأسه.

-لم أستطِع الإستمرار في البحثِ.

عكف بيكهيون حاجبيه بسخط.

-لِمَ؟!

إقترب جونغكوك من الملك؛ ليهمس له في حدود سمعه.

-مولاي؛ لقد وجدتُ القائد جونغ إن مُصابًا في الأحراش، لذا إرتائيت أن آتي به بدلًا من الإستمرار في البحث وهو معنا، خشيتُ أن يُشكِّل ذلك خطرًا على حياتِه.

أومئ بيكهيون وقال.

-قمتَ بالفعلِ الصحيح، والآن عُد للبحثِ عنها مهما تكلَّفَ بكَ الأمر.

إنحنى جونغكوك لصاحبِ الجلالة بطاعة قبل أن يُغادر، إلا أنَّ جاسوسًا للملك بين العامة قد دخل إلى مجلس الإمبراطور بعد الإستئذان يقول.

-جلالتك؛ المُتمرِّدون سيعلنون أمرًا بالساحة العامة الآن!

أومئ بيكهيون وقصد شُرفة القصر المُطِلَّة على الساحة العامّة، وجونغكوك تبع مولاه إليها، شُرفةِ القصر هذه على الأسوار الخارجيّة، حيثُ يٌمكن للملك أن يرى ما يحدث بالسوق دون أن يتجاوز أعتاب القصر.

كان الناس يتجمَّعون حول المنصَّة الخشبيّة، والإمبراطور أوقف جنوده عن الخروج والتَّدخُّل حينما رفع يده يمنعهم.

لحظات وبدأ يسمع صهيل الأحصنة قادم من ناحيةِ الأدغال، إنَّهُ الطريق عبر المَقر الأقرب، الذي أصبح كهفًا مهجورًا الآن، هم حذرون لدرجة ألا يحددوا من أي طريق قد آتوا، لا يثقون به إطلاقًا.

ظهر رجال أشداء على أحصنة قويّة يحملون راياتهم السوداء، التي ينتصفها نصف قمر دموي، مُلثَّمين ويحملون سيوفهم وكنانتهم المختومة بعلامتهم ذاتها، ويرتدون ثيابًا سوداء كما العادة، تفرَّقت هذه الأحصنة نصفين لأجلِ حصان قادم من خلفِ المسيرة ليصبح في أولها.

كانت هي... هذه هيئة جسدها الصغير، وهذه عينيها، التي لا تعرف كيف تكون وديعة، وهذا شعرها الذي يشبه خيوط الحرير... هذه هيريم فعلًا.

أخذ قلب جلالته في صدره يثِب كلما وثبت فرسها، كان يشعر كما لو أنَّها الفارسة على فرسها وهو الأرض الصحراوية، التي تذروها أحافير فرسِها الشرسة؛ فالفرس من الفارس.

زفر بيكهيون حينما إنتفض قلبه بردًا وحرًّا في الوقت ذاته، هكذا الحب... مُتناقض ولا يُمكن فهمه.

صعدت هيريم المنصَّة بهيئتها المُتمرِّدة والشرسة، ثم غرزت رُمحها في الأرض تقول في صوتٍ جهور وصل سمع الجميع.

-نحنُ المُتمرِّدون كما تنادوننا، نحنُ جماعة القمر الدموي؛ نؤكِّد لكم أنَّ الذي يخون إمبراطور اليوان بيكهيون تيمور خان مصيره الموت على أيدينا، وعلى هذهِ الأرض ليست هناك قوة أكبر منّا إلا سُلطة الملك، ونحن خدمه الأوفياء؛ لذا لا يُمكنكم تجاهل تحذيرنا هذا.

ونُعلِن اليوم إيفاءً لملكنا العظيم ولتهديدنا السّالف؛ أنَّنا اليوم نُقدِّم لجلالة الإمبراطور بيكهيون تيمور خان آخر إنتصارتِنا في هذه الحرب.

الرعُب منهم في عيون الجميع، سابقًا الملك كان يُحاربهم ويتمرَّدون عليه، لكنَّهم اليوم أعادوه إلى عرشه ووقفوا بصفِّه، ذلك يجعلهم أقوياء بلا حدود بالفعل.

الملك من على شُرفته كما أفراد حاشيته الأوفياء؛ جونغكوك، وجونغ داي، وايشينغ، يقفوا ويستمعوا إليها. كانت الهيبة والمهابة والبهاء تلمع في سِنحتها السمحاء، التي لا تعرف بالسماحة شيئًا.

-أنا قائدة جماعة القمر الدموي كيم هيريم أعلن لكم أنَّني قتلتُ الملك المخلوع تشانيول تيمور خان بنفسي، وأتحمَّل وحدي كامل مسؤولية هذا الفعل، من غضبِ أفراد الشعب وحتى...

نظرت نحو شُرفة الملك، وشعرت كما لو أنَّهُ ينظر لها كما أيام الحُب الأوالى، واتبعت.

-حِساب الملك ومُحاكمته بحقي.

ترجَّلت هيريم عن المنصَّة وتركت الرُّمح، الذي تبيَّن أنَّهُ للأمير تشانيول، مغروز في خشبِ المنصَّة علامةً على صِحَّةِ كلامها وإثباتًا لهيمنتِها.

صعدت فرسها وتهيَّأوا رجالها للإنطلاق، ولكنَّ الحُب والحنين كبَّلا يد هيريم عن ضربِ لجام الفرس، واختارت ولو لبضعِ لحظات أن تودِّع الرَّجُل، الذي لم تُحِب غيره، ولن تُحِب بعدِه أبدًا.

تبسَّم كما لو أنَّهُ قريب منها كفايّة؛ ليُقبِّل مَبسمها الحزين وعينيها الباكيّة، همس.

-ستكوني معي قريبًا؛ لذا لا تبكي حبيبتي!

همس وكأنَّ تلك المواساة ستسمعها، وكأنَّ ذلك الوعد، الذي تراه مُستحيلًا ويراه قريبًا، سمعته وخفَّفَ عنها.

قرَّرت في هذه اللحظة فيما تشيح عنه أن تحفظ الحُب في قلبِها للأبد، وتُغلق عليه بإحكام شديد، ثم تسير في أمورِ هذه الجماعة كما تقرَّرَ من البداية، هذه الجماعة التي لن تتخلَّى عنها أبدًا ولو كان الأمر لأجلِ بيكهيون بنفسِه.

بيكهيون أمر بعدما غادرت هيريم.

-لا داعي أن تذهب أيُّها الوزير جونغكوك إلى أي مكان!

أخفض جونغكوك رأسه بطاعة.

-أمرُ جلالتك!

عاد بيكهيون إلى داخل القصر، وأدرك سبب مجيئ هيريم إلى هنا الآن، لقد كان ردًا للجميل، هي بالتأكيد قد علمت أنَّ جونغ إن عنده، وبالمقابل هي وأعلمتهُ أنَّها بخير.

أما بالنِّسبةِ للأمير تشانيول؛ فلقد أراد التخلُّص منه بنفسه، وأن يقتله بيدِه، ولكن ذلك لا ينفي أنَّ هيريم وفَّرت عليه الجُهد والوقت، والأهم... المزيد من الخسائر في الرِّجال.

قصد بيكهيون جناح الأميرة رايناه، رُبَّما الآن يكون قد وصلها خبر مقتل الأمير تشانيول ولذا يجب عليه الوقوف معها في مِحنتِها هذه، صحيح أنَّهُ سعيد في سماعِ هذا الخبر رغم أنَّهُ أراد قتله بنفسه، ولكن ما زال... سيكون قلبه مُتألِّمًا ما إن يرى رايناه تتألَّم على فُقدانها لزوجها؛ يعذرها... هو في النهاية زوجها ووالد طفلها.

أدركَ جناحِها مُتباطئ الخطوات، يود أن يهرُب من رؤيةِ أُخته في هذا الوضع الأليم، لكن لا فِرار من مسؤوليته إتجاهها وعاطفته عليها، عليه بالمواجهة مهما كانت صعبة، وعليه أن يواسيها ويُنيّم رأسها على كتفِه حتى يفرغ قلبها من الوجع على زوجها، الذي لا يستحق منها ولا دمعة واحدة حتى؛ فما عاد لها من بعدِه -بيكهيون- سند، ولا ظهر تحتمي به.

وقف بيكهيون خلف بوَّابتها، وحينما أراد حارس البوّابة أن يُعلِن عن وصولِ المولى رفع يده إليه يمنعه، فانحنى الأخير له بطاعة. تنهَّد بيكهيون مِلأ صدرِه، ثم دخل لمواجهةِ وجع أُخته كأخ فقط مُجرَّدًا من الإمبراطور عند عتبتِها.

حينما دخل؛ كانت تجلس على الطاولة الخاصّة بها، وتبدو قَلِقة ولكنَّها هادئة، حينها أدرك بيكهيون أنَّ رايناه لم تعلم بعد بما حدث، وذلك لم يزده إلا عِبئًا.

"الآن كيف سأُخبرها؟!"
هكذا فكَّر...

وقفت رايناه لتحيَّتِه ما إن رأته يدخل إليها، وكانت تبتسم بتوتُّر.

-أهلًا أخي؛ تفضَّل بالجلوس!

أمسك بيكهيون بالكُرسي، وقرَّبه من كُرسيِّها ليكون بجوارِها، ثم جعل يده على كتفِها يحثُّها على الجلوس.

-اجلسي؛ أُريد أن أتحدَّث معكِ قليلًا!

أومأت له، ثم بحِجرِها أخذت تفرُك يديها بتوتُّر، بان لبيكهيون أنَّها ترغب في قولِ شيء له ولكنَّها تتردَّد أو تخشى ردَّ فعله؛ لذا قبل أن يُبلغها الخبر السيء، الذي في جُعبتِه، إرتآى أن يسمعها أولًا؛ إذ رفع يده ليمسح بها على شعرها وبنبرةِ الأخ الحنونة جعلها تطمئن وقال.

-أرى أنَّ في فمكِ كلام تخشين البوح به، قوليه لي ولا تترددي، انسي أنّي الملك وتحدَّثي إلى أخيكِ.

زفرت رايناه بتوتُّر، لا تدري كيف تُفاتحهُ بالموضوع لكن عليها ذلك، إذ حملت نظرها إليه وقالت بنبرةِ رجاء.

-لديَّ طلب أطلبهُ منك، وأتمنّى من أخي ألا يَرُدَّ أُخته الوحيدة خائبة فيرفض!

أومئ لها فيما راحته على كتفِها البعيد.

-قولي حبيبتي؛ ما دمتُ أستطيع أن أُعطيكِ أياه سأفعل بلا تردُّد مهما كان.

بلا مواربة، أمسكت بيدِه التي ترتاح على الطاولة أمامها، وشدَّت عليها برِجاء.

-أخي؛ أيُمكنكَ أن تعفو عن حياةِ تشانيول لأجلي؟

رفع بيكهيون يده عن كتفِها، وأشاح بوجهِه إلى الجهة، التي لا تحتويها، ثم يده التي بيدها قبضها، وكم بدى نافرًا ورافضًا لما تطلبه أخته.

لمعت الدموع في عيني رايناه حينما لمست منه الرفض، كانت تدري أنَّ إقناعه صعب جدًا إن إقتنع من الأصل، لقد أعدم زوجته دون أن ترف عينه، فكيف سيغفر للخائن بنفسه ولو كان زوجها، ولكن لأجلِ زوجها أسرفت في التوسُّل من أخيها، ولم تهتم لأي شيء سوى للتَّمسُّك بالأمل الضعيف الذي تملكه بأن ينجو زوجها ويلين قلب أخاها عليها.

-أخي؛ أنا لا أطلب منك أن تعفو عنه كُليًّا، أعلم أنَّ ما فعله لا يُمكن أن يُخفَّف لدرجةِ أن تغفر له لأجلي.

نظر لها بيكهيون وبرَّر نفسه بنبرةٍ ليّنة.

-أنتِ لا تفهمين، أنا لا يُمكنني...

قاطعته بإصرار واتبعت تتمسَّك بعباءته الملكيّة.

-أعلم أنَّكَ الملك، وينبغي عليكَ أن تكون عادلًا في إتخاذِ قرارتكِ؛ ومنها مُعاقبة زوجي، صدِّقني أنا لا أطلب منك أن تغفر له.

تنهَّد بيكهيون وأشاح عنها مُجدَّدًا، لا يُريد أن يرى البؤس يأكل من صحةِ وجهها، كما أنَّهُ لا يستطيع أن يفعل شيء لأجلِها ولو أراد، لقد إنتهى فصل تشانيول من حياتها وحياته وللأبد.

أمسكت بذقنه برفق وجعلته ينظر لها، ولم يطيب له أن يرى الدموع مِدرارًا على خدّيها لكنَّها كانت هكذا بالفعل.

-أخي؛ فقط لا تقتُله... هذا كُل ما أريده.

نفى بيكهيون برأسِه رافضًا، ولكنها تُتبِع بإصرار؛ لا تترك له مجال ليتحدَّث.

-يُمكنكَ أن تنفيه إلى مكان بعيد جدًا خارج المملكة بأكملها، يمكنكَ أن تحبسه للأبد في سِجنِك، يمكنك أن تُجرِّده من كُل ألقابه الملكيّة، وأمجاده السالفة، ومن منصبِه، وقوَّته وثروته، وأنصاره.

تدافعت دموعها أكثر وهي تقترح عليه أصعب مصيرًا قد تعيشه، صحيح أنَّها لا تُريد تشانيول ولكنَّها تُحِبُه بصدق، تعلم أنَّهُ لا يستحق لكنَّها لا تستطيع أن تمنع قلبها إلا أن يُحبُّه ويهتم لأمرِه.

-يمكنكَ حتى أن تُطلقني منه، يمكنك أن تفصلني عنه، وتحرمه من إبنه، لكن فقط لا تقتله، أحتاج فقط أن يبقى حيًّا... أرجوك يا أخي!

وقف بيكهيون، وابتعد عن مطرحِ جلوسها؛ يهرب من إصرارها الشديد، بؤسِها ويأسِها المتينان. منحها ظهره، وعقد كفَّاه خلف ظهره، ثم تحدَّث بنبرةٍ جادّة.

-أنتِ تعلمين جيّدًا أنَّني لا أستطيع تنفيذ رغبتك، عقوبة الخيانة العُظمى هي القتل.

إلتفَّ إليها فيما يرتدي اللوم على وجهِه مُتبِعًا.

لقد إستولى على عرش المملكة، الذي هو من حقّي ولابني من بعدي، وحاول أن يقتلني ليضمن إستمراريّة حُكمه الطاغي، وحاول أن يطعن شرفي بابنتي، قتل ملكتي ناري، التي لا أملك أعز منها وأنتِ تعلمين ذلك.

نشر عني إشاعات بين الناس، وشوَّه شرف إبنتي، لقد تناقل الناس على ألسنتهم أنَّ إبنة الملك ساقطة بسببِه، سعى خلف أطفالي الصِّغار، الذين لا يفقهون في هذهِ الدُّنيا شيء، ليقتلهم، حتى صديقي الوحيد حاول قتله.

بإستنكار اتبع فيما يُمسك بكتفيها.

-سرق مني عرشي، وقصري، ومملكتي، وشعبي، وحتى نسائي. وأنتِ تطلبي مني الآن أن أحفظ حياته، أنتِ تعلمين أنَّ طلبكِ هذا مستحيل.

نفت رايناه برأسها، وجمعت كفّيها بتوسُّل.

-أرجوك!

إلتفَّ بيكهيون عنها واتبع في إصرار.

-لقد قتلتُ زوجتي أخته، التي تكون إبنة عمي، وأم ابنتي، وهانت عليَّ عِشرة سبعة عشر عامًا معها؛ لأجلِ تحقيق العدل وحماية مملكتي، ولو كنتُ أملك خيطًا رفيعًا للعفو عنها لتمسَّكتُ به لأجلِ جيهان، ولتمسَّكتُ بهِ لأعفو عن زوجك لأجلكِ الآن.

إلتفَّ إليها واتبع في حزمٍ وصرامة.

-أنتِ أميرة وتعلمي أنَّ لا مجال للعفو عن حياة خائن أباد المملكة، وأهلها، وخيراتها تحت أي ظرفٍ كان وكائنًا من يكون، أنتِ لو خُنتِني سأقطع رأسك رغم أنَّكِ أُختي، التي لأجلها سأتخلى عن حياتي. 

اقترب منها واتبع، بدت عيناه صارمة وهو يتحدَّث، إذ أمسك بكتفيَّها وقال.

-أنا ملك، ومسؤوليتي أولى من عاطفتي يا رايناه، أنا ملك قبل أن أكون أخوكِ أو أب لخمسةِ أطفال أو زوج للكثير من النساء، أنا ملك هذا الشعب، ولا يمكنني الفِرار من مصيري ومسؤوليتي أبدًا يا رايناه.

ثم أخفض يداه عن كتفيها، وهي تبكي بلا حِس، ولكنَّها تبكي كثيرًا، ثم همس وهو لا ينظر لها.

-وحتى لو أردتُ أن أفعل لأجلكِ أي شيء؛ فما بيدي حيلة، لقد فاتَ الأوان!

سُرعان ما هرعت رايناه إليه، تتمسَّك بكتفيه بيدين مُرتجفة.

-أخبرني ماذا تقصد؟!

رفع عيناه إليها، وهمس.

-لقد فات الأوان حبيبتي، لقد توفيَّ الأمير تشانيول.

أفلتَتهُ رويدًا رويدًا، وهي تنفي برأسِها رفضًا لما تسمع، تنكُر، وتستنكِر، ولا تُريد أن تُصدِّق.

-لا يُمكن، أنا لم أسمعُكَ جيّدًا، قُل ذلكَ مُجدَّدًا!

أمسكَ بِعِضدِها، واجتذبها إلى حُضنه بدلًا من أي كلام، فأخذت تبكي على كتفِه، لقد صدَّقت الآن حديثه، لقد خسرت زوجها حقًا. حضنها برفق بين يديه، وتنهد مُبتئسًا مُتألِّمًا عليها، أخذت يداه تُربِّت عليها ولسانه لم ينطق بحرف كذلك هي.

بكت على كتفِه كثيرًا، بكت حتى ما عاد لها طاقة على البُكاء أبدًا، تمسَّكت ببطنِها، الذي بدأ يَبرُز بالفعل.

هذا الطفل باتَ يتيمًا، وابن خائن، وابن ملكة مخلوعة وأميرة أرملة، لن يكون له مُستقبل، وستضيع حياته في الحاجة والعار، وإن ورث أطباع والده؛ فهي ستنجب لهذه الدنيا شيطانًا آخر سينتهي حاله كحال والده تمامًا.

أصبحت تضرب على بطنِها بقبضتِها وهي تُمتِم.

-طفلي يجب أن يموت يا أخي، طفلي لا يجب أن أنجبه أبدًا، سيعيش إما للعار أو للإنتقام، لذا عليه أن يذهب نظيفًا بريئًا قبل أن تلوِّثه الدُّنيا بهمومِها وشرورِها.

أمسك بيكهيون بمعصميها يمنعها عن ضربِ بطنِها.

-لا يُمكنكِ أن تؤذي طفلًا بريئًا أبدًا، هذا ابنك وعليكِ التمسُّك به ولو تخلّى العالم بأكمله عنه؛ أنتِ يجب ألا تتخلّي عنه، وأنا أعدك بأنَّني سأنقذ ابنك، ولن أسمح للحقدِ أو العار أن يتسلَّل إلى قلبِه... أنا أعدك، ثقي بي!

نظرت له وهي تكاد أن تبرئ من أنفاسها لكثرةِ ما تثاقلت وصُعِبَت عليها، مسح على رأسِها وأخذها إلى سريرها، اجلسها عليه وبقيَ معها لبعضِ الوقت حتى أتت راهي إليها.

...

عادت هيريم إلى المَقر، الذي بقيادة جون ميون، كان بإنتظارِها كيونغسو وجون ميون، فورما ترجَّلت عن فرسِها سألت.

-كيف حال سيهون وهل أتت أخبار جديدة عن جونغ إن؟

أجاب جون ميون.

-للأسف؛ لم يحدث شيء جديد للآن.

تنهَّدت هيريم وأومأت تقول.

-حسنًا؛ عليَّ أن أجتمع بكما أولًا، ثم عليَّ أن أصِل إلى جونغ إن؟!

سبقتهم إلى الداخل نحو الحُجرة، التي يعقدون فيها إجتماعاتهم وتبعها كلاهما. جلست على رأسِ الطاولة وكل منهما جلس على إحدى جنبيها.

-بعدما أعلنت عن مقتل الأمير تشانيول على يدي، يجب علينا أن نبعث من يأتي لنا بجُثمانه، وندفن بقيّة أمواتهم.

أومئ كلاهما بطاعة، ثم جون ميون تسآل.

-سيدتي؛ لقد بلغنا بالفعل عبر جواسيسنا بالقصر أنَّ القائد جونغ إن عند الملك؛ ماذا سنفعل بهذا الشأن؟!

تنهدت هيريم وقالت.

-علينا إخراجه من هناك بأسرعِ وقت قبل أن تَتِم مُحاكمتِه مُجدَّدًا، أو أن تُنفَّذ بحقِّه عقوبة الأعدام، التي أقرَّها الملك قبل عِدَّة سنوات.

كيونغسو استنكر.

-هل تظُنّي أنَّ الملك قد يفعل أمرًا كهذا بحقِّ القائد جونغ إن؟!

شدَّدت هيريم على كلامها فيما ترفع سبّابتها.

-القائد جونغ إن تحديدًا... نعم!

عقف جون ميون حاجبيه بإستغراب مُتسائلًا.

-لِمَ قُمتِ إذًا بإعلامهم أنَّكِ قتلتِ الأمير تشانيول؟!
كان عليكِ أن تُقايضيه بالقائد.

تبسَّمت هيريم بإستنكار، ثم وجَّهت كلامها إلى جون ميون.

-الأمير دمه مسفوك بالفعل، لو ما قتلناه نحن أي أحد غيرنا سيقتله، ثم كيف سنخدعهم بِجُثة؟!
والأهم أنَّنا نُكرِم الميت كائنًا من يكون، لا يمكننا كسر القواعد الآن مهما كانت غايتنا.

أخفض جون ميون رأسِه مُقتنعًا واعتذر.

-أعتذر لأنَّني أسأتُ التقدير يا سيدتي!

همهمت هيريم، ثم نهضت عن الطاولة فيما تحمل سيفها عنها، وتضع كِنانتِه على كتفِها والقوس.

-انتبهوا على أخي، وأنا سأذهب لأُحضر أخي جونغ إن من القصر.

بقلق قال كيونغسو.

-كيف ستدخلي إلى القصر؟!

هذا قصر جلالة الملك بيكهيون تيمور خان، ولا أحد أعلم به أكثر منه، كيف ستدخلي وتخرجي بالقائد دون أن يُمسك بك؟

ربَّتت على كتفِ كيونغسو، وقالت.

-ليس عليك أن تقلق، طلبتُ المعاونة من جواسيسنا بالداخل.

إعترض جون ميون بقلق.

-لكن يا سيدتي باتَ الإمبراطور يدري أنَّ لنا جواسيس داخل قصره!

-لكنَّهُ لا يعرفهم بأعينهم.

وقفت أمام كلاهما بشجاعة كما العادة وقالت.

-إذًا سأذهب الآن، إنتبهوا على أخي، وابعثوا أمرًا إلى تايهيونغ أن يعود إلى هنا.

-أمرُكِ سيدتي!

خرجت هيريم من المقر على حِصان، ما إن صعد بعضًا من رِجالها لِمُرافقتها قالت.

-سأذهب وحدي، أنتُم انتظروني عند مدخل الغابة، واحترسوا من الحرس الملكي.

-أمرُكِ سيدتي!

إنطلقت هيريم على فرسِها، وتأكدت أنَّها تحمل الحقيبة، التي أمرت بتحضيرها مُسبقًا، كان كل شيء جاهز بالفعل.

وصلت حدود القصر، وما إن أدركته، ترجَّلت بمنطقة قريبة، وربطت فرسها إلى شجرة بِقُفل، بدَّلت ثيابها إلى ثيابِ سيدات البلاط، ولم يخلو الأمر من الكثير من تذمُّراتِها.

-لا أفهم كيف يرتدين النساء كل هذه الطبقات من الثياب، هذا يبدو سيئًا جدًا ولا يُطاق!

ضبطت ثيابها، حذاءها، ونوعًا ما شعرها، ثم حملت الهوية المُزيَّفة، التي أمنَها لها إحدى الجواسيس، وسلَّمها أياها بعدما أعلنت عن مقتل الأمير تشانيول، ثم قصدت القصر.

نظرت نحو السماء، إنَّهُ الليل الدامس، بالتأكيد كل من في القصر نيام الآن... كان عليها أن تفكر بذلك مُسبقًا.

-يا لي من حمقاء!

جلست في إحدى الحوانيت القريبة من القصر، كانت مملوءة بالكثير من الرِّجال، هي بالطبع لا تخاف إلتمامهم من حولها أو كونها المرأة الوحيدة في المكان، ولولا أنَّها تتنكَّر لاخفضوا جميعهم رؤوسهم خوفًا منها.

ولكن وجودها في الحانوت كان بالتأكيد مُفيدًا، فلقد تيسَّر لها سماع الكثير من القيل والقال الدائر بين الناس.

-أرأيتُم؟!
لقد أخبرتُكم أنَّ جماعة القمر الدموي ليسوا سيئين لهذه الدرجة، ها هم أعادوا الإمبراطور بيكهيون إلى عرشه، وخلصونا من شرِ الأمير تشانيول.

هذا الرَّجُل تحديدًا، الذي تكلَّم، تذكر أنَّها قامت بضربه مُسبقًا لأنَّهُ أشار لها ولجماعتها بالسوء، هم هؤلاء نفسهم الذين يدعونهم بالمُتمرِّدين البرابرة.

-سمعتُ أنَّ الملك ترك مكان الملكة الأولى لقائدة المُتمرِّدين، يبدو أنَّهُ يحبها حقًا.

رغم شائعات الناس هي تعلم أنَّ بيكهيون لن يفعل شيئًا كهذا إطلاقًا، فالملكة ناري ما زالت وستبقى ملكته الأولى والأهم وستبقى، وهي لن تأخذ مكانها إطلاقًا، حتى أنَّهم ابتدعوا من خيالهم قِصَّة حُب بينها وبين الملك، رُغم أنَّهم أصابوا، زفرت تهمس.

-الناس مخيفون!

هيريم لا تنوي أن تصبح ملكة أبدًا، ولا تُريد أن تعيش كعصفور في قفصٍ ذهبي مُرفَّه ولو كان مع الرَّجُل الوحيد الذي تُحبه. البراري أولى، وهيريم تُحبها كثيرًا، حُبًّا غير مُقيَّد ألبتة... حُبًّا كالحُرية تمامًا.

-سمعتُ أنَّ الملك سيُحاكم كل من تعيَّن في القصرِ وعند الحكومة بعده؛ ليتأكَّد أنَّهم أخذوا وظائفهم عن إستحقاق، وليس مُحاباة من طرفِ الأمير تشانيول.

تذكَّرت هيريم تلك الفترة، التي قضتها أسيرة عند تشانيول. الآن هي مُصِرَّة على الدخول، عليها دين يتوجَّب عليها أن تقضيه.

بعض الرِّجال إلتفّوا حولها، للتسليّة بإمرأة  ضعيفة وجميلة.

-انظروا إلى هذهِ الغزالة، قد دخلت عرين الأسد بقدميها!

هيريم لم تنبس ولو بكلمة، فقط إنحنت لتخرج الخِنجر، الذي تربطه على كاحلها السليم، وغرزته في الطاولة الخشبيّة، إذ يحمل علامة جماعة القمر الدموي.

حينها تنحنحوا وانهزموا من حولِها فارّين، لا مجال للعبث مع أي مُجنَّدة تنتمي للجماعة فما بالك بقائدتهم؟!

-جُبناء سفلة!

طلع الصُّبح وهيريم في الإنتظار، ثم حينما حان الوقت نهضت وعينها لم تغفو ولو ثانية، قصدت القصر، كُنَّ سيدات البلاط يدخلن إلى القصر عبر صف عامودي، هيريم وقفت في آخرهن، وحاولت تقليد سلوكهن.

هُن يمشين بخطوات صغيرة، رؤوسهن مُنحنيّة، ويُغازلن الحرس بحركاتهن، كما يعقدن أيديهن على بطونهن.

حاولت تقليدهن، لكنَّها تذمَّرت بغضب.

-لِمَ يتصرَّفن كسُلحفاة ساقطة؟!

لقد إعتادت هيريم أن تسير ورأسها مرفوع، خطواتها واسعة، ويداها دومًا مشغولتان بحمِل سيفِها وقوسِها، لا يُمكنها تقليدهن إطلاقًا، حاولت ضبط نفسها قليلًا ومشت بطريقتهن؛ ولكنَّها لم تفلح؛ حينما أدركت الحارس لتفقد هويتها قال.

-لم أرى مُسبقًا سيدة بلاط مُسترجلة هكذا، هل عُينتِ جديدًا؟!

سحبت هويتها من يده وقالت.

-سأعلمك كيف تكون رَجُلًا لاحقًا إذًا.

دخلت إلى القصر، وإلتحقت بسربٍ من سيدات البلاط، لا تدري أين يتجهِن، ثم حينما أدركت العيادة الملكيّة تفرَّقت عنهن، وتسلَّلت إليها.

بحثت بين الغُرف الكثيرة على جونغ إن، ولكنَّها لم تجده، أرادت الخروج لكنها سمعت طبيبتين يتكلَّمن.

-سأذهب لرؤية ذلك المريض، الذي أمر صاحب الجلالة بعلاجه في جناحه الملكي.

-أرغب في رؤيته، يقولون أنَّهُ شاب أسمر ووسيم للغاية.

-إنَّهُ إحدى الإخوة الثلاث، الذين يقودون المُتمرِّدين. على الأغلب أنَّ الملك يضعه هناك؛ كي لا يستطيع أن يهرب، وينفِّذ بحقه لاحقًا حُكم الإعدام غليًّا بالماء، الذي أصدره جلالته آنِفًا.

-يا حمقاء، لِمَ سيعالجه إن كان سيقتله!

-عِبرة لمن لا يعتبر!

تنصَّتت هيريم على ذلكِ الحديث من أولِه إلى آخرِه، ثم ما كان منها إلا أن تتبع الطبيبة، التي تقصد جونغ إن، فرُبَّما بيكهيون لا يضعه وحسب هناك، كي لا يهرب، بل لكي لا تستطيع الجماعة الوصول له أو تحريره، لكنَّها الليلة ستفعل المُستحيل.

-أنتِ توقفي!

قالت هيريم بصوتٍ جاف حينما أدركت بإتباعها الطبيبة نُقطة تخلو من الناس، إلتفتت الطبيبة ثم بإستحقار رمقت هيريم.

-كيف تجرؤ سيدة بلاط وضيعة أن تأمرني؟!

اقتربت منها هيريم، والنظرة في عينيها جادة وحادة.

-لستِ أفضل من سيدات البلاط بشيء!

إستلَّت هيريم ذلك السكين الصغير، الذي تُخفيه عند معصمِها، ووضعته فوق قلبِ الطبيبة تقول بنبرة ميّتة.

-أنتِ طبيبة وتعرفين، الآن لو غرست هذا السكين في قلبك، لن تنجي من الموتِ أبدًا!

إزدرئت المرأة جوفها وقالت مرعوبة.

-من أنتِ؟!

-أنا؟!

أستنكرت هيريم، ولكنَّها منحتها الرَّد، الذي جعل الطبيبة تجثو أرضًا ليست قادرة على حملِ خوفها أكثر، إذ همست هيريم قُربها قبل أن تسقط.

-كيم هيريم؛ أخت المريض الذي تقصدينه، وقائدة المُتمرِّدين!

إزدرئت الطبيبة جوفها، وركزت في عينيها، إنها ذات المرأة التي أعلنت أنها قتلت الأمير تشانيول.

-أنتِ التي قتلتِ الأمير تشانيول، ألستِ؟!

جلست هيريم قِبالتها على قدميها وأومأت.

-لقد قتلت أقوى رَجُل في هذهِ المملكة، والآن أنتِ لا تظُني أني أعجز عن عصفورة مثلك؛ أليس كذلك!


...............

يُتبَع...

"عَجَز"

العنقاء|| The Emperor's Return

11th/Jan/2022

..............

سلااااااام
*تتحاشى البندورة التي يقذفها عليها الجمهور*

*تتذكر أنو الجمهور ما حققوا الشرط فتقذفهم بالبندورة*

كيف حالكم؟!
والله missed 💔

أخيرًا تعافيت من العجز الكتابي *زغاريت مصرية*

كنت مصابة بالعجز لدرجة أني سميت الفصل "عجز"😂😂😂

يلا خير... كل تأخيرة وفيها خيرة مثل ما بنقول، مين لسة بيمتحن؟!

شايفين الفصل😎😎
أكثر من ساعتين أخذ التعديل بس😪😪
أتمنى يلاقي الصدى إلي يستاهله.

الفصل القادم بعد 200 فوت و400 كومنت.

1.رأيكم بسيهون؟
ردة فعله على الخبر؟
ماذا سيفعل إن أستيقظ وتعافى؟

2. رأيكم بهيريم؟!
ردة فعلها على ما حصل بسيهون وجونغ إن؟
كيف ستُحرِّر جونغ إن؟
وهل ستنجح؟

3.رأيكم ببيكهيون؟
ردة فعله على مقتل الأمير تشانيول؟
مواساته لشقيقته؟

4.رأيكم برايناه وحالتها وطلبها من بيكهيون قبل أن تعلم بوفاة تشانيول؟!

5. رأيكم بالفصل ككل وتوقعاتكم للقادم؟!

دمتم سالمين❤
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
Love❤

© Mercy Ariana Park,
книга «العنقاء/ The King's Return».
CH29|| مُنكسرة الفؤاد
Коментарі