توطئة|| Introduction
CH1|| إبنة الزمن
CH2|| حُب الدهور
CH3|| إمرأة من بحر
CH4||سماء ونجوم
CH5|| أزرق سماويّ
CH6|| لِمَ أُحبّك
CH7|| بُنٌ وبَحر
CH8|| سماءٌ وبَحر
CH9|| رسول الحُب
CH10||حياة بين الضلوع
CH11|| أزمة الهَيْبَة
CH12|| إنتقام الهيبة
CH13||عُكّاز وجَبيرة
CH14|| غاطس بالحُب
CH15||كَرز وسيجارة
CH16||حُبّي المُشيَّد
CH17|| نور البدر
CH18||بَهاء وإمتلاك
CH19||مَطَر ضِمنَ العاصِفة
CH20|| مخائل حُب
CH21||أُحبُك بمزاجٍ شَتويّ
CH22||قاع البحر
CH23||الزهرة وصاحب البستان
CH24||حُضنه الدافئ
CH25||دموع جميلة
CH26||أغرق في بحرِك
CH27||بَحرٌ هائج وسماءٌ دهماء
CH28||إنتكاس الهَيبة
CH29||زهرة مائلة الجِذع
CH30||جون وهَيبتُه
CH31||ظِلالٌ رماديّة
CH32||أكره الحُب
هَيبتُها|| The End
CH29||زهرة مائلة الجِذع
كيم جون ميون (سوهو)




هَيبَتُها||Her Savage Love




(لا تؤلميني بكِ)



"زهرة مائلة الجِذع"
















"حبيبتي... لطالما كُنتِ في خِضمِّ تحدّي ومصاعِب الحياة مِثلَ جِذعِ شجرة، راسخة في الأرض وفروعكِ بالسماء.

لطالما أثبتِّ أنَّكِ أقوى من المصائب، أفَذ من المكائد، وأدهى من الحيَّل...

أناملكِ النحيلة تلك تقدر أن تَفِك ألف عُقدة، وشفتاكِ تَسخر من أي مُصيبة بإبتسامة.

أنتِ رائعة لأنَّكِ الأقوى... أنتِ هَيبة لأنَّكِ الأروع.

وأنا أُحبُك لأنَّكِ هَيبة، إن إنتكستِ قُمتِ وإزددتِ شموخًا.

إلى زهرتي

الكاتب سوهو"

.....

في إحدى مَرافق المُستشفى المُتخَمة بالرُّقي يقبع قِسم الأمراض النَّفسيّة، هُناك حيثُ تتفرِّق عِدة عيادات للطِّب النفسي، وتحديدًا عيادة الطبيب كريس وو.

كانت روزماري تجلِس قُربَ جون على إحدى كراسي الإنتظار، ويده بيدها بإنتظار أن يحين موعدها عند الطبيب.

كان جون يحتضن يد روزماري ويُعانِقهُا بِلُطف، وروزماري تضع رأسها على كتف جون، تَحِس بالتَّوتر لكن لا بأس، هذهِ ليست مرَّتها الأولى في عيادةِ طبيبٍ نفسيّ.

أتت أخيرًا مُمرِّضة تَقِف أمامهم بإبتسامة خافتة بينما تحمل ملف بين يديها.

"السيدة كيم روزماري؟"

رفعت روزماري وجهها إليها، فاتبعت المُمرِّضة.

"تفضَّلي معي سيدتي!"

نهضت روزماري، ونهض معها جون؛ لكن المُمرِّضة إستوقفته.

"وحدها ستدخُل من فضلِك"

تنهَّد جون لأنَّهُ يُدرِك جيّدًا أن روزماري بحاجتِه في هذهِ الأوقات العصيبة ولكنه أومئ موافقًا، ثم ربَّتَ على يد روزماري قبل أن يُفلِتُها؛ لتدخل وحدها مع المُمرِّضة إلى الطبيب.

ما إن دخلت حتى إستقام شاب طويل ذا قِوام ممشوق، وملامح حَسنة، وبشرة مُضيئة من خلف مكتبه يَمُد لها يده يبغي مُصافحتها فيما ترتفع شفتاه بإبتسامة بسيطة.

"أهلًا سيدتي، أنا الطبيب كريس وو"

صافحته روزماري، ثم هو أشار لها أن تجلِس على مَقعدِ المَرضى، إذ هو مقعد طويل ذا ظهرٍ مُنحني، على يمين قِمَّتِه يوجد كرسي بلا ظهر لأجل الطبيب، وعلى يسارها توجد طاولة صغيرة عليها ساعة باندول.

"لا ترُدّي على أسئلتي بطريقة نمطيّة، كيف حالك؟"

كانت روزماري تعشو بنظرها إلى السقف، وتشابك يديها فوق معدتها.

"لا أدري"

أومئ مُبتسِمًا.

"أخبريني أول سبب يَخطُر في بالِك لسؤال ما الذي يُضايقك؟"

تنهدت روزماري تُجعِّد حاجبيها.

"هُناك عُقدة من الأسباب في رأسي، لا يُمكنني إختيار واحد فحسب"

"حسنًا، تخيَّلي معي أن هذهِ العُقدة من الأسباب بيدكِ، حاولي أن تتعرَّفي على الخيوط التي تتكون منها هذهِ العُقدة"

رمشت روزماري بإضطراب عِدة مرّات، ثم نبست.

"زوجي السّابِق جونغداي، مُشكلة العُقم التي أُعاني منها، عملي الذي خسرتُه، شعوري بالعار من عائلتي، مخاوفي المُتعلِّقة بجون، خوفي على تشانيول وجاي، وخوفي من المُستقبل برمَّتِه"

أومئ الطبيب ونبس.

"دعينا نرى في أول سبب ذكرتِه، ماذا بشأن زوجك السابق جونغداي؟"

كشَّرت بملامحها وقبضت على يديها تقول.

"أنا أخاف منه"

"ولِمَ تخافينه؟"

إزدرئت روزماري جوفها وهمست بقلق.

"كُلما نظرتُ إليه أتذكَّرني من الماضي، كم كُنتُ هَشّة وضعيفة، لا أُطيق أن أتذكَّر نفسي من الماضي، لكنني كلما رأيته تذكَّرت وشعرت أن تلك الشخصية ترتديني من جديد، أجدني أخاف منه بجنون"

أومئ لها الطبيب فيما يدوِّن مُلاحظاتِه، ثم تسآل.

"هل سبَّبَ لكِ أي نوع من الرِّهاب؟"

أومأت بالإيجاب وتحدَّثت.

"رِهاب من الرِّجال والإرتباط بشكلٍ عام حتى تعرَّفت على زوجي جون وجعلني أتجاوز هذهِ المُشكلة، أيضًا نوع آخر من الرِّهاب"

"ما هو؟"

"الخوف من صوتِ الرَّصاص وإن كانت بالتلفاز فقط وصوت المُرفقعات"

قبض الطبيب حاجبيه مُستغرِبًا.

"ولِمَ تملكين مثل هذهِ المخاوف؟"

لقد قرَّرت روزماري أن تتحدَّث بصراحة مع الطبيب قبل أن تدخل إليه حتى؛ لذا لن تُمانع بكشفِ التفاصيل الحسّاسة.

"لأنني حاولتُ مرة أن أقتله، أطلقت عليه الرصاص في آخر يوم لي في بيته"

حَلَّق حاجبي الطبيب وتسآل مُستهجِنًا.

"ولِمَ فعلتِ؟"

"كي أنجو منه، لقد كان يُقدِم على تعنيفي بشكلٍ قاسٍ جدًا حتى أفقد وعيي"

أومئ الطبيب مُتفهِّمًا ونبس.

"هل تندمي لأنَّكِ أطلقتِ عليه؟"

"نعم ولا... أحيانًا أشعر بالندم الشديد لأنني كدتُ أقتله، لكن عندما تمتلئ نفسي بالغضب ناحيته أندم لأني لم أُزهق روحه تمامًا"

وجوابها ذلك أشعر الطبيب كريس بالخطر المُحدِق بروزماري، ليس من الآخرين بقدرِ ما هي خطرة على نفسها.

خرجت روزماري من عند الطبيب بعدما إنتهت جلستها العلاجيّة لليوم، والطبيب كريس أوصى جون سرًّا أن يعتني بها جيدًا؛ فحالتها النفسيّة مُترديّة.

لقد مضى على خروجها من المُستشفى أسبوعًا كامل، وروزماري طيلة هذا الوقت ترفض رؤية تشانيول أو جايهيون مهما حاولوا بإستِماتة ومهما توسَّط لهم جون ميون.

كانت في السيارة تجلس في المقعد الأمامي المجاور للسائق وجون يقود بصمت، فقط يُلقي عليها نظرة كُلِّ حين ليطمئن قلبه عليها، أما هي؛ فلقد كانت مُستهلَكة بالنظر عبر النافذة دون أن تنبس بشيء أو تفعل شيء.

وصل بها إلى الشِّقة، وروزماري دخلت بهدوء، إنها هادئة وصامتة مُذُّ فترةٍ طويلة، وجون لا يُحبُ ذلك، فلقد إعتاد على شغبها وشغفها، لكنَّهُ سيصبُر لأجلها، ويقف معها في ضيقها حتى ينفرج، وتعود كما كانت؛ تَضُج بالحياة.

في المساء؛ كانت روزماري تجلس في الشُّرفة وحدها حتى أتى جون يحمل على يديه لأجلها كوب قهوة، وضعه أمامها، وبعدما جلس بجانبها نبس.

"ماري؛ تحدَّثي معي، لا تبقي هكذا صامتة، الكلام سيُريُّحِك"

تنهَّدت روزماري ورفعت الكوب إلى شفتيها لترتشف منه ثم همست.

"أنا لا أعرف كيف أواسي الناس، ولا أعرف كيف أواسي نفسي حتى"

أمسك بيدها وجعلها فوق الطاولة، بانت على شفتيه إبتسامة خافتة ثم نبس.

"أنتِ مُحقّة، لكن دعيني أنا أواسيكِ... لا تتوقف الحياة عند ظرف مُعيَّن تَمُرّي به، حياتكِ ستستمر بالمُضي، فامضي معها بدلًا من عرقلتِها.

هَيبة... إن كانت خسارتُكِ للعمل تُنغِص عليكِ فأنتِ يُمكنكِ دومًا البِدء بعملٍ جديد؛ لهذا إستقال تشانيول وجايهيون؛ ليأسسوا معكِ عملًا جديد، فقط إختاري حقل العمل وهُم سيقومون بكل شيء حتى يشتد عودكِ من جديد.

وإن كانت قضيّة الحمل تُرهقك؛ فلقد تطور الطِّب لدرجة أنَّهُ مسح المُستحيل من قاموسه، يُمكنكِ الخضوع للعِلاج وبالتأكيد سيأتي بنتيجة.

ولو كنتِ قلقة بشأني؛ فأني أسعى للحصول على طفل لأنَّكِ أُمه، ولو ما حصلت فأنا مُكتفٍ بكِ، أنتِ تملئين عالمي بالفعل.

لذا لا تُرهقي نفسك بالتفكير الكثير الغير لازم، أنا لا أحتاج أحدًا سِواك ولا أُريد حياة بعيدًا عنك، وسأقف في ظهركِ دومًا، سأدعمكِ في كل خياراتك طالما أنَّها تُفيدُك!"

نظرت روزماري إلى جون وابتسمت رغم ذبولها مثل زهرة ذابلة لكنها ما زالت زكيّة الرّائحة.

"شُكرًا لكَ جون، أُقدِّر لك ذلك!"

تنهدت، ووضعت كوبها على الطاولة أمامها، ثم قالت.

"قبل أن أخضع للعلاج أُريد أن أكون صريحة مع عائلتك"

سُرعان ما حاول جون أن يعترض، لكنَّها وضعت يدها على شفتيه ونبست.

"لا ترفض رجاءً، قُلتَ أنَّكَ ستدعمني بكُلِّ قرارتي طالما إنها ستُفيدني، ومُصارحتهم بالحقيقة ستُفيدني، ستجعلني أكثر راحة في التعامل مع هذه المُشكِلة"

تنهد جون؛ فهو لا يريد أن يعلما والديه بالأمر، فهذا الأمر سيُقلقهما لوما سبَّبَ مشاكلًا، كما أن وضع والده الصِّحيّ في تَردي مُستمِر، والسيد كيم لا يرغب في شيء سوى رؤية أحفاده قبل أن يسرقه الموت.

أومئ لها جون رُغم رفضه الكامن في نفسه ونبس.

"حسنًا، سأُخبر أمي أننا سنكون على العشاء غدًا لديها، وفي الصَّباح سأحجز لنا موعد عند طبيبٍ مُختص"

.........................






في مساء اليوم التالي؛ كانت روزماري تجلس في المقعد الأمامي المجاور للسائق، وجون يقود السيارة إلى بيتِ العائلة.

ترتدي فُستانًا أسود بأكمامٍ طويلة، وترفع شعرها على هيئة كعكة مُرتَّبة فيما يُزين صِدغيها خُصلات مُتفرِّقة من غُرَّتيها، وأما جون؛ فببساطة يرتدي بِنطال أزرق من الجينز وقميص صوفي باللون الأبيض.

شعرت روزماري بأن الطريق إلى منزل العائلة كيم طويل جدًا، رُبما لأنها تحمل بِجُعبتِها خبرًا غير سار لأجلهم، وربما لأنَّها تخشى ردود أفعالهم، لكنها تعلم أنَّهم أُناس طيبون بما فيه الكفايّة ليتفهَّموا موقفها.

أمسك جون بيدها فيما يقود بالأُخرى ويُراقب الشارع ثم همس.

"لا تشعري بالخوف، تعلمين أن والديّ ليسوا أشرارًا"

تبسَّمت روزماري وأومأت.

"أعلم، وأتفهَّم لو غضبوا... أنا فقط متوترة"

رفع يدها إلى شفتيه يُقبِّلُها ونبس.

"لا تتوتَّري... لا حاجة لذلك!"

تنهَّدت روز وأومأت له، ستحاول أن تبقى قويّة ولا يُضعفها التوتر.

وصل جون المنزل، اصطفَّ بالسيارة في الباحة، وترجَّل يمنح إحدى العُمال مفتاح السيارة؛ ليضعها في مكانها المُناسب، ثم مَدَّ بيده إلى روزماري التي كانت تتباطئ عمدًا؛ لتُسرِع وتُمسك بيده، ثم دخل كلاهما معًا إلى المنزل.

كالعادة؛ إستقبلتهما على الباب مُربِّية جون، وحظيَّ جون على قُبلاتٍ سخيّة وأحضانٍ وفيرة منها؛ كذلك روزماري.

دخل الزوجان يتشابكان الأيدي إلى حيثُ تجلس العائلة؛ وإذ بسيهون وآيرين هُنا أيضًا، نهضت السيدة كيم ترحب بإبنها وزوجته بإبتسامة مُحبَّبة كذلك السيد كيم، ثم الجميع جلس على الكَنب يتحدَّثون؛ إذ قالت السيدة كيم بإبتسامة.

"لقد تفاجئت عندما اتصل بي جون ميون يخبرني أنَّكما ستكونوا معنا على العشاء... ظننتُ أنَّكِ ما زِلتِ تحتاجين وقتًا للراحة بعد الأحداث الأخيرة يا ابنتي"

تنهدت روزماري ثم قالت.

"لا يمكن أن أوقف حياتي إن عرقلتني المشاكل مهما كانت وعِرة، الحياة ستستمر رغم ذلك"

تبسَّم جون فيما ينظر لها، تلك كلماته، يبدو أنَّها أقنعتها.

أومأت السيدة كيم وهمست بإبتسامة.

"سعيدة لسماع ذلك منكِ!"

روزماري أخفضت رأسها، ثم همست وهي تقبض على أناملها بتوتر.

"أنا آسفة لما تسبَّبتُه من مشاكل في الفترة الأخيرة!"

سُرعان ما اعترض السيد كيم.

"لا تعتذري عن شيئ لا يد لكِ بحدوثه، هذا ما قُدِّرَ له أن يحدُث... أنتِ فقط عيشي اللحظة وفكِّري بمُستقبلِك"

أومأت للسيد، وبزغت على شفتيها إبتسامة ضئيلة قبل أن تقول.

"شُكرًا لكَ أبي على تفهُّمِك!"

أومئ لها مُبتسمًا، ثم أتت إحدى العاملات من المطبخ تُبلِّغهم.

"طاولة العشاء أصبحت جاهزة، تفضَّلوا"

نهض الجميع إلى طاولة العشاء، وإلتفّوا حولها لأجلِ الوجبة، كان السيد كيم يجلس على رأس الطاولة والسيدة كيم تجلس على رأسها الآخر، جون على يمين والده بجانبه روز، وسيهون على يسار حماه بجانبه آيرين.

باشروا تناول الطعام بصمت إلتزامًا بآداب الطاولة، سيهون كان يُدلِّل آيرين ويضع في فمها الطعام، وأما جون فلقد قطَّع شريحة اللحم في صحنه إلى قطع صغيرة ثم قدَّمه لزوجته، وأخذ صحنها ليُقطِّعُه.

رمقت السيدة كيم زوجها بغيظ بعدما راقبت لُطف الرُّجلين اليافعين مع زوجاتهم، ثم ضربت الطاولة بيدها توبخه بسخط؛ مما أثار ضحك الجميع.

"لِمَ لستَ رومانسيًا معي مثل هؤلاء الأطفال؟!"

وبينما الشُّبان الأربعة يضحكون ومع معمعة سخط الأم الغاضبة إمتلئ وجه السيد كيم بالإحراج ونبس.

"لقد كبرنا على التصرُّفات الحميميّة هذه، أوليس؟!"

ردَّت السيدة بخشونة.

"لا، وهل يجب أن تتوقف عن الإهتمام بي فقط لأننا كبرنا؟!"

تكتَّم جون على ضحكته قدر المُستطاع، وبادل الصحن، الذي قطعه لأجل أمه هذه المرة، مع صحنها.

"أنتِ مُحِقّة يا أُمي، عليكِ بمُعاقبةِ أبي لكن بعدما نُغادر"

توعَّدت لزوجها بنظراتٍ ساخطة ونبست.

"سأفعل!"

فيما السيد كيم رمق جون بغضب وأخذ يُتمتِم بالشتائم بحقه.

بعد العشاء؛ جلسوا جميعًا في الخارج بصُحبةِ أكواب القهوة يتسامرون في شتّى المواضيع المُختلفة، لكن روزماري ما بدت بخير، فهي في حلقها كلام عليها أن تقوله، لهذا أتت.

"أنا علي قول شيء لكما أمي وأبي!"

نظر لها المعنيّان، وحينما لاحظا التوتر يتمحور على معالمِها تقلَّصت معالم البهجة عن وجهيهما، ثم السيد كيم قال بنبرة بدت جادة.

"يبدو أن هُناك أمر يُقلقك... تحدَّثي براحة"

  رفعت روز وجهها إليهما ترمقهما بتوتر، ولكنها شعرت بيد جون تُعانق يدها، يمدُّها بالقوة اللازمة لتبوح بما في جُعبتِها.

"سأقول أولًا أنني إكتشفتُ الأمر بعد الزواج، وصدِّقوني لو أنني علمتُ قبل الزواج لما رضيت أن أتزوَّج"

فهم كلا سيهون وآيرين عمّا يدور الأمر، والجميع بدى جادًّا في هذه اللحظات، إزدرئت روز رمقها، ثم سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تبوح بنبرةٍ متوترة.

"في الحقيقة... أنا لا أُنجِب"

تَطَلَّعت إلى إستجابتِهما، فالسيدة شهقت مُتفاجئة والسيد لم يُحرِّك ساكنًا، بل لبث في صمت، روزماري إنكست رأسها وهمست.

"أنا آسفة حقًا!"

تدخَّل جون بالحديث، وقال بنبرة ثابتة وقوية.

"في الحقيقة؛ أنا الذي أستحق ردود فعلكم لو كانت سلبيّة؛ لا هي.

أنا أعلم بهذا الأمر من قبل أن نتزوج وأخفيتُه عنها، كما أنني عجَّلتُ بإجراءات الزواج عن عمد؛ كي يسبق زواجي منها إكتشافها له؛ فلا يكن بوسعها أن تتركني.

إن كنتم تريدون أن تغضبوا من أحد فغضبوا مني، لأنني لو عاد بي الزمن لفعلتُ نفس الشيء، لستُ نادمًا ولستُ آسفًا على الإطلاق.

فأنا لم أختر مرأة تُنجِب لي، إخترتُ المرأة التي أُحبها، والتي ستُنجِب لي السعادة حتى لو ما أنجبت لي طفلًا!"

كان جون يُمسك بيد روز، يتحدَّث بقوّة ويتمسَّك بزوجته بقوّة أيضًا، بينما روزماري تُخفض رأسها ومعالم الأسف تملئ وجهها.

"بغض النظر عن أي شيء يقوله جون، أنا حقًا آسفة!"

نبست بتلك روزماري، لكن فاجئها نهوض السيدة كيم تقصدها بمسيرها، أمسكت بيديها وجعلتها تستقيم، ثم عانقتها وأخذت تُربِّت على شعرِها.

"قُلنا لكِ ألا تتأسفي عن أمر خارج عن تحكُّمِك"

تنهَّدت السيدة ثم ابتعدت لتنظر في وجه ماري المملوء بالإحراج، إحتضنت وجنتيها براحتيها الحنون ونبست.

"صغيرتي تُعاني كثيرًا، هذا ما يجعلني أشعرُ بالسوء، أنتِ تتحمَّلي الكثير من المصاعب والمشاكل، أستغرب أنَّكِ ما زِلتِ صامدة، لكن أتمنى أن تبقي صامدة للأبد!"

"شُكرًا لكِ أمي!"

نظرت روزماري إلى السيد كيم الذي قال.

"لا أُنكر أنني حزين لسماعِ مثل هذا الخبر لكنّي لستُ غاضبًا، لا أظنني أمتلك الحق أنا أغضب حتّى؛ بما أن ابني كان يعلم من البداية، وأخفى الأمر عنّا وعنكِ عن قصد، لكنني في المُقابل سأغضب كثيرًا، وأُصبح حمى شرير كالذي يظهر في التلفاز إن لم تخضعي للعلاج أو إن تسلَّل اليأس إلى نفسِك"

تبسَّم جون وأومئ لوالده.

"بالتأكيد أبي سنفعل، لقد حجزنا موعد لدى طبيب مُختَص بالفعل!"

أومئ السيد كيم برضا، وبانت على شفتيه إبتسامة خافتة، ثم ضحك سيهون بخفّة ليُلطِّف الجو ونبس.

"ماري متوترة لأجل لا شيء، العلم قد تقدم كثيرًا، وتقنيات الطب تتصدّى للمستحيل حتى في هذهِ الأيام ، لذا لا داعي للقلق بهذا الشأن!"

تنهدت السيدة كيم بعدما عادت إلى مقعدها ونبست.

"من اللطيف أن أحظى بابن وابنة بالقانون، وأرى عائلتي الصغيرة تزداد شخصين، رُبما تأخر أطفالي بالزواج، لكننا لسنا مُستعجلين على شيء، الأطفال مسؤولية تحتاج تربيتهم إهتمامًا كبيرًا؛ لذا فكروا بالحصول على طفل حينما تشعرون بأنكم قادرين على تحمُّل مسؤوليّته."

السيد كيم علَّق.

"سمعتَ سيهون؟"

أجابه سيهون مُستغرِبًا.

"ماذا أبي؟!"

"أنتَ ما زلت طفلًا تحتاج للرعاية، لا زال باكرًا عليك أن تحظى على طفل وتورِّط ابنتي باثنين، أنت وابنك"

ضحك الجميع عمّا قاله السيد كيم حتى آيرين؛ فهو بوجهة نظر الجميع هُنا مُحِق، إلا سيهون الذي ابتسم بإحراج ونبس.

"أبي، أنا ما عدتُ طفلًا، استطيع تحمُّل المسؤولية"

لكن السيد تصدّى له بالرفض يقول.

"بل أنت لم تنضج كفاية بعد سيد اوه سيهون"

برم سيهون شفتيه بإنزعاج، لكنه أومئ.

"حسنًا أبي... كما تريد!"

...................

تشانيول كان في شِقَّتِه في هذه الأُمسية، لكنَّهُ ليس وحيدًا، فلديهِ أوريل التي تزوره في بيته كثيرًا... أكثر من اللازم.

كان تشانيول يجلس أمام التلفاز فيما أوريل بالمطبخ؛ تُحضِّر لهما الفُشار.

"لا تتركي المطبخ في حالة فوضى"

قال بصوتٍ مُرتفع كي تسمعه فردَّت بصوتٍ مُرتفع أيضًا.

"حسنًا، ليس وكأنني تركتهُ لكَ بحالةِ فوضى من قبل!"

حينها قال في صوت مُنخفض لا يصلها.

"تحسُّبًا فقط!"

أتت أوريل بعد دقائق تحمل الفُشار والكولا، وضعتهم على الطاولة أمامهما، وتشانيول شغَّل الفيلم، الذي ينويان أن يسهرا عليه الليلة.

كانت أوريل تحمل الصحن العميق المليء بالفُشار بين يديها، وهي بين يدي تشانيول تجلس، ويتشاركان الطبق معًا فيما يشاهدان الفيلم.

الفيلم إصدار هذهِ السنة، تصنيفه ميلودراما، ورغم أنهما إختارا الفيلم وهما يعرفان تصنيفه، الذي لا يستمتعان به، قررا مُشاهدته، وانتهى الحال بالفيلم مُهمَل لا يحظى بإهتمامها على الإطلاق كما يحدث دومًا.

فكلاهما يُفضِّل أفلام الحركة والتشويق، الرومانسيّة السوداء، الكوميدية... أي شيء أفضل من هذا الصنف، وتفاديًا لساعتين كاملتين من الملل أوريل تحدَّثت.

"تشانيول؟"

همهم مُستجيبًا فاتبعت.

"ألم تفكر بماذا ستعمل بعدما قدمت إستقالتك؟"

تنهَّد تشانيول ونبس.

"ليس بعد... أحتاج مُناقشة ماري، وهي ترفض رؤيتي كما تعلمين"

"وهل تنوي أن تذهب إليها خالي الوِفاض من فكرة على الأقل؟!"

نظر تشانيول إلى فتاته القابعة في حُضنه قابضًا حاجبيه.

"ماذا تقصدين؟!"

تنهدت أوريل، وعدَّلت جلستها تلتفت إليه.

"أظن أنَّهُ عليكَ أن تُفكِّر على الأقل بماذا ستعمل قبل أن تذهب إليها وتحاول إقناعها بالعمل معك!"

تناول من الطبق الفُشار ووضعه في فمه يقول.

"ما زِلتُ لا أملك الفكرة المُناسبة"

إبتسمت أوريل وهمست.

"لدي إقتراح"

نظر لها ونبس.

"وما هو؟!"

اتبعت فيما تبتسم.

"ما رأيك بشيء يجمع بين مركز ترفيهي ومنتجع سياحي؟"

"وما هو هذا الشيء آنسة اوه أوريل العبقرية؟"

رمقته بأستياء وصفعت صدره؛ إذ بدى يسخر منها.

"اسمعني قبل أن تسخر مني!"

إعتدل في جلسته، ووضع طبق الفُشار جانبًا؛ ليستمع لها.

"حسنًا تفضَّلي آنسة عبقريّة"

تبسَّمت أوريل بحماسة ونبست.

"اسمع... سمعتُ من سيهون مرة أنَّك تملك أراضي واسعة المساحة لا تفعل بها شيء في جزيرة جيجو"

قاطعها تشانيول.

"وأنتِ تُريدين مني أن أبني عليها منتجع سياحي، أتعلمي كم مشروعكِ الجميل يُكلِّف؟!"

تكلَّفت إبتسامة حمقاء وهو اتبع

"ملايين الدولارات يا حمقاء؛ لذا يُفضَّل أن تختفظي بذكائكِ الفَذ لنفسِك فقط، ولا تقترحي علي شيئًا مُجددًا!"

أخذت ترمش عدة مرات بأستياء فيما تتكلَّف إبتسامة مُغتاظة، لكن لا... هي ما عادت تقدر أن تتحمل، وهو الآن وبكل تأكيد يستحق أن تنهال عليه ضربًا، وهذا ما فعلته.

إذ إنهالت عليه تضربه بيديها بكل قوَّتها وهو أصبح أسفلها يتحاشى ضرباتها الموجعة.

"يا مجنونة! أيُّ إمرأة هذهِ التي تضرب رجلها الذي تُحِب؟!"

لكنها لم تأبه به، واستمرَّت في ضربه تقول في غضب.

"حينما يكون الرجل الذي أُحبُّه لا يحترمني يجب عليَّ أن أضربه حتى يصبح مُحترمًا في تعاملُه معي!"

أفرغت غضبًا لا بأس به بحبيبها المغرور حتى أمسك بمعصميها ووضعهما خلف ظهرها يُقيُّدها ونبس.

"حسنًا، أنا أحترمكِ وفكرتكِ رائعة، هل رضيتِ؟!"

إنَّهُ فقط يُسايرها، يظن أنها تملك عقلًا بحجم حبة الجوز، لربما تكون هذه حقيقة وإلا كيف وقعت في حب رجل مغرور مثله؟!

تنهدت أوريل مُجددًا، وبصعوبة أفلتت نفسها منه ثم قالت.

"لا أقول أن تبنيه وحدك، يمكننا أن نتشارك جميعًا في ذلك، أنتَ وعائلتك، أنا وأخي وعائلتنا، جون وآيرين وعائلتهم، وروزماري.

نستطيع أن نبني مركز ترفيه لو جمعنا جهودنا، ثم يمكنك تقديم طلب إستثمار لدى شركات الإستثمار؛ لتوسيعه وتحويله إلى منتجع جنبًا إلى جنب مع الأرباح... قد يتطلَّب ذلك عددًا من السنوات، لكن يُمكِن إنجازه"

تنهد تشانيول وأسند رأسه على ظهر الأريكة، فكرة أوريل معقولة لكنها تتطلَّب مال وجُهد عظيمين لتحقيقها.

"ربما نبتدئ بمركز ترفيهي، يتضمن مدينة ألعاب، صالات ألعاب، مطاعم، مسرح، سينما، سيرك، حديقة حيوانات، مركز تجاري، حدائق!"

خطف من بين يديها طبق الفُشار، وأخذ يأكل منها مُتجاهلًا أيّاها.

"استمرّي في العد، استمرّي!"

ضربت صدره مجددًا وتذمَّرت.

"إنني أتكلَّم بجديّة"

رمقها بسخط ووكز جبهتها بسبّابته.

"والمشروع الذي تتحدَّثين عنه يحتاج قرابة خمسون مليون دولار لتنفيذه"

برمت شفتيه ترمقه لبضع لحظات في صمت حتى قالت.

"يمكن تنفيذه رغم ذلك!"

تجاهلها فيما ينبس.

"حسنًا سننفذه في النيفرلاند!"

تذمَّرت بإنزعاجٍ شديد منه.

"تشانيول!"

حمل بعض حبّات الفوشار ووضعها في فمها.

"اصمتي رجاءً!"

.......................






عاد جون وروز من عند منزل العائلة، طيلةَ الطريق إلى المنزل وروز تبتسم، فيبدو أن أمر إخفاء الحقيقة عن والديّ جون كان يُنغِص عليها أكثر من الأمرِ نفسه، فهي الآن تبدو مُرتاحة وتبتسم بصدق.

فتح جون ذراعيه لها فيما هو يتمدد بسريره بعدما قضى بعض الوقت؛ وهو ينتظرها أن تأتي، وتُنهي أمورها.

تبسَّمت قبل أن تترُك نفسها بين ذراعيه، ثم بينما تضع رأسها على صدرِه، ويديه تُحيطُ خصرَها؛ تنهَّدت بِعُمق فنبس جون.

"لم أكُ أدري أن أمر والديّ يُضايقك"

همست بإبتسامة.

"كنتُ أشعر أنني أخدعهم بالكِتمان، الآن أنا مُرتاحة، ويمكنني أن أخوض تجربة العلاج دون القلق من أي شيء!"

وضع جون على رأسِها قُبلة، ثم نبس فيما يُخلخِل أصابعه بين خُصل شعرها الطويل.

"يسرُّني سماع ذلك... موعدنا عند الطبيب غدًا، هل أنتِ مُستعدة لذلك؟!"

أومأت على صدره ونبست.

"نعم مُستعِدَّة، فلنفعل ما يلزم؛ كي نُدخل السرور والفرح إلى قلبِ والديك، أعلم أنهما يتلهفان للحصول على حفيدٍ منّا"

تبسَّم بإطمئنان وغمغم.

"حسنًا إذًا... نامي الآن كي تكوني مُستعدة للغد!"

أومأت له مُبتسِمة وأغمضت عيناها تقول.

"تُصبح على خير جون"

"تُصبحي على خير حبيبتي!"

رويدًا رويدًا إزداد رأسها ثقلًا على صدره، وأدرك أنها غاصت بالنوم العميق، تنهد جون مِلئ صدره فيما يُطالِع السَّقف بلا هدف.

يشعرُ بالقلق حول نتائج الفحوصات التي سيقوما بها بالغد، يخشى ألا تنجح محاولتهما في الحصول على طفل، لا يُريد أن تشعُر ماري باليأس، ولا يُريدها أن تتعذب في هذهِ المسألة.

طبع قُبلة أخيرة على رأسها، وحاول أن يغفو هو الآخر، لأنه يحتاج نفسه قويًا لأجلها بالغد وبكل يومٍ قادم، وعلى الدوام.

لأنه سند روزماري الوحيد، تستمد منه قوّتها، وإن تسلل الضعف إليه ستشعر به وتضعف، لذا عاهد نفسه مهما ضاقت الأحوال به أن يبقى قويًا لأجلها أولًا وثانيًا وثالثًا.

في الصباح التالي؛ خرج جون وروز باكرًا إلى المستشفى دون أن يحظيا بوجبةِ الإفطار حتى، فبعض الفحوص تُلزِمهم أن يكونوا صائمين عن الطعام حتى يخضعان لها.

بدت روزماري متوترة كذلك كان جون؛ لكنه حرص ألا يُظهر ذلك لها، ويُمُدَّ زوجته بالقوة اللازمة؛ كي تخوض غِمار العلاج بالشجاعة وبلا خوف.

كلاهما يجلسان في العيادة بإنتظار أن تُنادي عليهما المُمرِّضة لإجراء الفحوصات اللّازِمة، وقد بدَّلا ثيابهما بالفعل إلى زي المرضى الخاص بالمُستشفى.

كانا يتشابكا الأيدي ورأس روز على كتفِ جون تغمُرهُما غيمة هدوء حتى خرجت لهما المُمرِّضة، وبإبتسامة عمليّة تحدَّثت لهما.

"المريضة كيم روزماري، تفضَّلي معي"

رفعت روز رأسها عن كتف جون ونظرت إليه تستنجده بلا كلمات بشيء يُطمئنها فابتسم لها، ثم ربَّتَ على يدها يقول.

"تشجَّعي وكل شيء سيسير على ما يُرام!"

أومأت له تبزغ على شفتيها إبتسامة ضئيلة، ثم نهضت مع المُمرِّضة إلى داخل الغُرفة، التي تجري بها الفحوصات اللازمة.

قامت روزماري بجميع الفحوصات اللازمة، ثم جلست بإنتظار جون أن يُجري فحوصاته هو أيضًا، وعلى هذا الحال إنقضت أزيد من ساعة حتى إنتهى كلاهما.

بدَّلا ثيابهما وخرجا من المُستشفى إلى أقربِ مطعم؛ ليحصُلان على وجبةِ الإفطار حتى تصل نتائج الفحوصات لدى الطبيب.

إختار جون مطعمًا لطيف وقريب؛ إذ ترك السيارة عند البوابة للعامل ليتصرَّف بها، وأخذ بيد روزماري إلى الداخل.

إختارت روزماري طاولة تطل على الشارع قُرب الواجهة الزُجاجيّة، وجون لم يعترض، ثم أتى النادل يُقدِّم لهم قائمة الطعام المتوفِّرة لأجلِ وجبةِ الإفطار.

"سأختار فطائر المُربّى وفطائر الجُبن كذلك كوب شاي بالليمون"

سلَّمت القائمة إلى النادل وجون فعل أيضًا يقول.

"ذات الشيء لأجلي أيضًا"

إنحنى لهما النادل بطريقةٍ رسميّة بعدما دوَّن طلبهما في دفتره الصغير وغادر، تنهدت روزماري فيما تنظر عبر الزُّجاج للخارج، وتلك كانت فرصة سانحة لجون أن يتأمل هذهِ الخِلقة الجميلة.

"لا تتنهَّدي... كل شيء سيكون بخير، ثقي بي!"

نظرت إليه روزماري وأومأت.

"لستُ خائفة من أي شيء بعد الآن، لا تقلق علي!"

تبسَّم وأمسك بيدها من فوق الطاولة ثم نبس.

"لا تعلمين كم أُحبُّكِ يا هَيبة!"

تبسَّمت له ووضعت يدها الأُخرى فوق يده.

"وأنا أُحبُّكَ أيضًا... كثيرًا!"

قاطع جَو الحُب النادل حينما وصل وهو يحمل معه الطلبية الجاهزة، وضع أمامهما الطعام وقال قبل أن يُغادِر.

"بالهناء والشفاء"

"شُكرًا لك!"

تناولا الإفطار بصمت، ثم عندما طلب جون الفاتوة أتى رجلًا آخر غير النادل يحمل قلم خطّاط أسود وقال.

"سأكون مسرورًا لو وقعتما على الطاولة بدلًا من دفع ثمن الوجبة، وتركتُما صورة تذكاريّة لنا"

جون نظر إلى روزماري ينتظر أن تأذن أو تأبى، لكنها أومأت موافقة، وتناولت القلم من الرجل.

"سنفعل بالتأكيد!"

تنهد جون، ربما لا تفعل روز ذلك عن طيب خاطر منها، فلقد إبتعدت عن الساحة الإعلامية لتعيش حياة طبيعيّة، لكنَّها كانت تبتسم إبتسامة لطيفة.

تركت توقيعها على الطاولة مع تدوين اسمها وتاريخ اليوم، ثم أعطت جون القلم ليوقع باسمه ككاتب، وانتهيا بإلتقاط صورة لأجلِ المطعم، فربما ذلك يُساعد في التسويق للمطعم، لكن جون أصرّ أن يدفع الفاتورة، وما غادر حتى فعل.

بعد ذلك؛ إشترى جون لأجلهما كوبي شوكولاتة ساخنة من المقهى المجاور، وحرص ألا يتعرَّف عليه أحد، ثم سار مع روزماري في حديقة المُستشفى حتى أدركهما موعدهما لدى الطبيب وخروج النتائج.

كانت روزماري تسير بجوار جون، ويدها بيده، يقصدان عيادة الطبيب المسؤول عن حالتهُما.

"جون؟"

"هَيبَتُه؟"

توقفت عن السير وأمالت جذعها لمُقابلتِه.

"أتظن أن العلاج سيؤتي ثِماره؟"

رأى مَسحة التوتر التي لا تزول عن معالمها مُذُّ فترة، ولأنه قرر أن يكون الطرف القوي بين الأثنين ابتسم لها، ثم رفع يده ليمسح بها على شعرِها حالك السواد.

"الكثير من الأزواج نجحوا من التجربة الأولى، وآخرين من الثانية، وآخرين من الثالثة، وآخرين من الرابعة، لا يفشل أحد أبدًا أن يكون والدًا لطفل"

"وكيف ذلك؟ ماذا لو إنتهت حلول الطب؟!"

"لن تنتهي حلول الرَّب، هناك أطفال كُثر يتمنون أن يملكون عائلة كما هُناك أزواج كُثر يتمنون أن يملكون طفلًا"

"تقصد أن نتبنّى طفل لو عجزنا أمام الطب؟!"

أومئ لها.

"ألن تُحبّي ذلك؟!"

"بلى سأُحِب"

جعلها تُتبِع سيرها معه وقال.

"إن ما أنجبنا طفلًا من دمنا يُمكننا أن نحصُل على طفل يتوق لنا، يتمنى أن يحظى بنا، سنأخذه طفلًا صغيرًا لتعيشي معه دور الأم... لكننا لن نيأس من الآن، هذا آخر الحلول"

روزماري أحبَّت فكرة أن تتبنّى طفلًا، لكنها لم تُحِب أن يكون هذا آخر الحلول، ما زالت ترى أنها لا تملك الحق أن تسمح لجون أن يحرم نفسه من حقه بالأبوّة لأجلها، ما زالت تملك حلًّا أخير؛ لكن ليس الذي ذكره جون.

دخلت معه إلى الطبيب المسؤول المَدعو بكيم مينسوك، وقد إستقبلهُما بإبتسامة راقية.

"تفضَّلا"

أشار لهما بالجلوس أمام مكتبه مُتقابلين ثم إلتفت إلى حاسوبه ليرى النتائج، لم تنحسِر إبتسامته بينما يقرأ النتائج عن الحاسوب واستهلك عدة دقائق بينما ينظر فيها، ثم أخيرًا رسى نظره إليهما.

"لا مُشكلة مع السيد كيم جون ميون، كفاءتك بالنِّسبة للإنجاب عالية جدًا... وأما السيدة كيم روزماري، فلستِ عاقرًا إنما خصوبتكِ أدنى من اللازم"

تسآل جون.

"هذا يعني أنها يُمكن أن تُنجِب بمُساعدة طبّية؟"

أومئ الطبيب كيم.

"بالنظر إلى حالتها ففُرص الإنجاب لديها تصل إلى أربعين بالمائة، وهي نسبة جيدة بالنَّظر إلى مُعدلات الخصوبة لدى المريضات لدينا"

تَمسَّك جون بيدها وابتسم.

"إذًا حدد لنا موعدًا لأجلِ عملية الزراعة رجاءً"

"بالتأكيد!"

....................


عاد جون وروزماري إلى الشِّقة، لكن استوقفهم وقوف تشانيول وجاي أمام الباب؛ وهُما يحملان وجبات الدجاج المُفضَّلة لدى روز والكولا.

رمقتهُما روز بإنزعاج، ثم دفعت بجاي، الذي يسد الطريق بجسده، وسبقتهم جميعًا إلى داخل الشِّقّة.

إزدرئ جاي رمقه بتوتر، وأما تشانيول فأظهر صف أسنانه المُتلألئ بحماقة قبل أن يُشير لهما جون بالدخول معه، فلا يبدو أنَّ مُحادثة وديّة ستسير بين الأطراف هذه، روزماري غاضبة من رؤيتهم فقط.

دخل الشابين خلف جون، وتشانيول أخذ يتحمحم بصوتٍ مُرتفع؛ كي يجذب إهتمام روزماري من الداخل عبر إزعاجها، فصرخت.

"تشانيول أصمت أفضل لك!"

ضحك تشانيول بِخفَّة وأومئ، ثم أشار لجاي أن يُساعده بصفِّ الطعام على الطاولة، ثم إستأذن جون ليُبدِّل ثيابه.

أتت روزماري ترتدي منامة تغمُرها بلطافة، لكن ملامحها المُكشَّرة لم تَزِل عن الشّابين شعورها بالتَّوتُّر ناحيتها، إذ لوح لها تشانيول بحماقته المُعتادة، وجاي إكتفى بطأطئة رأسه عن معالمها الغاضبة.

رمقتهما بغضب حتى جلست على الطاولة، رفعت ساقًا فوق الأُخرى وعقدت ساعديها فوق صدرها.

"إجلسا أم تحتاجان دعوة؟"

سُرعان ما نفى جاي وجلس، وأما تشانيول فأشار لها ضاحكًا.

"مزحةٌ جيّدة!"

جلس تشانيول فيما يتحمحم بتوتر، فنظرات الإزدراء من عيني البحر لم ترتفع عنه أبدًا، وتشانيول تنهَّد في سرِّه مُرتاحًا حينما آتى جون، وجلس بجانبها، ثم حثَّها أن تتناول الطعام بدلًا منهما.

إذ قدَّم لها جون إحدى الوجبات، وفتح لأجلها عُلبة الكولا، ثم قال مُبتسمًا فيما يُربِّت على ظهرها.

"توقفي عن النَّظرِ لهما هكذا وتناولي طعامك"

رمقتهما للمرة الأخيرة بإزدراء، ثم أخيرًا حصل الطعام على إنتباهها، كتم جون ضحكاته، وباشر الجميع في تناول الطعام.

بعد الوجبة؛ جلسوا جميعًا في صالةِ الجلوس مُلتفّين حول الطاولة عليها أكواب القهوة سريعة التحضير الذي تكلَّف تشانيول بتحضيرها بينما جاي وضب الطاولة كعقاب لهما.

نظر جاي إلى تشانيول ووكزه أن يتحدَّث، فتحمحم تشانيول متوترًا ثم قال.

"روز عزيزتي، لقد فكرنا في مشروع ويُسرَّني إنضمامكِ إلينا"

رفعت نظرها إلى الشابين المحمومين بالقلق ثم نبست بنبرةٍ باردة.

"لا أريد"

تردد جاي قبل أن يتحدَّث.

"اسمعينا أولًا سيدتي رجاءً!"

تعابير جاي البريئة جعلتها تتنهد وتُعطي للأمرِ فُرصة للإستماع، لا يمكن رفض ما يطلبه هذا الوجه البريء، عقدت ساعديها إلى صدرها ونبست.

"هات ما لديك أنتَ وهو!"

تبسَّم تشانيول بحماسة.

"ما رأيكِ أن نبتكر علامة تجارية خاصة بنا؟"

تبسَّمت بسخرية ونبست.

"كما يفعل المشاهير حينما يعتزلون الفن؟!

تحمحم كلاهما بحرج ولم يُتبعا فاتبعت.

"وما هي  العلامة التجارية هذه؟"

أجاب تشانيول مُتردِّدًا.

"علامة تجاريّة للعطور"

إرتخت روز بظهرها على المقعد ونبست.

"فكرتكما لم تنال على إعجابي إطلاقًا"

إبتأس الشابين واخفضا رأسيهما بيأس، إلا أنَّ جون اقترح.

"لديَّ فكرة أفضل"

نظر الجميع إليه بفضول فاتبع.

"ماذا عن مشروع في مُنتصف البحر؟"

أبدى الجميع إهتمامه وخصوصًا روزماري، التي تعشق البحر، فابتسم جون ونبس.

"مشروع سماء وبحر Sea & Sky"

.............


في صبيحةِ يومٍ ما؛ كانت روزماري في الشِّقّة وحدها؛ فلقد خرج جون بصُحبةِ تشانيول وجاي؛ بحثًا عن مُستثمرين لأجلِ مشروع سماء وبحر، كما أنَّ لديه بعض الأعمالِ الضروريّة في دارِ النشر، فلقد تراكمت الأعمال عليه، واقترب موعد تسليم روايته الجديدة رُغم أنَّهُ لم يُنجِزها كاملة بعد.

وحينما سمعت روزماري صوت رنين الجرس ظنَّت أنهما آيرين وأوريل، التي إنتقلت لتعيش مع تشانيول، فلقد إتفقن مُسبقًا أن يمضين بعض الوقت معًا بعيدًا عن رِجالهن، لذا روزماري توجَّهت إلى بابِ منزلها ببهجة، ولم تنظُر في عدسةِ الباب لتتأكد من ضيفها؛ يقينًا منها أنهما آيرين وأوريل، فلا يزورها أحد أبعد من هذهِ الدائرة دون موعد.

لكنها ما إن فتحت الباب إنحسرت إبتسامتِها رويدًا رويدًا؛ إذ هُم عائلتها جميعًا، والدها السيد جوزيف وزوجته والدتها السيدة ميلاني، لوكاس وزوجته يونمي وأختها سيلينا، وبِصُحبتهم أطفالهم الصِغار، الذين ركضوا إلى روزماري يُعانقوا ساقيها ويصرخون بعمَّتي وخالتي.

ربَّتت روزماري على رؤوس الأطفال بلُطف، وما زالت تشعر بالصدمة، لكنَّها تنحَّت عن الباب، وسمحت لهم بالدخول.

"تفضَّلوا"

دخل الجميع وروزماري تنهدت، تشعر بالضغط والتوتر، إذ أنَّ حضورهم إلى منزلها لم يكن له سابقة إطلاقًا.

إلتفّوا جميعًا في صالة الجلوس، وهي إنفردت بنفسها على إحدى الآرائك المُنفرِدة، إلا أنَّ لوكاس تحدَّث بعدما تحمحم، ويبدو أنَّهُ متوتِّر.

"روزماري... لرُبما تظُنّي أنّا أتينا لنطلُب شيء أو لنتقرَّب منكِ بدافع، لكن ليس هذهِ المَرّة"

عقدت روزماري حاجبيها لا تفهم إلى أين سوف يصل هذا الحديث معهم، لكنَّه اتبع.

"أنا أتحدَّث باسمِ الجميع وموافقتهم هُنا... لقد تردَّدنا كثيرًا قبل المَجيء إليكِ؛ لأننا نمتلك الكثير من المخاوف بالفعل، خشينا رفضكِ أو أن تُسيئي فهمنا."

رفع لوكاس رأسه إليها، ونظر في عينيها المُحتارتين.

"نحنُ أتينا لكِ بينما نملك نيّة واحدة، طلب واحد فقط... أن تسمحي لنا أن نكون أهلكِ من اليوم وإلى الأبد"

روزماري لم تُصدِّق ما تسمعه، ورأت أن هذهِ خُدعة جديدة؛ لذا إبتسمت ساخرة، ورفعت الساق فوق الأُخرى، ثم استرخت على الأريكة ونبست.

"لِمَ لا تقول ما تُريد بلا أن تقوم بهذهِ المسرحيّة المُبتذلة؟!"

تحدَّث السيد جوزيف.

"كُنّا نعلم أنَّكِ هكذا سترُديّن علينا، لكن هذهِ حقًا ليست نيَّتُنا، نحنُ أتينا لنستعيد إبنتُنا إلى كُنفِ العائلة، ولن نقبل أي شيء منكِ بعد الآن لو استمرَّيتِ بالرَّفض"

أخرج السيد جوزيف بطاقته المصرفيّة ووضعها على الطاولة بينهما، ثم تبعه بهذا الفعل الجميع، ضيَّقت روزماري عيناها بشكٍّ نحوهما، ورأى لوكاس هذا الشَّك في عينيها.

نهض عن مجلسه وآتى إليها، جلس القُرفصاء عند قدميها، وأمسك بكفَّيها بين يديه الكبيرتين.

"روز؛ نحنُ حقًا مُخلصون بنوايانا هذهِ المرة، يُمكنكِ أن تضعينا بأي إختبار تختارينه وستجدينا صامدون، لن نتخلّى عنكِ بعد الآن ولن نشعُركِ بالعار مِنّا مُجددًا!"

تنهدت روز وأفلتت يديها من أخيها، ثم نهضت على أشُدها تقول.

"بما أن الوقت ما زال باكرًا سأُحضِّر الشاي حتى يصل الإفطار"

تمسَّك لوكاس بيدها قبل أن تُغادرهم وقال.

"لطالما شعرتِ بالنَّقص بسببنا... نحنُ نعلم!"

طأطأت روزماري برأسها وقبضت يدها التي يُمسكها لوكاس... نعم؛ ما يقوله الآن حقيقي.

تنهد لوكاس واتبع، وقد إمتلأت عيناه بالدموع.

"حدثت أمورٌ كثيرة في الفترة الأخيرة، ونحنُ لم نَكُ معكِ أو لأجلكِ حاضرون... نحن مُخطئون بحقِك وآسفون.

تزوجتِ ولم نَكُ معكِ؛ لا في خطوبتكِ ولا في زواجكِ، ولا كُنّا هُنا لإستقبالِك عندما عُدتِ من تايلاند، لم نكُ معكِ حينما تعرَّضتِ للسجن، لم نكُ معكِ حينما خسرتِ عملك... حتى أننا لم نَكُ معكِ في لماضي.

لم نَكُ معك وقتما كنتِ بحاجتنا، ولم نراكِ إلا إن إحتجناكِ، وكُنّا قادرون أن نطعنكِ بظهرك لأجل المال رغم أنَّكِ تكفينا... نحنُ قصَّرنا كثيرًا بحقِك في الماضي وحتى الحاضر، لكننا الآن نطلب فرصة بإخلاص؛ لأن نحتضنكِ بكُنف عائلة، وصدِّقيني نيَّتنا خالصة هذهِ المرّة!"

مسحت روزماري دموعها، التي ما شعرت بها إلا وهي تنساب على وجنتيها بحرارة، حررت يدها من لوكاس وأرادت أن تُتابع سيرها، لكن قبضته إلتفَّت حول عِضدها، وجعلها تلتفت إليه، وبمحضِ لحظة عانقها بين زنديه بكل قوة.

خبّأت وجهها عند عُنقه، وأخذت تبكي، لم تستطِع أن تكبُت رغبتها بالبُكاء أبدًا، عانقها بعاطفة ومسح على رأسها بحنان، ما إبتعدت عن حُضن أخيها حتى إندسّت في آخر، في حُضنِ والدها.

عانقوها جميعًا واحد تِلو الآخر حتى آخر طفل، مسحت روزماري دموعها وهمست.

"سأُحضِّر الشاي"

دخلت إلى المطبخ وتبعتها سيلينا شقيقتها، كانت تبتسم بطريقة عادية، وبلا أي كلام زائد ساعدتها فيما تفعله.

أتت روزماري تحمل على يديها صينية وضعت عليها أكواب الشّاي، وقدَّمتها للجميع، لم تشعُر روزماري بالراحة حيال نواياهم، ستكون حذرة دومًا منهم في المُقابل ستمنحهم الفرصة التي يسعون لها، لأنها تحتاجهم حتى لو أنكرت أمام الجميع، بينها وبينها تعلم أنها بحاجتهم، بحاجة أن تملك عائلة مثلها مثل أي شخص عادي لم يُنشئ باليُتم ولا يشيخ على اليُتم.

.................


يُتبع...

الفصل التاسع والعشرين "زهرة مائلة الجِذع"
الفصل الخامس "لا تؤلميني بكِ"
الرواية العاطفية "هيبتُها"



......................


سلااااااام


الفصل القادم بعد 100 فوت و 100 كومنت.

رأيكم بِ:

روزماري؟ حالتها النفسية؟ خوضها غمار العلاج؟ إستقبالها لعائلتها؟ وتعاملها مع تشان وجاي؟

جون؟ دعمه وثباته لأجل روز؟

تشانيول وأوريل كثنائي؟

لوكاس وعائلتها؟

رأيكم بالفصل؟

توقعاتكم للقادم؟

دمتم سالمين❤
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
Love❤



© Mercy Ariana Park,
книга «هَيّبَتُها|| Her Prestige».
CH30||جون وهَيبتُه
Коментарі