Report
Chapter One
Chapter Two
Chapter Three
Chapter Four
Chapter Five
Chapter six
Chapter Seven
Chapter Eight
Chapter Nine
Chapter Ten
Chapter Eleven
Chapter Twelve
Chapter Thirteen
Ch14|| حواء
Ch 15|| خليل الهان
CH 16|| أحكام
Ch17|| الحب و أشباهه
CH18|| فوضى مشاعر
CH19|| رعشة البتول
CH20||فرائس الحب
CH21|| فقدان الفردوس
CH22||حقوق ليست بمحلها
CH23|| تفرِقة
Ch24|| في قاع الحب
CH25|| إلى الهاوية
CH26||حب و جريمة
CH27||خالل الهان
CH28||أساس ركيك
CH29||مُبهم
CH30||صراع القلوب
CH31||الأعزب ليلاً
CH32||إنجلاء قِناع
CH33|| مذلة و نذالة
CH34||في الصفح و الحقد
CH35|| لا يتعظ
CH36|| عصيٌ على الطُهر
CH37|| هوّة
CH38|| حُب الرُّهبان
CH39|| إمرأة للبيع
CH40|| المرأة الثمينة
CH41|| من ضلع الكرامة
CH42|| ابن الهان
CH43||تَمسّ السماء بأناملها
CH44|| أزمة عاطفيّة
CH45|| بداية النهاية
CH46|| اللوتس
CH47|| قلبي يحبها
CH48|| عُقد النقص
CH49|| وعد
CH50|| أزمة ثقة
CH51|| إعتذارات ومعاذير
The End|| تُفّاح مُحرّم
CH46|| اللوتس
" اللوتس"









أحيانًا... لا نُدرك أننا فقدنا أنفسنا، وتكون الصَحوة متأخرة جدًا، وفيما يعنيه؛ أننا لا نكون قد فقدنا أنفُسنا فحسب، بل كل من هم حولنا بفعل حماقة، طيش، أو فقط لامبالاتنا؛ قِلة الإهتمام والأنانية.

اليوم جونغ إن يعي الدرس جيدًا ويفهمه؛ مُذُّ أنه خسر كل شيء وما عاد يملك سوى نفسه.

لكنه مُتفائل رغم ذلك، أي نعم؛ هو خسر كل أهله، لكنه كسب نفسه التي ضاعت منه طيلة السنين السالفة، إسترد عافيته في المصَحّة، وفي السجن كان الوقت له كافيًا كي يفكر في نفسه ويُنمّيها، بعد هذا الصِراع الشاق على الجميع ثم عليه، هو كسب نفسه وخسر الجميع.

وبينما هو قد كسب نفسه بالفعل، فهكذا يكون قد إجتاز أصعب خطواته إلى النور؛ حيث الحُب والبدايات الجديدة.

ومن هُنا يبدأ...

تَضُج المدرسة في الحياة منذ أن بداية العام الدراسي الجديد قد حلّت، ضِحكات الأطفال ومناورات الطُلاب هنا وهُناك.

فيما ترى أوكتافيا الطُلاب يركضون ويلعبون، تستطيع أن تقول أنها الآن ترى حُلمها يتحقق...!

كانت تقف إلى نافذة مكتبها التي تطل على الباحات، وتنظر في باحات المدرسة الأمامية وما فيها من لجّة وضجّة بفعل الصِغار، بينما تعلو ثغرها إبتسامة هادئة.

لوكاس كان يقف خلفها، كما عادته، على بُعد ثلاث خطوات منها، كما اُتفِق، فيما يحمل على ذراعه بعض المُستندات.

في هذه اللحظات الثمينة بالنسبة لها؛ رأت الأستاذ كيم جونغ إن يقف مع أعضاء من الهيئة التدريسية -زملائه- وبيده كوب قهوة.

كان يتبادل معهم الحديث وأحيانًا يبتسم، مظهره الخارجي شديد الأناقة يوحي بمكانته الإجتماعية العالية، والحق من الغريب -حتى بالنسبة لأوكتافيا- أن يكون تخلّى عن ثراء عائلته وإلتحق في هذه الوظيفة المتواضعة، فهي لا تَدُر عليه المال الذي إعتاد أن يصرفه.

رغم أنها وحدها تفهم أسبابه في عودته هذه وتواجده هُنا في محيطها، لكنها لا تفهمه، هل إيقاعها بخُدعه سيكلفه ثراء عائلته و سُلطة اسمه؟! هل الأمر بالنسبة له يستحق؟!

لهو رجلٌ مجنون إذن...!

وعلى آية حال؛ هي لن تقع في فِخاخه مُجددًا، لكنها ستحرص أن تذقه مما إختبرته عنده، حتى لو كان قليلًا لا يُشفي غليلها، حتى لو كان أقل من إعتباره مُجرّد إنتقام صغير، فهي لن تتجرد من إنسانيتها وترد له الصاع بمثله.

تنهدت تضع كفيها في جيوب بِنطالها القماشي الأسود ونبست.

" لوكاس"

سُرعان ما أجابها من خلفها.

" نعم سيدتي!"

تنهدت ثم أشارت ناحية جونغ إن برأسها قائلة.

" أتدري من هو الأستاذ كيم؟!"

فكّر لوكاس لبضع لحظات ثم نفى يقول.

" ليس أكثر مما ورد في سيرته الذاتيّة!"

إلتفتت إلى لوكاس تعقد ساعديها إلى صدرها وقالت.

" زوجي السابق"

شهق لوكاس وبلا وعي صاح.

" ماذا؟!"

تنهدت ثم عادت لتنظر عبر النافذة إليه.

" بسببه تكبدت عناء جسيم، وخسرتُ أعزّ الناس إلى قلبي، هو خدعني بحبه، وأنا كنتُ غبية كفاية لأصدقه"

إزدرئ لوكاس رمقه وإلتزم الصمت، منذ أن مديرته قلما تتحدث عن حياتها الشخصيّة، وكل ما يعرفه عنها أنها أُمًا لفتاة وحسب، يجد أن الوضع الآن مُحرج لكنه يتفهمها، فرؤية الرجل الذي كانت مرتبطة به ليس بالشيء اليسير بالفعل، بل يجد أنه من الغريب أنها وضعته في وظيفة لديها، وأصبحت رئيسته وهو مرؤوسها.

إلا أن أوكتافيا أومأت ثم اتبعت بينما تنظر إلى المعنيّ بالأسفل.

" لم نكن زوجين طبيعيين مثل بقية الناس، علاقتنا بُنيَت على خطأ وربطنا الكُره لاحقًا، في وقتٍ مُتأخر لا يسمح لي بالإبتعاد، كنتُ قد تورطت بالفعل!"

ضيقت عينيها عليه وزفرت أنفاسها.

" أدري أنه رجل مُخادع بألف وجه، لكن ما لا أفهمه، لِمَ يتكبد خسارات فادحة في سبيل إيقاعي بفخّه من جديد؟! ألهذه الدرجة يكرهني، أو يحب تدمير حياتي؟!"

إلتفتت إلى لوكاس الذي بدى مدهوشًا أمام كل ما أفصحت عنه، وقالت.

" ألهذه الدرجة يكرهني يا لوكاس؟!"

أبدى لوكاس إرتباكه حينما تأخر في الإجابة، وحينما كادت أن تلتفت عنه حرّك كتفيه بجهل، ثم قال.

" لستُ أدري سيدتي، أنتِ أدرى بطباعه، الذي لا أفهمه؛ لِمَ وظفتِه ما دام رجلًا تكرهينه ويكرهكِ؟! فلا يبدو لي أنكما أجتمعتُما على إحسان، أو تفرّقتُما بإحسان"

تبسّمت متهكمة ثم قالت.

" إحسان!"

ثم عادت لتنظر عبر النافذة وقالت.

" لأعذبه وأراقبه"

نبس لوكاس مُستنكرًا.

" ماذا؟!"

إلتفتت إليه وقالت.

" أريدك أن تذهب وتخبره بأنه المسؤول عن إحتفالية بدء العام الدراسي الجديد، أخبره أيضًا أن ينظم جمعًا للأساتذة في إحدى المطاعم، أي نقص أو خطأ سيكون من مسؤوليته، اذهب!"

وما كان بيد لوكاس إلا أن يُطيع رئيسته فيما أمرت، بلغ الأستاذ كيم الخبر، إذ إقتطع عليه لوكاس الدرس في إحدى الصفوف الثانوية، وأخبره بأوامر المديرة، وما كان من الأستاذ إلا أن يوافق.

ليس لأنه مغلوب على أمره، بل لأنه يريد إثبات نفسه من جديد أمامها، مهما كلّفه الأمر من مشاق وتعب.

عاد جونغ إن إلى صفّه، كان لِتوه قد افتتح درسه، وهو ما كان درسًا بالفعل، بما أنها الحِصة الأولى له مع طُلاب الثانوية هؤلاء، قرر أن يعضهم قبل أن يعلمهم.

رفعت إحدى الطالبات يدها فأجابها، حينها تحدثت بإبتسامة مُريبة جعلته يبتسم، لو أنه جونغ إن القديم لراود هذه الفتاة عن نفسها، ولما اهتم لعمرها، قاصر، بالغة، لا يهم، المهم أنها أُنثى.

" حدّثنا عن نفسك أستاذ"

أشار إليها بسبابته بعدما إتكئ على طاولته.

" إبتسامتكِ لا تعجبني، المرة القادمة سأنقلكِ إلى لجنة التأديب، حسنًا؟!"

أخفضت الفتاة رأسها بحرج فيما دحجوها الطُلاب بإنزعاج، فهي طالبة مشهورة بفسوقها.

ثم الأستاذ كيم رفع جسده ليجلس على الطاولة ويكون  جميع الطلبة في متناول نظره.

" ثم ماذا تريدون أن تعرفوا عني؟!"

تكلمت إحدى الطالبات.

" ما يروقك يا أستاذ"

همهم يفكر.

" هممم... لا أدري ما الذي يلزم أن أخبركم به، تحصيلي العلمي؟! لن يهمكم على آية حال"

عقد ساعديه إلى صدره وفيما ينظر بالفراغ قال وقد بانت على شفتيه إبتسامة ضئيلة، وكأنه يصب فيها وجعًا أو خيبة وبهذه الإبتسامة يضع قِناعًا على مأساته الخاصّة.

" سأحدثكم عن شخص مات قبل خمس سنين"

أبدوا الطلبة حزنهم لكنه نفى بيده وقال.

" لا تحزنوا... على آية حال، دعوني أحدثكم عنه"

أومئ الطلبة وجميعهم كانوا يستمعون.

" لقد نشأ في عائلة فاحشة الثراء مع أخويه، تسمعون بالأسهم والتكتلات الإقتصادية؟! هو كان ابن لعائلة مُقتدرة ماديًا إلى هذا الحد"

تصاعدت أصوات الطلبة مدهوشين.

" واو!"

ضحك الأستاذ كيم لرد فعلهم ثم اتبع بهدوء والجميع ينصت إليه. 

" يقول إحدى الحُكماء؛ أن الغني لا يلد ابن، بل يلد وريث، وهكذا تربّى الإخوة الثلاثة، ما كان بينهم تفرقة في المُعاملة من والديهم، إلا أن شخصياتهم كانت مُتفرّقة رغم أنهم نشأوا ذات التنشئة"

" الأخ الأكبر يملك صورة مثالية من كل النواحي، مُلتزم بقيود العائلة الثريّة مهما عادت عليه بمواجع على معيشته وحياته الخاصّة، فقد إختار فتاة لا يحبها، لكنها كانت كافية لتنجب للعائلة الحفيد الأول، أي الوريث الأول، واختار أن يكون المسؤول عن أعمال العائلة؛ فهو وحده من يديرها، وأختار أن يبقى في صف والديه مُقيدًا بالصورة النمطية للعوائل ذات الثراء الفاحش، هو الأبن المثالي للعرض أمام العامّة"

" أما الصغير، فلقد كان طائشًا بعض الشيء، يستمتع بمال العائلة، ولا يُلقي لكلام الناس بالًا، عاش حُرًا وسعيدًا إلى حدٍ ما بحياته الخاصّة الذي كوّنها بنفسه بلا قيود، وبلا صور معينة، فقط هكذا، يعيش كما يريد، فقد رفض أن يكون مجرد مدير خلف مكتب في شركة والده، ورفض أن يتزوج أية زيجة لتحصل العائلة على وريث، رفض أن تنطبق عليه الصورة المجتمعية اللائقة ما دامت تضعه في قيود، وتمنعه عن الحرية والسعادة"

" أما الأبن الثالث، فهو كان بين هذا وذاك، ولكن على نحو مُسرف، يبالغ بإظهار صورة مثالية لدرجة يبان فيها الزيف والعطب، كما أنه يبالغ في حُريته بالخفاء لدرجة آذت حريات وحقوق الآخرين، وذلك ما أودى به في النهاية إلى هلاك نفسه"

" فلقد كوّن لنفسه صورة إجتماعية مرموقة، إذ شغل منصبًا مرموقًا في المجتمع خارج إطار أعمال عائلته، وحرص أن تكون زوجته أجمل الجميلات، لكن في ذات الوقت، كان يتنكر في ساعات الليل ويعيش حياة صاخبة مُسيئة إلى درجة وضعته في مكان مظلم، في منفى"

" ما كان زوجًا جيدًا، ولا ابنًا جيدًا، ولا حتى أبًا جيدًا، لذا إستحق أن يموت"

نهض الأستاذ كيم عن الطاولة وصار يسير بين طاولات الطُلاب ومقاعدهم المتفرقة.

" هو أراد أن يكون أفضل من أخويه، وأراد أن يعيش نمطي الحياة، الحرية والقيود، السعادة والرتابة.

" غيرته اللاعقلانيّة من إخوانه، كثرة القيود على حُرياته، الضغط عليه لإظهار صورة مجتمعية رفيعة المستوى لنفسه أمام الناس، كل هذا كان يتعارض مع رغباته الخاصّة، فنشأ يُفسد حياته"

" كان أحمقًا كبيرًا لدرجة أن حُمقه كلفه الكثير، عائلته، أصدقائه، نجاحه، وخمس سنين من حياته"

وقف في مُقدمة الصفّ وقال.

" تعلمون لِمَ أخبركم بقصّته؟!"

ثم أشار عشوائيًا إلى الطلبة يقول.

" لأنكم أبناء الطبقة الإجتماعية نفسها، ستواجهون الصراع النفسي ذاته، لذا أخبركم أن تختاروا إما القيود وإما الحرية، لا تحاولوا الحصول على الأثنين معًا، وقتها ستخسروا مَحاسن الخيارين، وتنتهوا وحيدين، وربما عالة على غيركم"

حمل حقيبته عن الطاولة وقال.

" إنتهت الحِصة، غدًا لن أعظكم، سأبدأ في تعليمكم، لذا قوموا بالتحضير لدروسكم"

خرج من القاعة، لا يدري أن هناك كاميرا مراقبة داخل صفّه، فنعم؛ أوكتافيا تخشى على طالباتها من التحرّش، وما سمعته ورأته أدهشها.

كانت تقف أمام شاشة العرض في قسم أمن المدرسة، ويقف لوكاس خلفها، حينها تسآلت.

" هل يعقل أن الأساتذة يعلمون بوجود هذه الكاميرات في الغُرف الصفيّة؟!"

" مستحيل سيدتي، لقد قُمنا بإخفاء الكاميرات جيدًا وتولّى خُبراء تركبيها، حتى الطلبة لا يعرفون عنها شيئًا"

قبضت حاجبيها وأمالت رأسها تفكر، أنّى له أن يتغير؟!
هل حقًا غيّرته السنين؟!

لكنها لن تقتنع بسهولة، موقف واحد لا يكفي، ولطالما كان لسانه حُلوًا كالشهد، وأفعاله مُرّة كالعلقم، كلامه كالكتابة على الماء، لا يعني شيء.

إستذكر لوكاس يُعلمها.

" اه صحيح! في غيابك إتصل الطبيب زانغ على هاتف المكتب، قال أن تتفقدي هاتفك"

ولِمَ لم يتصل بها بشكلٍ مُباشر؟!
تسآلت في قرارة نفسها.

فتحت هاتفها وإذ هي قد نَسته على الوضع الصامت، لذا لم تدري عن إتصالاته الثلاث المُتتالية، لكنه أودع رسالة.

" مرّ زمن مُنذ إلتقينا، دعينا نتقابل في مكاننا المُعتاد، سأشتري معي وجبة العشاء"

أعادت الهاتف إلى جيبها وتبسّمت، حينها لوكاس قال مُبتسمًا.

" كُلما أتت سيرة الطبيب زانغ أراكِ تبتسمين"

أومأت.

" لأنه وابنتي أعز ما أملك على الإطلاق!"

فجأة إتسعت عيناها وإلتفتت إلى لوكاس مُنبّهة.

" أياك أن يعلم أحد أن لارا ابنتي!"

عكف لوكاس حاجبيه وتسآل.

" لِمَ سيدتي؟!"

لكن أوكتافيا لم تُجبه، فلا ذكر لأسمها في سِجلات الطفلة المدنية كأم، والأهم؛ لا تريد لجونغ إن أن يستغل لارا لمصالحه الشخصيّة فيضغط عليها عبرها.

بعد إنتهاء ساعات الدوام الرسميّة؛ إلتقت أوكتافيا بلجنة تنظيم الأنشطة، التي يكون الأستاذ كيم إحدى أعضائها.

جميعهم وقفوا بلا إستثناء وانحنوا لها، ثم هي قالت بصوت جهور.

" ولّيتُ تنظيم حفل بدء العام الدراسي للأستاذ كيم، البقيّة تستطيعون المُغادرة اليوم"

ثم جميعًا انصرفوا، كان ينظر الأستاذ في أوراقه، ويشابك يديه فوق الطاولة، هي ألقت إبتسامة لئيمة في مُحيطه وإلتفتت لتغادر لولا أنه بكلامه أوقفها.

" تنتقمي مني بالعمل، لا بأس معي بذلك، أنا صبور وكفؤ في مجال عملي أكثر مما توقعي"

رمقها بإبتسامة فغارت عينيه كذا غمّازيه الخفيفين واتبع.

" سيدتي!"

أشاحت عنه تتهكم في ضحكات ساخرة.

" ما عاد لسحرك مفعول، ما عدتُ أراك إلا شيطان رجيم، لذا كُف عنك هذه الحركات الرخيصة، لا تناسب وجهك الحقيقي الذي أعرفه"

ثم عقدت ساعديها إلى صدرها ورمقته بتحدٍ.

" وأيضًا؛ أثبت أنك صبور وكفؤ كما تقول، وأنا لن أبخل عليك بالفُرص والمهام"

تحركت لتخرج، ولكن عند عتبة الباب إلتفتت له.

" أنت مرؤوسي، وواجبك تنفيذ المهام التي أوكلها لك لتكسب لُقمة عيشك"

ثم ضحكت وقالت.

" وبالنسبة للُقمة عيشك؛ سأحرص أن تنفذ مؤنك آخر الشهر، فلا تجد مالاً للنساء والكحول"

أومئ وأنارت إبتسامته نواجذه.

" سأعتبر هذا إهتمام شخصيّ منكِ لي"

قلّبت عينيها بضجر ثم غادرت، ما كان عليها قول الجزء الأخير من كلامها.

...

في المساء، خصّيصًا وقت غروب الشمس، كانت أوكتافيا تسير في حديقةٍ ما، تَحتضن في مساحتها الخضراء بركة إصطناعية فيها البطّة الأم وصِغارها، هُنا في العاصمة بكّين حيث تستقر منذ خمس سنين.

ترتدي فُستانًا أبيض اللون، مُزخرف بورود حمراء تنتشر عليه بنعومة، تُطلق شعرها بحرية على ظهرها فيراقصه الهواء كما يشتهي، وأخيرًا ترتدي حذاء رياضيّ أبيض اللون، بدت مُنعِشة ومليئة بالحياة.

بيدها تُمسك بيد صغيرة، لارا معها، الصغيرة لارا قد كبرت بصحة وعافية، ما عادت تذهب بها إلى المُستشفى إلا لأجل الفحوصات الدوريّة أو الأمراض الخفيفة، كلإنفلونزا والزُكام.

تربّت الطفلة في بيئة مُستقرّة، وحفّها حنان الأم وشيئًا ما من رعاية الأب، إعتادت على السمّاعة في أُذنها فلقد نشأت بها وكبرت فما عادت تزعجها، لكنها تتعرض للتنمر بسببها من الأطفال الأشقياء.

لارا ما زالت طفلة صغيرة لا تفقه في دائرة الحياة شيء، فليست سوى طِفلة ترى الحياة في ألعابها وعالمها الورديّ الخاص، لكن دخولها إلى المدرسة سيجعلها تَعي أن الحياة ليست بهذا اللُطف الذي تعرفه عنها، وأن برائتها ستندثر يومًا.

" هنا!"

لوّح الطبيب زانغ بيده ناحية اوكتافيا، التي تبحث عنه بنظرها فذهبت إليه، ثم ركضت لارا إليه وعانقته فورما رأته تصرخ.

" أبي!!!"

ضحك الطبيب بينما يضمها إلى صدره ويربت على خصلها حالكة السواد -من أمها المتوفاة-.

" أميرتي الجميلة، اشتقتُ لكِ!"

أجلسها يشينغ في حضنه يلاعبها ويعانقها كذا يقبلها بسخاء، إنها طفلة ودودة ومحبوبة، ثم نظر إلى أوكتافيا التي قد جلست قِبالته.

" تبدين مُشرقة اليوم!"

تبسّمت.

" شكرًا لك"

نظرت لارا إلى أمها وقالت بحماسة فيما تتفحص علب الطعام.

" ماما، بابا إشترى لي الكثير من الدجاج، أنا أحب الدجاج"

ضحكت أوكتافيا وأومأت لها تقول.

" إذن كُلي صغيرتي حتى تمتلئ معدتك بالدجاج!"

ناولها يشينغ قطعة دجاج، وربط لها شعرها كي يبقى نظيفًا ولا يزعجها، أنه يهتم بها جدًا، وذاك ما جعل لارا تألفه عدا عن قربه الشديد منها منذ نشأتها.

" كُلي واستمتعي ولكن ببطء، حسنًا؟!"

أومأت لارا وشرعت تأكل، مسحت أوكتافيا على رأسها بإبتسامة، ثم هي والطبيب انضما إلى الصغيرة.

بعد أن أنهت لارا وجبتها سمحت لها أوكتافيا باللعب قريبًا، حينها تسنّى ليشينغ أن يتحدث براحة مع أوكتافيا فيما يراقب لارا تلعب.

" ألن يسبب دخولها للمدرسة إكتشافها للحقائق؟!"

أومأت أوكتافيا ثم تنهدت.

" نعم، لكنني لن أستطيع منع ذلك، هي في النهاية ستعلم، وسأمنحها حقها في مسامحتي أو كُرهي للأبد"

أمسك الطبيب بيد أوكتافيا وقال.

" لا أستطيع أن أسمح بهذا، ليس بعد كل ما فعلتِه لأجلها، أظنّها ستقدر رعايتكِ لها وتبقى، من الأفضل أن تعلم وهي صغيرة فلا تحقد عليكِ ولا يطول غضبها"

أومأت بينما تنظر إلى لارا التي تلعب.

" أنت مُحق، عليّ إخبارها... بالمناسبة؛ حدث أمر معي"

عقد حاجبيه فاتبعت.

" لا تسألني كيف ولِمَ، فقط جونغ إن يشغل حيز مُعلم عندي"

إرتفع صوت الطبيب بدهشة.

" ماذا تقولين؟!"

أومأت تؤكد صحة كلامها واتبعت.

" لا أدري لِمَ آتى للصين، ولِمَ تقدم بطلب توظيف في مدرستي أنا خصوصًا، أشك في حُسن نواياه، ولكنني لن أكون ليّنة معه"

تنهد الطبيب ثم قال.

" لا أريده أن يتسبب لكِ بالمشاكل!"

نفت برأسها واتبعت تبتسم.

" لا تقلق بهذا الشأن، لن يستطيع هذه المرّة أن يخدعني، أنا استغل وجوده في تعذيبه، يسرني أن أراه مُستسلمًا بعد حين"

ثم بانت على شفتيها إبتسامة واستطردت.

" ماذا عنك؟ أما زلت ترفض المواعيد التي تدبرها والدتك لك؟!"

ضحك بخفة ثم أقرّ بإيماءة.

" تختار لي فتيات غريبات الأطوار، ما عدتُ أطيق صبرًا على هذه التفاهات، تعلمين، أنا لا أريد أن أنتهي بزواج مُدبر، سأنتظر أن تقع في حُبي إمرأة ما"

أومأت أوكتافيا وإلتزمت الصمت، منذ خمسة أعوام، بلّغته أن مشاعرها لا تتسع رَجُلًا، وأن التعافي من الماضي سيتطلب وقتًا طويل، وهو قرر أن ينتظر تعافيها.

لكنها منعته، هددت بقطع علاقتهما لو انتظر وضيّع من عمره عليها على حِساب أمل ضعيف لا ضمانة له.

لذا قررا منذ ثلاثة سنوات أن يكونا أصدقاء وحسب، وأن ما بينهما سيبقى صداقة فقط.

لكنه الآن في كلامه - وبلا قصد- يلومها على حالة العزوبية التي يعيش فيها بمقت، الآن ما عاد ينتظر أن يقع في حُب إمرأة، بل ينتظر أن تقع إمرأة في حبه، سيتزوج المرأة التي ستحبه، لا التي يحبها.

عندما أدرك الطبيب الحرج الذي سببه كلامه بينهما والجو المتوتر ضحك يستطرد.

" لكن لاي يصرفهم عني ويجعلهم مشغولين بجنونه"

إنقبضت ملامحها في قلق وقالت.

" لِمَ؟ أعاد للخمر والنساء؟!"

نفى الطبيب وقال.

" لا، لكنه يلاحق الحيوانات في الغاب ليصور أفلام وثائقية، لقد وجد لنفسه هواية جديدة، أمي وأبي يخافون عليه من برّ الغاب وشرّ الحيوانات المُفترسة، لكنه قرر أن يعيش حياته كما يريد، وبما أنه مسار لا خطأ فيه، فلا يحق لأحد أن يمنعه."

تنهدت حينها أوكتافيا براحة وأومأت مُبتسمة، وذلك ما جعل الطبيب يتسآل.

" لِمَ تبدين قلقة بشأنه؟ أتعرفينه؟"

ضحكت أوكتافيا وردت.

" رأيته مرة واحدة بسترة جلدية وبنطال مُمزق، عرفت أنه ليس أنت من لِباسه، وما ألتقيته بعدها"

أومئ وبنفسه شكوك، هل تخشى أن يعود جونغ إن إلى صُحبته السالفة وشخصيته الماجنة؟!

..............................

في مساءٍ ما، كانت إيزابيلا في غُرفة صغيرها جيمين تضعه في سريره الذي يأخذ قالب سيارة، طفلها يكبر بسرعة أمام عينيها ويزداد نُضجًا.

ترى فيه بذرة صبرها وصلاح حياتها، بالنسبة لإيزابيلا؛ فهي تحتفظ بهذه الحياة الضيّقة والعسيرة في ذات الآن لأجل طفلها هذا.

فهو كل ما تملك وعلّاقة آمالها في المستقبل، دمعة منه قادرة أن تكسرها، لا تدري كيف أصبحت الأم الحسّاسة التي هي عليها الآن.

وضّبت خُصل شعره التي تنام على جبهته وإبتسمت، دثرته بالغطاء جيدًا ثم غادرت غرفته بعدما غطّ في النوم.

توجّهت إلى غرفتها، أو الأصح؛ أنها غُرفتها مع زوجها، يتشاركان نفس الغرفة لأجل جيمين، ولكنهم بين هذه الجُدران الأربعة مُتنافران، وكأن كل واحد منهما يسكن عالمًا مُختلفًا عن الآخر.

إستهلكت بعض الوقت لنفسها في دورة المياه بينما بيكهيون على حِصته من السرير مُستلقٍ، ينتظرها، يود أن يتحدث وتنصت إليه ثم تتفهمه، يريد إسترجاعها، فالسنين لم تُثمر شيئًا بينهما، وضعتهم في حيّز مكاني واحد، وجعلت القلوب تزداد تفرّقًا، أبعد كل هذه السنين، ألا يستحق أن يكون إليها أقرب؟!

خرجت إيزابيلا تضع على جسدها ثوب كراميلي خفيف يعلوه روب خلعته وعلقته على ناصية السرير لأجل ساعات نوم مُريحة.

أغلقت الأضواء ونامت في حِصتها من السرير بلا أن تُلقي بالًا للذي يُحاذيها، كانت تغمض عيناها، ويبان أنها تستحضر النوم بهدوئها وقِلة حركتها، لكنها كانت في جوفها متوترة، ترجو ألا يُقدم بيكهيون نحوها بأي خطوة، فهي تحتاج إلى النوم.

بيكهيون مؤخرًا أصبح يجادلها كثيرًا، ويُطالبها بتغيير موقفها نحوه ونوع علاقتهما، قائلًا أنه قد مَلأه السأم من هذه العيشة، ومتذرعًا بحقه في عائلة حقيقيّة وعلاقة زوجيّة طبيعيّة.

لكن السنون فشلت أن تمحي الأسى، أحيانًا يقف الزمن عاجزًا أمام أوجاعنا، أكثر ما يوجعها أنها من ألقت بنفسها إل التَهلُكة، وأرتدت ثوبًا لا تملكه حينما تنكّرت وغيّرت من شخصيّتها لتستميله، كل هذا كان خطأً فادح تنتدم عليه، وستندم حتى مَماتها.

لكن الآن لا ينفع الندم بشيء، تملك طفلها منه، وبأية حال؛ هذا الزواج غير قابل للتفكيك، هذا القفص لن يتحطم، وعليها أن تعيش فيه كما ينبغي لها أن تعيش، فلا العائلة ستسمح بالإنفصال، ولا هو سيتركها وشأنها إن إنفصلت عنه، في كل الحالات؛ ستبقى عالقة معه للأبد.

شعرت به من خلفها يقترب، إذ إنخفض الفراش بعض الشيء، وذاك جعلها تغمض عيناها حريصة ألا تتوتر، لكنها كانت متوترة بالفعل، عانق خصرها بذراعه، وخبّأ معالم وجهه في مرفأ جيدها، يشتم عِطرها إلى أعمق نقطة في جوفه.

أزاحت عنها ذراعه وقعدت تبغي الإبتعاد، لكنه تمسّك بمعصمها فإلتفتت إليه، وحينها همس.

" إلى متى بيلا؟! إلى متى ستتمسكي بالماضي وتُجافيني عليه؟! أنتِ تعلمين أنني أستحق فرصة، لِمَ تدفعيني عنكِ إذن؟!"

حاولت تحرير معصمها من قبضته، ثم تنهدت حينما فشلت، إلتفّت إليه برأسها وقالت.

" لقد منحتك أياها بزواجنا"

نفى برأسه واجتذبها حتى أجلسها قِبالته، ثم قال.

" عن أي زواج تتحدثين؟! ما بيننا أقل مِما يكون بين الغرباء حتى، الزواج ليس مجرد حِبر على ورقة، نحن أعمق من هذا"

إحتوى وجنتها بكفه على حين غرّة وقال.

" حبيبتي"

نظرت في عينيه وقد أخذتها الصدمة، فأومئ وابتسم يتحسس بإبهامه شفتيها.

" نعم حبيبتي، إيزابيلا أنا أحبك، قلبي يحبك!"

أخفضت رأسها حينما خَنقتها العَبرة، وكي تتكتم على إنفعالها قضمت شفاهها وأغمضت عينيها، لأول مرة ينعتها بلقب حبيبة، لقد كلفه الإعتراف لها بالحب قرابة عقد من الزمن.

إنتظرت سنين طويلة حتى تسمع هذه الكلمة، وعلى عكس ظنّها؛ لقد بعثرت الكلمة فيها ما بعثرت، الآن لا تستطيع أن تلم أنفاسها حتى، تكاد تخنقها المشاعر التي تراكمت فجأة فوق صدرها.

كتمت أنفاسها حينما شعرت بشفاهه تضغط بلطف على شفتيها، كان رقيق إلى أبعد حد، وتلك القُبل التي يكرم بها عليها؛ جعلت مشاعرها تغوص في السنين، وتعود للمشاعر القديمة، الآن قلبها يرفرف كطائر حُب ملون وجميل يحتفل بحبه الوليد.

إحتضن وجنتيها بكفّيه حينما لقيَّ منها قبولًا، وراح يدس لها حُبه بين قُبلاته، كادت أن تسقط بين يديه، حينها لرحب بها في حُضنه.

لكنها تماسكت على حافة الإنهيار ودفعته برفق، راح يتنفس أنفاسها، كان القُرب بينهما شديد، لدرجة أن أنفاسه تُقبل بشرتها.

أسند جبهته إلى جبهتها، وغاصت أنامله العشر في شعرها، حينها همست.

" توقف بيكهيون!"

إزدرئ جوفه وطالعها بعين غامت حُزنًا حينما فارقته وإبتعدت، وقفت أمام ناصية السرير تضع الروب على جسدها، ثم أمالت برأسها إليه.

" إعترافك بالحب آتى مُتأخرًا جدًا، الآن ما عاد الحُب ينفع"

حتى وصلت عتبة الباب سمعته يقول بنبرة ملأها الغضب.

" كاذبة!"

إلتفتت ناحيته تقبض ملامحها بأستياء لِما قال، لكنه أخافها بنهوضه المُفاجئ، ثم لغى المسافة بينهما، واجتذبها من ذراعها إليه حتى إرتطمت به.

شهقت ونظرت في عينيه، فيهما إنكسار يتوارى خلف غِشاء الغضب، لوهلة فكرت، هل ما تفعله كثير؟! ألا يستحق منها هذا الجفاء؟!

أليس هو من تجرّد منها ببعض كلمات، ثم ليستردها عاث في حياتها خرابًا؟!

نعم، تدري أنها أخطأت في كثير من الأحيان، كان عليها إنتزاع قلبها من صدرها فورما إنفصل عنها في المرة الأولى، لكن هو جرحها بعمق، جروحها وإن إلتأمت فهي ستترك نُدب بشعة.

عانق خصرها بذراعه واختنقها منه، وفيما تتسآل عن نواياه فيما بينها، وجدته يدفعه حتى سقطت على السرير، أطلقت صرخة خافتة وما كادت أن ترفع رأسه حتى كان يحدها من أعلاها وبذراعيه من جانبيها.

أخذت تتنفس بإضطراب، ثم وضعت شيئًا من قوتها في كفيها كي تزحزحه عنها، لكنه لم يفعل، بل إنخفض بجذعه عليها فمالت برأسها إلى يمينها، وكمشت عيناها.

وهنا همس في أُذنها.

" هل صوت دقات قلبكِ الآن كذبة؟! هل الخدر الذي أصابكِ منذ قليل أيضًا كذبة؟! هل ستكذبي وتقولي أنكِ لا تحبيني، ولو قليلًا؟!"

ستجرحه الآن لا مَفر، ستقول أنها تكرهه، وأنه يوهم نفسه بأنها تحبه، فهو مخلوع عن قلبها، ولا يمكن أن يسترد عرشه مجددًا.

أرادت قول الكثير، لكنها لم تستطع، فما إن حرّكت رأسها لتواجهه مسّ أنفه بشرتها وفتحت عينيها على وجهه، الذي يحمل كل نِقاط ضعفها، عيناه الحادة، شفتاه المرسومة بإتقان، وحبّات الحُسن التي تتناثر فوق ملامحه، كالسُكّر إن نثرته على الحلو فأزداد حلاوة، لذا نست ما أرادت أن تقول، لا يفشل وجهه أبدًا في سحرها.

نظر في شفتيها من جديد، وانخفض إليها يميل برأسه ناحيتها حتى إلتقى فيها مجددًا، أغمضت عيناها، واستسلمت لرغبتها فيه.

تمسّكت بتلابيب قميصه، وسدّت له القُبلة بمثلها، لم تفكر في ذاك الحين إن كانت تحبه بحق، أو أنها تشتهيه فقط.

فقط أرادته بغض النظر عن المشاعر، وسمحت له أن يترك فيها أثرًا، التفكير بسوء هذا الفعل أو حُسنه سيأتي لاحقًا، فبعض الأمور نفعلها بتهور، دون تفكير، كالحُب مثلًا.

......................

كان جيمين في مكتبه يعمل على بعض الملفّات، كالعادة؛ الهدوء يحفّه من كل حدبٍ وصَوب، إلا أن ملامحه مُعكّرة كما يكون دائمًا.

ولا يحق لأحد لومه صراحة، فلقد كان إستحقاقه من المأساة حِصة الأسد، كل ما مرّ فيه كان كافيًا ليجعله الشخص البارد الذي هو عليه، فمشاعره لم تموت وحسب، بل قُتِلت.

لكنه تعلم دروسًا في حياته، أولها ألا يطلب المساعدة من أحد، ثانيها ألا يساعد أحد، ثالثها أن الحب كذبة، وآخرها أن النساء سيدات أبليس.

طرق أحدهم الباب فأذن له بالدخول، وإذ بها هي الآنسة جيمين، نظر لها جيمين شزرًا، ثم أشار لها أن تتقدم وعاد إلى أشغاله.

" ماذا تريدين؟"

بان الإرتباك عليها، لكنها رغم ذلك؛ وضعت على طاولته ملف وقالت بعد حمحمة.

" لقد أخبروني أنه يجب علي تسليم الملف مباشرة لك فورما أنتهي منه، وها هو ذا حضرة المدير."

رفع جيمين نظره لها فأخفضت بصرها وإزدرئت جوفها، حينها أعاد بصره إلى أوراقه وقال.

" هذا أفضل ما لديكِ؟!"

تحمحمت لا تدري بِما ترد، ثم قالت.

" وضعت كل جهدي فيه، أرجو أن يكون مُرضيًّا"

تناول الأوراق ونظر في عملها، مُتقن كمتدربة، لا يستطيع أن ينكر أنها كانت طالبة مُجتهدة لديه، ويبدو أنها لازمت الإجتهاد في الجامعة جتى أصبحت هكذا.

أومئ، ثم وضع الملف جانبًا، وبظهر يده أشار لها أن تُغادر ففعلت دونما أن تنطق بحرف، إنه عمليّ جدًا، لا مجال لها أن يلحظها.

لكن ما مضت ثوان منذ خروجها حتى سمع صوت صرخة أطلقتها أُنثى.

" ما الذي يحدث؟!"

صاح بهذه وما أجابه أحد، لذا نهض ليرى ما في الأمر، وإذ بها جيمين أرضًا، وقد أسقطت على ثيابها حِبر الطابعة فيما الورق قد تناثر في كل مكان.

" ما هذا الهُراء؟!"

صاح جيمين بعصبية، وفورًا ما وقفت جيمين، إعتذرت تقول.

" أنا آسفة، لكنني كنتُ أضع بها الحِبر وضربني تيار الكهرباء، ما قصدتُ إثارة الجَلبة، أعتذر مُجددًا"

تنهد جيمين، ووقف متخصّرًا يرمقها بأستياء، وإلتزمت هي الوقوف بإستقامة محنيّة الرأس، ثم هو قال مُتهكمًا.

" ألا تعرفي كيف تتعاملي مع آلة طابعة؟!"

إعتذرت مجددًا بينما جيمين توجه لإلقاء نظرة على الآلة، وفجأة ضحك مُستنكرًا وإلتفت إليها، فالطابعة تعمل بشكل سليم، لا عطب بها.

" تحاولين لفت إنتباهي بطُرق غبيّة هذه المرة، أليس كذلك؟!"

عقدت جيمين حاجبيها بلا فهم ونبست.

" لستُ أفهم لِمَ تحدثني بهذه الطريقة، لكنني لم أفعل شيء يلفت نظرك"

إرتفع حاجبه مستنكرًا، وتضاحك يتقدم منها حتى أصبح قِبالتها يفصلها عنه خطوة، وذاك ما أربكها، أوقد نار الشوق في صدرها، وراح قلبها يرقص بصخب.

" حضرة المدير، لا تُسيء فهمي لو سمحت!"

استنكر يرفع حاجبًا.

" لا أُسيء فهمك؟!"

نفى برأسه واتبع.

" لا، أنا فهمتكِ جيدًا!"

رفعت بصرها إليه، وكادت أن تتكلم لولا أنه صاح بوجهها جعلها تجفل وترمقه فقط.

" كُفي عن كونكِ مُجرد طِفلة مهووسة وغبيّة!"

قضمت شفتها تحاول منع نفسها عن البكاء، لكنها لم تقدر على ذلك، بكت أمامه بهدوء، بلا ضجّة فقط دموع.

ثم فجأة مسحت دموعها وأومأت.

" فلتعتبرني كذلك إذن، سأتحمل طيلة فترة التدريب معاملتك هذه وظنونك بي، وفورما تنتهي فترة التدريب سأغادر، ولن تلاحقك هذه الطفلة المهووسة بعد الآن، أنا آسفة لأنني أزعجتك على آية حال، وآسفة لأنني تصرفتُ بغباء في الماضي، وطاردتُكَ كمهووسة"

مسحت دموعها، رتبت ثيابها، ثم إنحنت له وغادرت من أمامه بلا أن تُضيف كلمة، جيمين إكتفى بأن يهزأ بضحكة خفيفة ثم عاد إلى مكتبه، لن تنطلي عليه مثل هذه التصرفات التي غرضها جذب إنتباهه.

أما جيمين فعادت إلى مكتبها ببدن يرتعش، ثم وضعت رأسها على طاولتها وأسهبت في البُكاء، المعضِلة أنها لا تستطيع توضيح سوء الفهم فيما هو قد كوّن فكرة مُسبقة عنها يَصعُب تغييرها.

كثيرًا ما تلوم نفسها وترغب في العودة بالزمن إلى الطائشة التي كانت عليها لتخنق نفسها قبل أن ترسل خلفه تابعًا يُراقبه.

لقد دمرت ما يصعب إصلاحه...!

...................

كان يقف الأستاذ كيم خلف سياج مَلعب المدرسة حيثُ نظّم حفل بداية العام الدراسي بنفسه.

وهنا أوكتافيا كانت في لُب الملعب تتفقده، فهي تُنبّش عن خطأ، خطأ واحد يكفي أن تأخذه حُجّة لتستدعي الأستاذ كيم وتوبخه على إهماله، خطأ واحد مهما كان صغير.

لكن كل شيء مثالي بطريقة فاجئتها، لا تجد شيئًا توبخه عليه، الأطفال مستمتعون بالألعاب والمهرجين، كما أن الترتيبات في المدرسة الإعدادية والمدرسة الثانوية لا تقل مثاليّة عمّا هو الحال هُنا.

لقد كانت المدرسة الإبتدائية آخر أمل لها، ولكنه بعمله المُتقن حطّم آمالها.

" كل شيء مثاليّ سيدتي، أظن أن الأستاذ كيم قد إجتهد حقًا في التنظيم للحفل!"

أومأت أوكتافيا فيما تتنهد وتعقد ساعديها إلى صدرها، لوكاس مُحق، يظهر إجتهاده في العمل عبر النتائج، لذا...

سيكون عليه أن يكون مُجتهدًا دائمًا...

تقدمت منه حيث يقف خلف السياج، وفورما وقفت أمامه إنحنى لها وقال.

" هل نال العمل إعجابكِ سيدتي؟!"

ودت أن تضحك من فَرط السُخرية في هذه اللحظة لكنها إكتفت ببسمة هازئة، وفيما حلّق حاجبها أومأت له، ثم قالت قبل أن تتجاوزه بمساعدها.

" كثيرًا لدرجة أنني سأحلّ لجنة تنظيم الأنشطة، واكتفي بك أستاذ كيم!"

وبهذا لا يكون عمله أثمر للتخفيف عنه، بل إزدادت أعباءه، لكنه لم يكن يتوقع أن تعفيه من هذه المهمة، بل توقع أن ترمي بكل العمل على كاهله.

بينما هي أوكلته بأعمال كثيرة كي تعذبه حتى يرفع رايته البيضاء، هو إبتسم وببساطة أومئ.

" لن أعتبر هذا ظُلمًا بل ثقة في جودة عملي، لذا سيدتي لا مشكلة، سأكون المُنظم الوحيد للأنشطة"

والآن ما إستطاعت أن تحبس ضحكتها من فرط السخرية وقالت.

" أنت لا يحق لك أن ترفض على آية حال أستاذ كيم!"

استذكرت بعدما غادرته بخطوة.

" اتفقنا أنك المسؤول عن تنظيم حفل عشاء للكادر الوظيفي، هل فعلت؟!"

بانت غمّازته الغائرة في وجنته وقال.

" أراكِ في السابعة، بعثتُ العنوان لكِ عبر البريد الإلكتروني"

بعدما سمعت ما قال غادرت دون أن ترد حتى، ثم جعل جونغ إن يراقب ظهرها مُدبرًا يتبعها الشاب الطويل.

تنهد بينما ينظر لها وهمس.

" أستحق أن تسحقيني يا أوكتافيا، وتتجبري عليّ كما شئتِ، رغم أن ذلك لن يعوضكِ بشيء"

" فقط احضري ابنتي معكِ مساءً، حسنًا؟!"

....

في المساء، كان يرتدي الأستاذ كيم بدلة رماديّة أنيقة، فيما يرفع شعره عن ناصيته بفاصلة، كان على كامل أناقته ووسامته، جذّاب كما إعتاد أن يكون مظهره.

وصل مكان الحفل قبل الحضور، فهو المُنظم، وعليه التدقيق في الأمور وتفقدها، كي لا تجد سيدته عليه خطأ.

بعد وقت؛ بدأ الحضور بالتوافد، بعضهم أتى وحدهم وبعضهم جلب معه شريكًا، كان ينظر الأستاذ كيم هنا وهناك لتفقد الأمور حتى كثر الحضور وعجّ المكان بالناس.

إلتفت الأستاذ ينظر إلى ما ينظروا إليه الحضور بعدما إزدادوا صخبًا، وإذ بها أوكتافيا، تعاضد ذراعها ذراع الطبيب زانغ، الرجل الذي ظهر من العدم بالنسبة لجونغ إن.

كان بيده كأس نبيذ فيما هما يتنقلان بين الطاولات للترحيب بالحضور، ترتدي فُستانًا أحمر يضيق على جِذعها ويصل حتى رُكبتيها فيما تترك شعرها حُرًا وتضع في عُنقها ماسّة.

تعاضد ذراعها ذراع الطبيب بجانبها، تنظر إليه وتبتسم ثم تنظر في الحضور، وقد وصل جونغ إن حدّه من الغيظ لدرجة أنه ما شعر بزجاج الكأس ينغرز في لحم يده، حتى برح النادل مكانه وأتاه قلِقًا ينبهه.

" سيدي، إنك تنزف!"

" ها؟!"

خرج جونغ إن من شروده ونظر حيث يشير النادل، وإذ بالدماء تُقطر أرضاً، تنهد يضم قبضته ثم قال.

" لا عليك، أنا بخير"

ذهب إلى دورة المياه وغسل يده، ثم استند على الحوض ونظر في المرآة أمامه، تنهد.

" هل خسرتكِ بالفعل إلى الأبد؟!"

أخفض رأسه قليلًا يُفكر، ثم أتته فِكرة مجنونة، إتصل بتيمين.

" أخي، هل تستطيع أن تؤمن لي طائرة خاصّة ومنزل بعيد عن ضوضاء المدينة هنا؟!"

" فيما تحتاجهما؟!"

....

عاد جونغ إن إلى الحفل، تناول كأس نبيذ من على صينية النادل المتجوّل، وراح يتحدث مع زملائه من المعلمين.

لن يلفت النظر إليه، لن يثير جلبة هنا، سيحاول أن يكون هادئ إلى أقصى حد فيما المستقبل يحمل الكثير من المفاجآت.

لكن كل ثباته وهدوئه أخذ يتبدد حينما تطاولت ذراع الطبيب وعانقت خصر أوكتافيا، أخذ يضغط على الكأس بيده، ثم تنهد يضعه على الطاولة، يريد إحدى يديه صالحة على الأقل.

نظر له الطبيب زانغ ثم إبتسم بطريقة مُستفزة، ولكي يزيده غضبًا أخذ يهمس في أذن أوكتافيا وهي تضحك وتبادله الحديث.

المشهد الحميمي أمامه أثار غيظه على آخره، وأخذ يُتمتم تحت أنفاسه.

" جونغ إن إهدأ... جونغ إن إهدأ...!"

لكن جونغ إن ما عاد قادرًا أن يتحمل الحميمية التي هما فيها، رصّ قبضته وهسهس.

" جونغ إن لا تهدأ...!"

تقدم منهما يسيطر عليه غضبه، حينها لفت إنتباههما، وقف جونغ إن بمواجهة يشينغ ونبس.

" لا يعجبني المشهد الخليع الذي تمارسه عليها، لذا ضع يدك في جيبك وابتعد عنها!"

دقّ يشينغ صدر جونغ إن بقبضته وقال يظهر عليه السخط.

" إنها لا تخصّك، فابتعد عنها وزيّن صورتك المجتمعيّة بحرص"

نظر جونغ إن إلى حيث ضربه الطبيب ونبس.

" تبًا لك ولي لو سمحتُ لك بالتمادي معها أكثر!"

وثارت الجلبة بين الرجلين، فقد لكم جونغ إن فكّ يشينغ حتى أسقطه، والآخر نهض ليسترد حقه.

إرتفع صوت صرخات النساء، والرجال تجمعوا عليهما لفكّهما عن بعضهما البعض، فيما تقف أوكتافيا وتنظر إليهما بلا تصديق، يشينغ الذي لا يفقد رابطة جأشه، وجونغ إن الذي يخشى أن يستخدم قبضته ضد رجل، أصبح جسورًا كفاية ليفتعل شِجارًا.

أخذا الرجلين يلهثان فيما يقيدونهما بعض الرجال من الحضور، مسح الطبيب دماء شفتيه فيما جونغ إن ترك دماءه تسيل ونظر إلى أوكتافيا التي ما زالت في أوج صدمتها.

أشار لها بسبابته وفيما يسرق من الهواء أنفاسه قال.

" أنتِ... افعلي بي ما شئتِ، لكن لا تغظيني به، فأنني بهذه الحالة لن أكون قادرًا على كبت غضبي"

كادت أن تتكلم لولا أنه صاح.

" لن أسمح لرجل آخر أن يدخل حياتكِ وحياة ابنتي ويحتلّ مكاني بهذه السهولة، أنا هنا كي أستعيدك، ولن أسمح لشيء أن يقف في طريقي إليكِ، لا هذا الطبيب ولا غيره"

تفلّت من الرجال وتقدم منها يقول.

" ولا حتى أنتِ يا أوكتافيا!"

..................


سلاااااام

كيفكم؟ تحديث بوقت الفجر😂

منيح أني قدرت أكتبه على آية حال، النت فصل وما أضمن أني رح أنشر منيح في المستقبل، لكن لما تتوفر الفرصة رح أنشر.

الفصل القادم بعد 100 فوت و 400 كومنت.

1.رأيكم بجونغ إن؟ التغيير الكبير الذي طرأ على شخصيته؟ هل ترونه يستحق فرصة؟ وإلاما يخطط؟

2.رأيكم ببيكهيون؟ هل يستحق فرصة؟

3.رأيكم بإيزابيلا؟ هل تغالي في غضبها من بيكهيون؟

4.رأيكم بأوكتافيا وتسلطها على جونغ إن؟

5.رأيكم بكيم/ بارك جيمين؟

6. رأيكم بالطبيب زانغ؟ وما أسفرت عنه السنين بشأنه؟!

7.رأيكم بالبارت ككل وتوقعاتكم للقادم؟

دمتم سالمين♥️
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
Love♥️

© Mercy Ariana Park,
книга «تفاح محرم».
CH47|| قلبي يحبها
Коментарі