توطِئة|| Intro
Chapter One
Chapter Two
Chapter Three
CH4|| دموع الذئب
CH5|| للمرة الأخيرة
CH6||بداية جديدة
CH7||سيدة النار
CH8|| لا تتوهجي
CH9||صفعة و قبلة
CH10|| أول الفجّات
CH11||وجوه جديدة
CH12||حب و راء
CH13|| تخبط
CH14||إمرأة من فولاذ
CH15||بداية الصراع
CH16|| أحياء
CH17|| تاجٌ من شوك
CH18|| بلورة باهتة
CH19|| تتويج الملك
CH20|| معركة الحب
CH21|| شطرنج
CH22|| تَفيض قوّة
CH23|| مقبرة المشاعر
CH24|| ضحايا ح-ب
CH25||الملكة
CH26|| صِراع العروش
CH27||ضبط الملكة
CH28|| حُب وحَرب
CH29|| رِهان الجسد
CH30|| أُنثى الذئب
CH31|| السِّنداوة
CH32|| الدرك الأسفل
CH30|| أُنثى الذئب
"أُنثى الذئب"











أستحق، أنا أستحق ما يحصل لي...

أستحق أن تُبعدني عنها، وألّا ترضى بي الآن، هي لم ترضى بي يومًا، لذا لا أدري بأي جرأة أنا تخيلتُ أنني سأبتدأ فصلًا جديد من حياتي معها.

فصل عامر بالحب والوِد... كنتُ أحلم فقط.

ظننتُ أنّي وصلتُ القِمة وانحدرتُ من عليها، لكنني ما زِلتُ عالقًا هُناك، في قِمة هذه العُقدة التي لا تنفك تزداد تعقيدًا، ولا يبدو أنني سأصل النهاية السعيدة أبدًا.

لدي إستعداد أن أضع كل شيء في حياتي جانبًا واهتم بها وحدها، ليتني أستطيع تعويضها عمّا اقترفته يداي بجهل بها.

يا ليتني أقدر...!

لكن ما تطلبه كثير، الفُراق... أنا لن أقدر عليه.

أنا كابرت وجاهدت، صبرت وتحملت، صمودي للآن كان كل ذلك لأجلها، دومًا ما صبّرتُ نفسي بها، أنني في النهاية، سأحضى بها بين ذراعيّ.

لكنها ترفضني كُنفًا...

على غِرار الهدوء الذي يتلبس المكان، والسِنحة التي تظهر علي، إلا أن إنفجارات مَهولة كانت تُقام في جوفي.

لستُ راغبًا في تهويل وجعها ولا إزدياده بل بتخفيفه، ولكن ليس بالفُراق.

لذا حدّثتُها بلُغة هادئة لا أدري إن إستوعبتها.

" رؤية وجهي تذكركِ به، هل آخذكِ إلى لوهان ليمسح ذاكرتك؟!"

نظرت إليّ وأريتُ ملامحها تمتعض بإستنكار.

" لوهان يمسح ذاكرتي؟ تريد أن تخدعني؟! وبموافقتي؟!"

رمقتها بلا إنقطاع دون أن أنبس بحرف حتى أشاحت عنّي أولًا، أخدعها؟!
أمكنني أن أفعل ذلك مُذُّ زمن لو أردت، لكنني لم أُرِد خِداعها.

" أنا أخبرتكِ عن أيسر الحلول وأنتِ تملكين القرار الآن، لكن أن أبتعد عنكِ لمثل هذه الحُجّة أو غيرها فلا وألف لا"

صاحت بي وقد نَفرت الدموع من عينيها.

" ولِمَ لا؟!"

صحتُ بها أعلى مما صاحت بي، لم يَكُ تصرفًا سديدًا... أنا أعلم، لكنني لم أفكر بشيء سوى أنها تريد الإنفصال عنّي.

" لأنني أُريدك... ولتبقيها في رأسك؛ أنا أُحبك!"

تفلتت مني المشاعر على هيئة كلمات تفوهتُ بها في مَحض لحظات وجعلتها في صدمة، وصدمتني لأنها لم تَكُ تعلم.

إذ رمقتني مدهوشة، وقد اتسعت عيناها وفغرت ثغرها.

" تُحبني؟!"

أومأت لها، واقتربت منها خطوة تراجعت بِمِثلها، لكنني لم أهتم وقُلت ما في جُعبتي.

" لأنني ذئب، والذئب لا يُحب سوى أُنثى واحدة طيلة حياته ويُخلص لها، وأنتِ مصيركِ أن تكوني أُنثى الذئب، الأُنثى التي أُحبها أنا الذئب"

" ماذا؟!"

تجاوزت عن معالم الدهشة المُتجلّية على وجهها وقُلت.

" كما سمعتِ، لذا لا يُمكن للفُراق أن يحلّ بيننا ولا يُمكن أن أهجر مضجعكِ، إن كنتِ لا تريديني لن أقترب منكِ لكنني لن أتركك إطلاقًا"

ثم لم أَكُ لأوفّر الفُرصة لها لأن تعترض على قراري هذا إطلاقًا، فأنا ما عاد يمكنني أن أتخيّل حياتي بدونها، لقد وقعتُ لها وانتهى أمري، الآن لا يمكن لكلينا أن ينسحب من هذهِ العلاقة.

حتى لو أردنا؛ فالقدر إختارها لي دون بقية النساء وأختارني لها، لا يمكن أن نفترق لأنها تريد، لا يمكن.

كنتُ أسير في حديقة القصر بهدوء، سأعود إلى الجناح عندما تنام، لكنني الآن أُريد ألا أُجادلها فيما تريد، أتفهمها ولكن عليها أن تفهم أنني لستُ رجلًا عادي، أنا أمير.

......................

عَمَّ الليل، وانتهت أشغالي لهذه الليلة، ولأول مرة؛ أتمنى ألا تنتهي ويطول العمل ولا تنتهي المَهام؟!

كيف أعود إلى جناحي الذي تسكنه عدوتي فيما أنني لا أقدر أن أؤذيها حتى؟!

أن آذيتها أكون أؤذي جسد ميريانا، ولو ما عُدت؛ أعلم أنه سيُجن جنونها، وقد تؤذي جسد حبيبتي نِكالًا بي، هذه اللئيمة أعرف كيف تُفكِّر مُذُّ أنني سيدها.

تحدثتُ إلى إخوَتي، وقرروا أن تبتدأ الملكة العلاج من الغد، قرروا أيضًا أنها تحتاج عشرة جلسات عِلاجيّة لتعود ميريانا إلى طبيعتها.

أعلم ان الفترة القادمة ستكون عصيبة جدًا عليّ وعليها، وقد أرى منها الويل فعلًا، لكنني سأقف في ظهرها، لأنها زوجتي التي أُحب، ولأنها تستحق مني كل الإهتمام، ولأنها الملكة التي انقذتني، والزوجة التي صبرت عليّ.

الآن لا يُمكنني أن أُهملها، هي قِطعة من قلبي... لا؛ بل قلبي كُلُّه.

ولجتُ إلى الجناح، لكنها لم تَكُ في السرير، بحثتُ عنها هُنا وهُناك وإذ هي تَقف في شُرفة الجناح، تستند إلى أسواره بكفّيها وتنظر إلى السماء.

ليتني أُفاجئها من دُبر وأحتضنها، لتشهق بين ذراعيّ وتنتفض كفراشة، أود أن أدس وجهي في شعرها، وأستنشقها حتى أعمق عُمق في صدري.

أود أن أحتضنها وأذوّقها الحُب كما أشاء وأشتهي، أود أن أُقبّلها حتى أفنى، أحتضنها حتى أموت حُبًا بين أركانها.

لكنني سأبقى ها هُنا عالقًا وبعيدًا عنها جدًا حتى تعود كما كانت، حتى تعود إليّ بنفسها.

لكنني الآن أفهم ما الذي تُقدم عليه بتصرفاتها هذه، لباسها هذا يجعلني أُخمن أنها تُريدني أن أُشاركها الفِراش، كي تعود لتسلل إليّ كما فعلت بالسابق، فهي ترتدي قميص نوم حريري أحمر اللون، يكشف الكثير من معالمها.

صحيح أنني مُشتاق لهذا الجسد جدًا، لكن وصاحبته فيه، لا لهذه المَسخ، لا يُمكن أن أمنحها الحُب وأنا أدري أنها ليست مَلكتي، ما تُريده لن يحدث حتى بأحلامها.

" ماذا تفعلين هُناك؟!"

إلتفتت إليّ وابتسمت، لكنني تجاهلتُها وولجتُ أقول.

" ادخلي، الجوّ بارد ليلًا"

دخلتُ لأُبدّل ثيابي إلى أُخرى مُريحة تخص النوم، رغم أنني أشك بأنني سأنام بسببها.

حينما عُدت وجدتها تجلس على السرير بإنتظاري، وتستعرض جمال جسد زوجتي لي لعلي أُفتَن وأعطيها ما تُريد.

تجاهلتُها واستوليتُ على حِصتي من السرير أمنحها ظهري.

" نامي الآن، لدينا يوم طويل غدًا"

لم تمتثل إلى ما قُلته وصراحة لا أهتم، الأهم ألا تقترب مني أو تحاول إستغلال الفُرصة.

بقيتُ مُستيقظًا حتى بَرحَ الليل وبَزغَ الفجر، فأنّي لا أثق بها إطلاقًا، لكنني لم أستطع مقاومة النُعاس وغفوت، وما خشيته حدث؛ إذ شعرت بلمساتٍ ليست ببريئة تَطئ جسدي.

ما إن فتحتُ عينيّ وجدتُها أعلاي تُقبل عُنقي، دفعتها من علي فسقطت بجانبي وتأوّهت تتمسك بكتفها، لعنتُها في داخلي، إذ بلا قصد تسببتُ بأذى لجسد حبيبتي.

قعدتُ على السرير، ووجدتني أتحدث إليها بعصبيّة.

" ما الذي كنتِ تفعلينه؟! أخبرتكِ أن تنامي وحسب!"

تمسّكت بكتفيّ واقتربت مني، حتى شعرتُ بأنفاسها الدافئة تَطئ وجهي.

" لِمَ تمنعني عنك؟ أنا مُشتاقة لك، ألم تشتاق لي؟!

أبعد كل هذا الغياب الطويل أنتَ لم تشتاق لي؟"

حرصتُ أن أُبعدها هذه المرّة عني بِرفق، تجاهلتُ ما قالته ككل شيء تقوله.

" أنا مُتعَب، دعيني وشأني الآن"

رفضي المُتكرر لم يجعلها إلا غاضبة كما هو متوقع، إذ شنّت عليّ هجومًا بأظافرها لتخدش وجهي فيما تصرخ بجنون.

" لِمَ ترفضني؟! هل تكرهني أم أنكَ ما عُدتَ تُريدني؟!"

تمسّكتُ بمعصميّها، وجعلتها تتمدد رغمًا عنها، ثم أحكمتُ ساقاي على حوضها كي لا تتحرك.

حللتُ الشريط من حول ردائي، ولففتُ به مِعصميها أُقيّدها إلى السرير.

" لم أُرِد أن أصل معكِ إلى هذه المرحلة لكنكِ تُريدين، إن تفوهتِ بحرف آخر أو فعلتِ أي شيء سأضعكِ في الزنزانة، تفهمين؟!"

رمقتني بعين غاضبة ولم تُجِب، هي يجب أن تخاف مني وإلا لن تُطيعني، سأُريها أنني لا أُحب ميريانا ولا أهتم لأمرها كثيرًا كي تخاف على نفسها مني.

تمسّكتُ بذقنها وشددتُ عليه حتى تألّمت، قرّبتُ وجهي من وجهها وهي كانت تتنفس بصعوبة بالفعل.

" لطالما لم أُحبّك ولم أُرِدك، ما الجديد؟!

لكنكِ يومًا لم تكوني بهذا الرُخص وتتوسليني الحُب، أين كرامتك وعِزة نفسك؟!

الآن أياكِ أن أسمع لكِ صوت أو أجدكِ تتحرشين بي مُجددًا، لن أتردد في مُعاقبتكِ عِقابًا عسيرًا"

خَسئ بصرها عني حينها نبست.

" تفهمين؟!"

أومأت، فتركتُ ذقنها بخشونة أوجعتها حتى أنها كمشت ملامحها وأنّت.

تمددتُ في مكاني وأشعر قلبي يوخزني لأجلها، تلك الأذيّة لم تَكُ مقصودة، فلتغفري لي يا مَلكتي.

...

في اليوم التالي؛ إجتمع الإخوة في مَجلسهم في قاعة الماما يرأسهم أخوهم الملك.

النِقاش كان عن الملكة، وكيفية علاجها، وما الدور الموكَل إلى جلالة الملك لأجل أن يُقدم العون الذي يتناسب وحالتها الجسديّة الآن لها.

في تلك الجلسة؛ تَعلّم تشانيول الكثير، وأدرك أن الزمن بالفعل عَجلة دوّراة، وأن الموقف الذي كانت فيه سابقًا هو الآن يختبره.

أما بشأنها؛ فقد حلَّ تشانيول قيدها قبل أن يخرج من عِندها، وجعل الحِراسة مُشددة عليها، وذلك بعدما تأكد أنه أغلق جميع المنافذ إلى خارج الجناح وأن كل النُسخ للمفاتيح معه.

الآن؛ وفيما يجهزون الحُماة المسؤولين عن تلقينها العلاج المكان وتحضيره خرج تشانيول ليُحضرها بنفسه، فهي تقدر أن تُقام الجميع وتدحضهم إلّاه، ستسير معه كما ينبغي لها أن تسير.

ذهب إلى الجناح، وفتح القُفل؛ ليجدها مُتكومة على السرير وتبكي بجنون، تبكي كما لم تفعل ميريانا من قبل.

لم بستغرب ذلك، فلقد أخبروه إخوته أنها قد تَمرّ بمثل هذه النوبات العاطفية حينما تتعرض للرفض منه.

" لِمَ تَبكي؟"

سألها فيما ينزع عنه إكسسوارات رداءه الثقيلة، فبدا أنه منزوع الإهتمام أمامها، لا يهتم لأمرها بتاتًا، وكأنها لا تخصه ولا تبكي بسببه.

رمقتهُ عبر المرآة التي ينزع أمامها أحمال الرداء، قد إحمرّت عيناها وتبدو في حالة مُثيرة للشفقة إلا أنها كانت تَطلع إليه بنظرات حاقدة.

" لم أظن يومًا أنني أهون عليك، ألستَ تُحبني؟"

إلتفت لها ولم يُجبها، بل إستطرد يُلقي أوامره عليها.

" انهضي وأحسني ارتداء الثياب، ستخرجي معي"

أشاحت بوجهها عنه وعقدت ساعديها إلى صدرها؛ إدلاءً بالرفض القاطع لما أمرها به للتوّ، لكنه لم يَكُ ليتهاون معها على الإطلاق لذا نَبس مُستاءً.

" قُلت انهضي"

كان ذلك تحذيره الأخير لها؛ لتفعل ما تؤمر به بالتي هي أحسن، وبما أنها لا تفعل ما يأمرها به، فقد لجأ للتخويف ثانية إذ صرخ بها.

" انهضي قبل أن أحولكِ إلى فريسة بائسة بين أنياب الذئب!"

الذئب هو ورقة تشانيول الرابحة في التعامل معها، فها هي تنهض أخيرًا وتمتثل لأوامره، لربما لو خافت شيء أكثر منه فهي الذئاب بلا مُنازع.

جلس على طرف السرير بإنتظارها أن تنتهي وتخرج معه، لكنها أطالت وحينما أراد تفقدها خرجت ترتدي ثوبًا لائقًا.

توجهت إلى دُرج الحُليّ لتتزين بحُلي الملكة لكنّه منعها، فهي ليست الملكة، إنما مُحتلّة، أو بلغة البشر؛ فما هي إلا فيروس ضار وَلَج جَسد الملكة وينبغي التخلص منه.

" لا وقت لوضع الزينة، الآن امشي أمامي"

أغلقت الدُرج فيما تعشو إليه بلا معالم، ثم سبقته بخطوات معدودة إلى الخارج.

كانت تسير، وهو يسير بمحاذاتها، والحاشية من خلفهما تتبعهما، الجميع يشعر بأن بأس واقع بينهما، فالمفروض أن بعد الحرب البائسة التي حدثت أن يجمعهما الحُب والوئام، لا الواجب والمناصب.

وَلَج الملك بها إلى حُجرة العِلاج المُقررة، حيث تكون البلورات الملوّنة مُعلقة في طليعة واجهة الحُجرة، ثم في منتصف الحُجرة لوح معدني، تعلوه بِلّورة كبيرة الحَجم تتدلى من السقف يمتزج اللونين الأحمر والأزرق بها وعليها مقاييس مئويّة.

وحينما أحسّت بهيمنة نظيرتها على الجوّ السائد في الحُجرة -الطاقة الزرقاء- أرادت الخروج سريعًا، لكن تشانيول أغلق المَخرج بجسده بينما بقية إخوته يلتفّون في شتى أركان الغرفة.

" إلى أين؟!"

عَشت إليه بنظرات مُرتعبة وأجابت.

" لِمَ جلبتني إلى هُنا؟!"

" ستعلمين قريبًا، الآن فقط تمددي على هذا اللوح المَعدني"

إزدرئت جوفها ونفت برأسها أن لا، يَبرق الخوف كحبّات عَرق على جبينها، والرُعب يُزعزِع ثبات حدقتيها.

تحرّكت تبغي الفِرار من تشانيول والحُماة والمكان بِرمّته، لكن قبضة تشانيول إستحكمت على عِضدها، وجعل يجذبها إلى اللوح حتى أسقطها جالسة عليه.

" لا تفعل، فقط اتركني أخرج من هُنا وأعدكَ أنني سُأطيعك!"

لم يَملك بقلبه ذرّة شفقة عليها، إنما خوف وقلق على صاحبة الجسد الذي تغفو في رُكن ما من أركان روحها داخل هذا الجَسد.

جعلها تنام على اللوح، ثم ربط معصميها به، أخذت تبكي بجنون وتحاول تحرير نفسها، لكنها لم تقدر.

إستند تشانيول بكفّيه على حافتي اللوح، وقرّب طلائع وجهه القاسية لها، فيما كانت ترمقه بنظرات مُبتأسة خائفة، لعله لان، لكنه لن يَلن.

بل إرتفعت نواجذه يبتسم بشماتة، يراها تكاد أن تختفي من الخوف فقط، فكيف ستكون مع اللاحق.

" كما كنتِ تُسيطرين على جسدي وجعلتِني دُمية لتطلُعاتكِ الخبيثة، الآن دور زوجتي وجسدها كي تطوّعيه لمصالحكِ الشريرة، لكنّي الآن هُنا، ولن أترككِ حتى تفقدي سيطرتكِ عليها، وما تعودي كيانًا، إنما مجرد طاقة لا تَعقل، لا تَملك ضرًّا ولا نفعًا لنفسها ولا لغيرها"

والآن فقط كشّرت عن أنيابها، إذ إسترسلت بالضحك فيما عيناها تدمع، ثم بشراسة نبست.

" لن تقدر، أعلم أنكَ تُحبها، ولن يسعكَ أن تراها تتألم، أنا سأقضي عليها وأتبعك حتى أطراف الكوكب، أنتَ لي أنا وحَسب!"

لم يَكُ تشانيول ليسترسل معها في الحديث أكثر، ويعطيها قدرًا من الإهتمام الذي لا تستحقه، إنما فقط جعلها ترى بعينها ما هو فاعلٌ بها.

تراجع عنها، ولآخر رمق كانت تنظر إليه حتى تقوّس ظهرها وباتت تصرخ صُراخًا مهولًا، تراجع تشانيول وأشاح وجهه عنها، يغمض عينيه ويشدد على قبضته، فلقد إبتدأ العلاج بالفعل.

إقترب منه الأمير كريس وجعل يُربّت على ظهره قائلًا.

" دعنا نخرج من هنا"

لم يَردّ تشانيول، إنما فقط إستجاب لكريس حينما سحبه للخارج، وهو يسمع صوت صُراخها الذي أدمى بقلبه ودوّى بالقصر.

أنبت كريس جناحيّ التنين من ظهره، ودعى أخيه أن يشاركه التحليق، لذا أنبت تشانيول جناحي العنقاء وحلّق معه.

كلاهما كانا يُحلقان فوق أراضِ المملكة الفسيحة، المسكونة منها واللامسكونة، كانت جولة على ظهر الهواء لتفقد حال البلاد وللترويح عن أنفسهم قليلًا.

فإن قلب تشانيول مشحون بالهمّ والقلق على حبيبة قلبه، لا يَسعه إلا أن يفكر بها، حتى أن سمعه كان أصمّ عن هِتاف الشعب باسمه واسم الأمير حينما مرّوا من فوقهم.

كان يطير بهواءٍ شاغر وبعقل فارغ يجول.

" دعنا نتوقف هُنا"

أشار كريس إلى تَلّة تَطل على السهول التي يسكنها شعب الأيري.

" دعنا نهبط هُناك ونتسامر حتى تنتهي الجلسة العلاجيّة"

هبط كلاهما إلى تلك التلّة وجلسا مُتحاذين.

كلاهما كان ينظر إلى البيوت التي تُنير بأضواءها من بعيد، فيما يجلسان، رُكبهم معكوفة ويستندان بسواعدهما عليها.

" لا أدري كيف أُخفف عنك، لكنني أُدرِك أنها ستكون بخير، وتعود كما كانت رويدًا رويدًا، لذا تحلّى بالصبر، أنتَ لا تملك خيارًا أفضل"

تنهد تشانيول.

" أنا أتحزّم بالصبر والأمل بالفعل، أرجو فقط أن تتحمل العِلاج حتى النهاية ولا تتألم كثيرًا"

ربّت كريس على كتفه وارتفع شِدقه بإبتسامة خافتة وتكلّم.

" قبل أن تذهب لتعثر عليها، لم نكُ نتوقع أن يَقع من بين الحُماة أحد في فَخ العِشق بعد سيهون.

تعلم أن إخلاص الذئاب ووفائهم للأُنثى يختلف تمامًا عن حُبنا لهنّ، كل واحد منّا يحب أميرته بطريقته، ومنّا لا يعرف كيف يُظهر هذا الحُب.

بغض النظر عن قِصة سيهون الورديّة مع أميرته أرى أن قِصّتك وقِصّة بيكهيون تجعل حبكما متين أكثر، لربما لأنه حُب تراجيديّ، تجرّد من الأحلام الورديّة وإلتحف المآسي والمصائب"

تشانيول إبتسم وأخفض رأسه، ثم تنهد وعاد لينظر في السهول.

" حُبي كان لها متين مُذُّ أن رأيتها أول مرة، إزداد عندما تزوجتها، وإزداد عندما إستردتُ نفسي، والآن يزداد فيما أنتظرها تعود، أظنني أنني على حافّة الجنون مع حُبها"

نهض كريس وأنبت جناحيه يقول.

" والآن أيها العنقاء الولهان دعنا لنعود إلى القصر"

في النهاية؛ عاد كلاهما إلى القصر وضمّ كل منهما جناحيه في ظهره كما أخاه.

كِلاهما ولجا تلك الحُجرة مجددًا، كانت قد إنتهت جلسة العلاج الأولى، إلا أن ميريانا ما زالت مُكبّلة على اللوح، الدموع قد جعلت وجنتيها نديّة، والعرق يتصبب منها، وتنوح شدة الألم الذي خاضته.

" تشانيول!"

إستجدت باسمه باكية حالما رأته فركض لها بلا أن يعي أيهنّ هي، كريس تطلع إلى بيكهيون، الذي يقف مستندًا على الحائط، فطمئنه.

" إنها ميريانا، تستيقظ بعد العلاج لفترة وجيزة قبل أن تستجمع الطاقة الحمراء نفسها داخلها مجددًا لتُسيطر عليها"

فَكّ تشانيول قيدها، ورفعها بين ذراعيه يضمها إلى صدره وفي قلبه لو أمكنه، أخذ يمسح على شعرها، وهي تتمسك بِرداءه، وفيما تبكي شَكت له تستنجده.

" هذا مؤلم جدًا يا تشانيول، أُعفو عني، أنا لن أقدر على تحمل كل هذا الألم، أفعل شيئًا آخر لتخرج من جسدي"

جعل رأسها على صدره، وأخذ يُربّت عليها ربتات حنون دون أن يمتلك كلامًا يقوله لها ليُخفف عنها، فما بوسعه إلا أن يضمّها إليه الآن ويصرف وقتًا في تهدئتها وتخدير وجعها.

حملها بين ذراعيه برفق، وخرج بها يسير بهداوة إلى جناحه، كان يدري أنها ربما تفقد جسدها في أي لحظة قريبة، لكنه لم يُرِد أن يُسرف أي لحظة معها لِقاء خوفه هذا.

الجميع، من الحُجرة وحتى الجناح في قصر النار، كانوا ينظروا إلى الملك الذي يحمل ملكته وملكتهم على ذراعيه، لا يفكر بأحد ولا يهتم برأي أي أحد، فقط مُكتفي فيها بين يديه، فهي كنزه الثمين، أعظم كنز قد يملكه على الإطلاق.

دخلوا الحُجرة أعداء وخرجوا أحباء...

وضعها على السرير برفق، ثم جلس بجانبها وميريانا تتمسك بعِضده كي لا يُفارقها.

" تشانيول"

" حبيبته"

قضمت شفتيها تحاول ردع الدموع لكنها لم تستطع، فقد إرتجف صوتها، وابتلت عيناها من جديد حينما نَبست.

" أنا أتألم، لا أظنني سأتحمل الأمر لمرات أُخَر، أُفضّل الموت على هذا العلاج"

صدّ الكلمات بأصعابه على شفتيها، ثم نفى برأسه يقول.

" أعلم أنه يؤلم، أعلم كم تتألمي وكم مرة قد تكوني تمنّيتِ الموت على ذلك اللوح، أتفهم ذلك..."

رفع خُصلها عن وجهها واتبع.

" لكنني لا أملك طريقة أخرى، لا ينفع أن يبقى جسدك ملك أحد سواكِ، أتريدين البقاء في غيبوبة بينما يتصرف أحدهم بجسدك كما يريد؟!"

نفت برأسها فابتسم لها واتبع.

" لذا حاولي أن تتحملي، أعلم أنكِ قويّة ويمكنكِ الصمود، أنتِ الملكة المُبجَّلة في النهاية، وميرياناتي العظيمة"

تبسّمت إزاء حلاوة كلماته المعسولة وأومأت، ثم رفعت يدها لتتحسس بها وجنته، فطبع بها قُبلة وميريانا همست.

" بما أنكَ عُدتَ أخيرًا فأنا أثق بك وسأتحمل ما عليّ تحمله لأجلك، لكن عليكَ أن تعدني أنك ستحميني دومًا وتحمي نفسكَ مني"

إنحنى عليها، وعلى ناصيتها العلياء طبع قُبلة ووضع وعدًا.

" أعدك"

تبسّمت له ثم نظرت في شفتيه حينما مال برأسها قاصدًا شفتيها، تماسّت الشِفاه وتبادلا قُبلة ناعمة وهادئة.

ثم انتهى بها الحال أن تسقط يدها عن وجنته ويَميل رأسها وتغفو، حينها تنهد تشانيول، إذ عاد الإحتلال إلى جسدها.

إبتعد عنها وجلس بإعتدال بجوارها، تحسس معالم وجهها المُرهقة متنهدًا، ثم نهض يزيح عنه أتعاب اليوم قبل أن يندَّس بجانبها، ويتخيل كما لو أنه يقطن بأحضانها الفسيحة.

.............................

أحدهم طرق الباب فأذنت له، وإذ بها عاملة ضمن الحاشية التابعة لقصر ملكوتها، دخلت فيما تُشابك كفّيها أسفل مَعدتها وتُخفض رأسها.

" مولاتي، السيدة الأُم تَرغب في رؤيتك"

قطبت الأميرة آيلا حاجبيها ونبست.

" أُمي!"

لزمت السيدة الصمت فأشارت لها الأميرة آيلا.

" اسمحي لها بالدخول"

إنحنت العاملة ثم خرجت، وبعدها وَلجت السيدة كيم -والدة آيلا وميريانا- هرعت إليها آيلا ترمي نفسها بأحضانها وقالت بصوتٍ يشحنه الشَجن.

" أُمي، أين كُنتِ طيلة هذا الوقت؟ "

تبسّمت السيدة بطريقة مُبتئسة واجتذبت إبنتها؛ ليجلسنَّ معًا على الآرائك الملكيّة في الجناح، ثم قبل أن تَشرع في التفسير تنهدت.

" لا تعلمين، لكن ميريانا نفتني من القصر سابقًا"

بدهشة نبست آيلا.

" ميريانا؟!"

أومأت السيدة بملامح تتحدث عن الخيبة التي لازمتها طيلة الفترة السابقة، حينها تمسَّكت بكفيها آيلا وراحت تُبرر عن أُختها.

" أمي هذه لم تَكُ ميريانا، ميريانا وقتها كانت في قبضة المستنسخين، والتي كانت في القصر في محلها هذه كانت الطاقة الحمراء على هيئتها"

الأم هتفت بلا تصديق.

" ما الذي تقولينه أنتِ؟! لقد كانت ميريانا بالتأكيد!

تعلمين كم أنها غاضبة مني؛ لأنني قبلت بتزويجكنّ للأُمراء بلا موافقتكنّ، تَذكُري؟!"

أومأت آيلا، وأخذت تُربّت على كفّ والدتها بحِجرها تقول.

" بالطبع اذكر يا أمي، لكن ميريانا الآن تُحب تشانيول كثيرًا، الوضع مُختَلِف الآن"

تأهَّبت السيدة للقيام.

" حقًا؟! إذن ستتركني آراها، صحيح؟!
أريد أن أذهب لرؤيتها!"

لكن آيلا تمسّكت بيدها وجعلتها تجلس من جديد.

" لا تذهبي إليها، هي الآن ليست بخير يا أُمي، وربما تُعاملك بخشونة أكثر من ذي قبل"

أبدت السيدة قلقها حينما نبست.

" ولِمَ؟!"

تنهدت آيلا وربتت على يدها تقول.

" سأخبركِ بكل شيء، لكن أولًا عليكِ أن تُخبريني أين كنتِ طيلة هذا الوقت؟"

أشاحت السيدة بوجهها بعيدًا عن إبنتها، لأن الغصّة قد تكوَّمت في حلقها، والدموع تُغريها أن تنزل.

" بعثتني إلى قصر بعيد يُسمى المَنفى، وفرضت عليّ أن أقول بأنني بجولة إستكشافية طويلة الأمد في المملكة لو أحد سألني، وإن ما فعلت كانت ستقتلني وتقتُلك"

عقدت آيلا حاجبيها بأستياء وقالت.

" صحيح، عندما سألت بيكهيون عنكِ قال ذلك لي، لا عليك؛ الآن أنتِ بخير؟!"

أومأت السيدة ثم تنهدت تمسح دموعها وتستنشق أنفاسها، ثم تبسّمت تقول.

" بخير، تنقصني رؤية ابنتي بخير"

شددت على يدّ آيلا بين كفّيها ونبست.

" أنتِ اخبريني، كيف تعيشي مع الأمير؟ ميريانا أحبّت تشانيول، ماذا عنكِ؟ أتُحبين بيكهيون؟ تتفقان؟"

أخفضت آيلا برأسها ونبست.

" طلبتُ الإنفصال عنه، لكنه يرفض"

شهقت السيدة، وسُرعان ما تمسّكت بكتفي ابنتها تنهرها فيما تهزها بين كفيها، وذلك ما جعل آيلا في حالة صدمة مما يحدث.

" أياكِ أن تفعلي ذلك، أياكِ أن تُفكري بالإنفصال عنه حتى!"

إعترضت آيلا مُستاءة من موقف أمها تتفلت من قبضتيها.

" لكنكِ لا تعرفي ما الذي حصل معي، أنا وهو لا يمكن أن نكون زوجين طبيعيين على الإطلاق يا أمي، أنتِ لا تعرفي شيء!"

تمسّكت السيدة بوجنتيّ إبنتها وقالت.

" استمعي إليّ جيدًا يا صغيرتي، لا يهم ما الذي حدث، المهم ما الذي سيحدث لو حصل الطلاق"

تطلعات السيدة إليها أقلقتها وجعلتها مُحتارة، فلا يبدو أن قلق والدتها عادي، بل به خطب، وخطب جلل أيضًا.

" ما الذي سيحدث؟"

" ما الذي يحدث للذئب لو فارقتهُ أُنثاه؟!"

عقدت آيلا حاجبيها تقول.

" لا أدري!"

السيدة أجابت.

" يموت"

شهقت آيلا تضع كفها على فاهها.

" ماذا؟!"

أومأت السيدة واتبعت.

" وبموته تموتي أنتِ أيضًا، حياتكِ مُقترنة به كُلّيًا، وحياته مرتبطة بكِ أيضًا.

لذا أياكِ أن تفكري بالإنفصال عنه مجددًا، الطلاق في هذا العالم يعتبر ضرب من الجنون وطريقة إنتحار أكيدة"

لم تَكُ آيلا لتصدق ما سمعته من أمها للتوّ، فلطالما كانت والدتها مُنحازة لطرف الحُماة بشكلٍ غريب، وتوافق على أي شيء يقولونه لها، لذا آيلا شككت بصِحة كلام والدتها.

" أمي، أنتِ لا تقفي الآن بصفه ضدي وتقولي أي كلام خُزعبليّ لأجل أن أبقى معه، أليس كذلك؟!"

زفرت السيدة، وأجتذبت آيلا إلى ذراعيها تحتضنها، ثم قالت.

" من البداية؛ جعلوني الأُمراء أطَّلع على أشياء أنتنّ لم تَطلعنّ عليها، أشياء قمتنّ بإكتشافها أنتِ وأختك وأشياء لم تكتشفنّها بعد.

من هذه الأشياء طبيعة الذئب وحياته، الذئب إن أحبّ أُنثى يحبها للأبد ويُخلص لها، لا يمكن للذئب أن يعيش أعزب بعدما يرتبط بأُنثى، الشعور بالوحدة يقوده للموت، لا يعيش بعد أُنثاه أمدًا طويلًا.*

في حالتكِ أنتِ وأختك وبقيّة الأميرات؛ إن مات الأمير الذي تتزوجينه لا يمكن أن تعيشي بعده، تعيشي طالما هو يحيى، وتموتي لو مات، إنه زواج أبديّ، إقترن اسمه بكِ من المَهد وسيبقى مُقتَرِن حتى اللحد"

تنهدت آيلا تُغطّي وجهها بكفيها ثم همست.

" وأنا ما الذي يمكنني فعله يا أمي الآن؟ أنبقى هكذا؟ لا أحباب ولا أعداء"

ربتت السيدة على كتف إبنتها وتحدثت.

" أولًا اخبريني ما الذي حصل بغيابي لكِ ولأختك ثم سأسدي لكِ النُصح الصحيح"

.......................

*المعلومة أعلاه عن الذئب وأُنثى الذئب حقيقيّة.

...........................

حَلَّ الليل وآيلا لم تُفارق الجناح على الإطلاق سوى للإطمئنان عن حالة ميريانا والعودة فقط.

كلام والدتها يشغل بالها، قالت الكثير وعَلق في بالها الكثير من الكلام، آيلا لم تَكُ لتفكر بالأمور من النواحي التي لا تعرف عنها شيء.

بيكهيون لا تراه في الأونّة الأخيرة، فهو يأتي في ساعة مُتأخرة بعدما تنام، ويخرج قبل أن تَصحو، فلا ترى بعده إلا أثره، عِطره العالق في الجناح، وثيابه التي بدّلها فقط.

اليوم قررت أن تنتظره حتى يعود إلى الجناح، تأخر كثيرًا ولكنها أصرّت أن تبقى مُستيقظة حتى يعود، فهي بحاجة لأن تتحدث معه.

أطفأت الأضواء، ومثَّلت أنها تنام حتى يدخل بأمان، وبعد مُضيّ الوقت أتى بالفعل.

شعرت به يقترب منها فأخذ قلبها ينبض بجنون، ليس حُبًا كما قد يُخال، إنما خوفًا، تخشى أنها لا يُمكن أن تنسى ذلك المستنسخ أبدًا.

إنحنى ناحيتها، ثم شعرت بأناملها النحيلة ترفع خُصل شعرها الساقطة على صِدغها، ثم بلطف ورِقّة طبع قُبلة على وجنتها ثم ابتعد قليلًا لينظر في وجهها.

" أشتاق لكِ، ليتكِ تعلمين كم أنا أحبك، وكم أن طلبكِ للإنفصال عني مُستحيل، ولا يُمكنني تحقيقه.

أنا آسف لأنني أتصرف بأنانية، لكنني لن أتخلى عنكِ وسأتمسك بكِ حتى آخر رمق بي، فالذئب يعيش لواحدة وحيدة فقط، وقُدِّرَ لكِ أن تكوني هي، المتورّطة معي حتى الأبد"

فتحت عيناها فابتعد سريعًا عنها، وأقام عوده كي يذهب بعيدًا منها، إلى مكان لا يُضايقها وجوده فيه.

لكنها تمسّكت بيده قبل أن يبتعد، فأزدرئ رَمقه، وجعل يُشكِّل قبضة بيده التي هي حُرة منها.

" دعنا نتحدث"

فلّت يده منها ونبس.

" لن نتحدث"

نهضت تتبعه إلى حيث ذهب، إلى شُرفة الجناح، وقف على سوره، وأسند ساعديه إلى السور ينظر للأسفل، كان يعتصر أصابعه ببعضها، إذ بان عليه التوتر والقلق، يخشى أن تقول "لننفصل" مجددًا، تُخيفه هذه الكلمة.

إقتربت منه من خِلاف وهمست.

" دعيني أتحدث معك، إنه ليس بما تخاله"

تنهد وإلتفت ينظر لها فقالت.

" أمي أطلعتني على بعض الأمور التي لم أكُ أدركها مُسبقًا، لنصل إلى تسويّة بما أن الإنفصال فكرة إنتحاريّة هُنا"

" وكيف نُسويّ الأمور؟!"

قضمت شفتاها في تردد، ثم قبضت يديها خلف ظهرها، وسارت إليه حتى أصبحت تَقِف أمامه.

" أنا أدرك جيدًا أنّك تُحبني الآن..."

رفعت بصرها إليه واتبعت.

" لكنني لا أُحبك، إنما الشعور الوحيد الذي أكنَّه لك هو الخوف، أنا أخاف منك"

إقترب منها وتمسّك بكتفيها، لاحظ أنها نَشزت بين يديه خوفًا، لكنه قال.

" لا تخافي مني، أنا لن أؤذيكِ ما دمتُ أتنفَّس"

زفرت آيلا أنفاسها ثم أومأت.

" سأثق أنكَ لن تفعل لكن دعنا نتحدث بشؤوننا الأُخرى الآن"

أومئ لها، وأفلت كتفيها فزفرت تنال راحتها، ثم أتبعت وقد رفعت بصرها إلى عينيه.

" أمهلني الوقت لعلي أحببتُك"

أومئ لها بيكهيون فاتبعت.

" حسنًا، سأفعل أي شيء يلزم لتُبادليني الحُب"

أومأت له، حينها إبتسم وربَّت على وجنتها بلُطف وجدته غريبًا منه، فنظرت له تحمل تلك النظرات اللطيفة المُستغربة، حينها ضحك لما بدت عليه من لطافة، وبلا أن يقاوم رغبته قرص خدّها بأصبعيه.

" لطيفة!"

تحسست وجنتها حيث قرصها ثم إبتسمت، فيما هو تحرك ليجلس على الفراش المَلكيّ في الشُرفة، حيث يرقد عادة خلال ساعات الليل.

أتت ثم جلست بجانبه فعشى إليها مُستغربًا حينها قالت.

" لا داعي لأن ننام مُنفصلين بعد اليوم..."

أراد أن يتحدث لكنها قاطعته تشهر بسبابتها.

" طالما أننا ننام ببراءة فقط"

إبتسمت حينما أشاح بوجهه منزعجًا، لكنه أعاد بواجهته لها وقال.

" حسنًا موافق طالما أنكِ ثِمار صبري في النهاية"

تمددت على الفراش فتمدد بجانبها، كانت تنظر إلى السماء ونجومها فيما هو ينظر لها فقط.

" دعنا نقضي الليلة هنا، لطالما أحببتُ أن أجرب النوم أسفل سقف السماء، ذلك يشعرني بالحُرية."

..........................

في الصباح التالي؛ أستيقظ تشانيول على وجهها المليح، كانت ميريانا قريبة منه جدًا، يدها على صدره، والأُخرى تسند رأسها عَبرها؛ كي تراه عن عُلوٍ مُعتَبر؛ يسمح لها أن ترى ملامحه الوسيمة بصورة شاملة.

نبست فورما رأت أهدابه تتفرق، لتظهر حدقتيّ النار تينكَ، تعبّأت شفتيها بإبتسامة.

" صباحُ الخير"

لم يرد التحية عليها، بل فقط تنهد وأشاح ببصره عنها، حدقتيها إزدادا حُمرة عن البارحة؛ مما يعني أن التي تُحدثه ليست ميريانا زوجته، إنما الطاقة الحمراء على لسان ميريانا.

دفع بها عنه برفق، ثم قعد على السرير يُرتّب خُصله، ولكنها إقتربت منه مجددًا؛ تسند كفّيها على كتفيه وهمست.

" حبيبي غاضب مُذُّ الصباح، ما الذي يُغضبك؟!"

أبعد يديها عن كتفيه ونبس.

" ابتعدي عني فقط!"

نهض وذهب إلى الحِمام الملكيّ وخلّفها تستشيظ غضبًا وتحترق في داخلها، فمهما حاولت إستمالته إنه لا يميل معها ولا يلين.

أخذ حمامًا ثم خرج برِدائه يُخبرها.

" مُذُّ اليوم لن أعود إلى الجناح، سأقضي وقتي في جناحي الملكيّ الرئيس، لذا لا تنتظريني"

الخبر نزل كالصاعقة على سمعها، كيف لا؟!
وهي قد أقامت حربًا لأجله، لأنها تريده لها.
فبأي تصرف يدفعها عنه بعيدًا يجعلها تُجن، كما الآن تمامًا.

فلقد هرعت إليه تحتضنه من دُبر، وتتمسك به بجنون؛ كما لو أنه قد يختفي من بين يديها الآن.

" لا تفعلها وتتركني، حسنًا؟!"

جعلته يلتفت لها وتمسَّكت بوجنتيه، تنظر في عينيه القاسية لعله يستجيب.

"أنا هُنا لأجلكَ أنتَ فقط، ما الذي سأبقى لأجله لو أنت تخليتً عنّي؟!"

شزر لها ونبس بنبرة باردة وقاسية.

" ارحلي إذن"

أبعد يديها عنه، وهي أخذت تحرك رأسها نافية تتمسك به من جديد، حينها زفر يستعدي الصبر مع هذه المرأة، أنها لن تتركه ولن ترحل.

منحها ظهره يبغي الخروج، وتركها في حِبسه المُترف هذا وحيدة دونه، لا بأس لو حبسها أبد الدهر، لا تُبالي...

لكن أن تعيش دونه؛ لهو أمرٌ مُجحِف بحقها لا تقدر عليه ولم يَكُن في حُسبانها على الإطلاق.

ظنّت أن إرتداء جسد زوجته سيكون كافٍ ليغطس في حُبها كما حدث مُسبقًا، لكن هذا لا يحدث الآن، بل هو يكرهها ولا يطيق النظر إليها حتى.

جعلته يلتفت إليها مجددًا؛ إذ إستخدمت طاقتها اللاعادية لدفعه لها، فالتفت ينظر لها بلا تصديق جرّاء جُرئتِها وتهورها هذا معه، طوّقت عُنقه بين يديها ودفعت بنفسها إليه لتنبس بجنون.

" أنتَ لا يُمكنكَ أن تتخلي عني هكذا بعد كل الذي فعلته لأجلك، لا تَكُن أنانيًا وسلّمني نفسك، أنتَ حقي، وأنا لا أُطالب بالكثير، أُريدكَ فقط!"

أرادت أن تُقبّله حينما ردع ردّه، ظنّت أنه يوافق أخيرًا وقد إستسلم لشراسة حُبها، لكنه دفعها عنه فسقطت أرضًا.

تنهد بأستياء حينما سمع صوت ألم همسته بين شفتيها، فهو لا يُريد أن يُقدم على أذيتها لكنها تجبره بتصرفاتها الرعناء هذه.

وكما كأنه يسكب في وِعاء معطوب، لا تستجيب له، إذ عاودت النظر إليه تحمل في عينيها ذلك الحُب الملعون الذي تكنّهُ له، كان الشر يلمع في حدقتيها التي إزدادت نارًا..

الآن وقد رفضها بكل الأساليب الليّنة التي تعرفها فقد قام بتمزيق عُهدة السلام بينهما، فلا ضير لهجوم عنيف عليه الآن.

لذا نهضت تُهاجمه سريعًا بينما تصرخ بغضب، خرمشت عُنقه بأظافرها، وحاولت جذبه لها ولو بقوة.

" أنتَ لي! لي! ولستَ لتلك الساقطة! فلتفهم!"

دفع بها أرضًا عنه بقوة، فصرخت مجددًا وتفجّرت مَدامعها أخيرًا، لكن صوت صُراخه الغاضب علا صوتها.

" أيتها المرأة المجنونة؟! ماذا تظنّي نفسكِ تفعلين؟!"

صرخت به تبكي.

" أريدكَ، هل هذا كثير؟!"

أجابها فيما قد دحض غيظه، كي لا يُقدم على تصرف يندم عليه لاحقًا، إذ إنحنى على ركبتيه قُربها وشهر بسبابته لها فيما عينيه تمنحها تحذيرها الأخير.

" أنا لستُ لكِ ولا من حقكِ كما تعلمين، أنا سيدكِ، لستُ زوجكِ ولا عشيقكِ، الآن اجلسي هنا بهدوء واحترام وإلا وضعتكِ في الزنزانة ولن أُبالي!"

تبسّمت، وكأنها تستخف بما قال وتهديداته التي تجدها فارغة، ثم قالت وعيناها تقبع على إحدى السيفين المُعلق أسفل الدرع في واجهة الجناح.

" كلانا يعلم أنكَ لا تقدر أن تؤذي هذا الجسد، بالتالي لا يمكن أن تؤذيني، لكن أنا..."

وبلمح البصر كانت قد وضعت السيف على عُنقها.

" يمكنني أن أؤذيها وأؤذيكَ عبرها"

استشرست ملامح تشانيول، وبدأ الذئب في داخله يُثار، أي فعل قد يضر أُنثى الذئب من غريب؛ يجعله شرس يود سفك الدماء وشُربها.

لكنه حاول ثبط هذه الغريزة وتحذيرها.

" ضعي السيف من يدكِ قبل أن أفقد سيطرتي على نفسي!"

تبسّمت بتحدٍ إذ أنها لا ترى أنه يمكنه فعل شيء لها، وجرحت عُنقها فصاح تشانيول بها، وركض لها، ما وصلها إلا وقد كان ذئبًا عظيم الحجم بفروٍ أسود يتخلله شرار ذا صوت.

نظرت إليه فزعة وها هو يُزمجر وقد فتح فاهه ليستعرض صفّ أنيابه الشرسة التي تقدر على تمزيقها أشلاءً.

قفز عليها وأصبحت أسفل مخالبه، حينها صرخت صرخة دَوت بالقصر كُله، وفجأة أُقتِحم الجناح وإذ بهم إخوانه.

" تشانيول ابتعد، هذا جسد ميريانا، أياكَ أن تؤذيها"

لكنه أعند من أن يبتعد عنها، الآن لا يراها سوى عدوّة له، وعائق كبير في حياته، السبب في تعاسته وتشتت أمره كثيرًا وخراب بلاده.

رفع مخالبه نحوها، فصرخت مجددًا فيما قد تقدموا الأُمراء منه يحاولون تهدئته.

لوهان قرأ ما في عقله فمنع إخوته من التدخل أكثر، فتشانيول لا يمكن أن يُهاجمها قط مُذُّ أن هذا الجسد لأُنثاه، لكنه يُرعبها لعلها خافت بما فيه الكفاية لتخرج من جسد ميريانا.

لوهان قال لها.

" الذئب لا يعرف أي جسد هذا الذي بين يديه، لا يأبه إن كان الجسد لميريانا، بل لا يعقل، المهم أنكِ عدوته، وللنجاة منه؛ اخرجي من جسد ميريانا واهربي حالًا!"

كانت تنظر إلى أنياب تشانيول المُخيفة فيما تفكر بطريقة تتخلص بها منه، ولوهان قام ببعث رسالة ذهنيّة لإخوته.

" كريس، تاو، كاي، وسيهون، ولاي... تأهبوا للتحول على هيئة الذئب لنتخلص منها"

ورغم خوفها الشديد من الذئب المَهول الذي يعلوها، لكنها شككت بأنه حقًا سيهاجمها طالما هي باقية في هذا الجسد، وأنها لو فعلًا خرجت من هذا الجسد ستنجو.

لكنه إقترب منها أكثر، وحينما شعرت بإحدى أنيابه تَمس عُنقها، وقد تسببت لها بجُرح، صرخت صرخة مُدويّة، وخرجت من جسد ميريانا.

ما إن خرجت من جسد الملكة الذي هَمد وتراخى كُليًّا؛ وجدت نفسها مُحاصرة بين سِتة ذئاب عظيمي الحجم، قد فهمت حينها أنها إنطلت عليها الخُدعة.

إزدرئت جوفها والعرق أخذ يتصبب من جَبهتها، حينها لوهان إبتسم مُتشمتًا وقال.

" كُنتِ لعينة لذا تستحقين مثل هذه النهاية البائسة"

لم تكاد تنظر إلى لوهان إلا وقد دوى صُراخها مُجددًا؛ فيما تتحول إلى أشلاء بين أنياب هذه الذئاب الجائعة.

إنتهت الطاقة الحمراء وأنتهت هذه المآساة...

إلتفت تشانيول الذئب لينظر إلى أُنثاه، كانت تنام أرضًا، وكم بَدت ضعيفة آنذاك، وملامحها باهتة وشاحبة.

نظر إلى بيكهيون ففهم أخيه الإشارة، إذ إقترب منها وحملها على ذراعيه، وخرج بها إلى قصره الفضيّ، سيتركها مع أختها حتى تتعافى وتستعيد وعيها.

بقية الذئاب كانوا يتقاسمون وجبتهم من جسد هذه البرونزيّة، وذلك ما جعل غرائزهم خامدة ناحية ميريانا؛ كفريسة سهلة المنال.

لم يتحول تشانيول إلى هيئته الناريّة أو حتى البشريّة، بل ضل ذئبًا هكذا فيما تُقطر أنيابه من دماءها وفروه قد إتَسخ بسببها.

فهذه الدماء حق شعب الأيري العظيم، والجنود المتوفّين، والأميرات اللواتي تعرّضنّ للتشرد، والحُماة الذين وقعوا في مصيدتها.

كما أنه حق الملكة الذي خسرت زوجها ثم جسدها، وحقه أيضًا، فهي قد تسببت بفوضى عارمة، ومثل هذه النهاية ما تستحق.

ولج قاعة الماما، ثم وقف عِند الشُرفة التي تتطلع على بيوت الشعب، وعوى عواءً ذئب قد إنتصر أخيرًا، ثم إخوته الذين تحولوا سابقًا شاركوه العِواء  بعدما تبعوه إلى هنا.

لوهان مع بقية إخوانه وقف خلف الذئاب، التي هي بأشرس هي قد تكون عليها على الإطلاق، وتحدث في عقول الشعب.

" جلالة الملك يُعلن فصلًا جديدًا مُزدهرًا من حياتكم، بعدما قضى على الطاقة الحمراء، وما عادت تهدد أمنَكم وآمانكم أبدًا!"



..............


سلاااااااااام


ملاحظة: الطاقة الحمراء ليست كائن حيّ يمكن قتله والتخلص منه للأبد، هي ما عادت كيان يمكنه التفكير والتخطيط، أي أنها ما زالت موجودة لكنها غير عاقلة وانحسر وجودها في أجساد الحُماة والملكة بالشكل الطبيعي وعلى هذا الأساس ما عادت الطاقة الزرقاء كيان أيضًا.

الآن بعد نهاية الطاقة الحمراء، كلمة منكم لها؟! متوقعة كل أنواع الشتايم بالدنيا😂😂

المهم واضح أنو الرواية على وشك أنها تنتهي، صحيح؟!

يعني ضايل شوية أشياء لازم تنحل قبل ما نقوم للرواية بااي.

ضايل فصلين او ثلاثة على حسب تقديري، لذا لا تبخلوا على الرواية بحبكم وآرائكم.

الفصل القادم بعد 150 فوت و 200 كومنت.

1. رأيكم ببيكهيون وآيلا؟! ظهور السيدة كيم وكيف أثّر على موقف آيلا؟!

2.رأيكم بتشانيول؟ مقاومته للطاقة وتمسكه بميريانا حتى آخر رمق؟!

3.رأيكم بالطاقة الحمراء ونهايتها المأساوية؟!

4.رأيكم بالفصل ككل و توقعاتكم للقادم؟!

دمتم سالمين♥️
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
Love♥️

© Mercy Ariana Park,
книга «الدرك الأسفل|| The Eternal Monarchy».
CH31|| السِّنداوة
Коментарі