Report
Chapter One
Chapter Two
Chapter Three
Chapter Four
Chapter Five
Chapter six
Chapter Seven
Chapter Eight
Chapter Nine
Chapter Ten
Chapter Eleven
Chapter Twelve
Chapter Thirteen
Ch14|| حواء
Ch 15|| خليل الهان
CH 16|| أحكام
Ch17|| الحب و أشباهه
CH18|| فوضى مشاعر
CH19|| رعشة البتول
CH20||فرائس الحب
CH21|| فقدان الفردوس
CH22||حقوق ليست بمحلها
CH23|| تفرِقة
Ch24|| في قاع الحب
CH25|| إلى الهاوية
CH26||حب و جريمة
CH27||خالل الهان
CH28||أساس ركيك
CH29||مُبهم
CH30||صراع القلوب
CH31||الأعزب ليلاً
CH32||إنجلاء قِناع
CH33|| مذلة و نذالة
CH34||في الصفح و الحقد
CH35|| لا يتعظ
CH36|| عصيٌ على الطُهر
CH37|| هوّة
CH38|| حُب الرُّهبان
CH39|| إمرأة للبيع
CH40|| المرأة الثمينة
CH41|| من ضلع الكرامة
CH42|| ابن الهان
CH43||تَمسّ السماء بأناملها
CH44|| أزمة عاطفيّة
CH45|| بداية النهاية
CH46|| اللوتس
CH47|| قلبي يحبها
CH48|| عُقد النقص
CH49|| وعد
CH50|| أزمة ثقة
CH51|| إعتذارات ومعاذير
The End|| تُفّاح مُحرّم
CH50|| أزمة ثقة
" أزمة ثِقة"









" بما أن لارا تسببت بالحادثة، كان لزامًا عليّ أن أدفع فاتورة المستشفى على الأقل، لم يكن عليك أن تطلب المال من تيمين."

كان يسير جونغ إن بضماد ثخين يَلُف رأسه، تجاوره بالمسير أوكتافيا، وهي تتذمر فيما يخرجا معًا من المستشفى.

تبسّم جونغ إن حينئذ، وشزر إليها يُلاطفها بنظراته الودودة وإبتسامته اللطيفة، فلقد أصبحت معه أكثر لينًا بعد الحادثة.

" لارا ابنتي أيضًا، ليس عليكِ أن تتجاهلي هذا الأمر، هي أيضًا مسؤوليتي."

أومأت بحرج فيما تتلمس عنقها، فلقد حسّت بأن الذي يجمعهما أكبر مِما تظن، لارا ستبقى أكبر ما بينهما.

" نعم، صحيح!"

اللين في نظراته، وكلماته، وكل إيحائات وجهه تُشعرها بالحرج والخجل الشديدين، إذ هي لم تتعود على هذا اللُطف منه وتجده غريبًا.

ليست تدري إن كان يتعمد التصرف بهذه الطريقة والتأثير عليها إلى هذا الحد، ولا تدري حتى إن كان يعلم أن هذا الوِد، الذي يوجهه لها، يجعلها تشعر نحوه بالغرابة والخجل.

توقفا معًا أمام سيارتها التي تَصُفّها بالمصفّ التابع للمستشفى، كانت مُحرجة بأن تُدلي له بما يجول في عقلها كذا مُترددة، وذلك كان واضح من إيماءات وجهها وتشابك أصابعها.

أتعرض عليه توصيلة أو تكتفي بمساعدته إلى هذا؟ أيهما الصائب؟
لا تدري

نظر لتلك الفوضى التي تُعقب عليها الآن، وما إن استدرك السبب في ذهنه قال مُبتسمًا.

" ليس عليكِ أن توصليني إلى شِقّتي، أنا رافقتكِ إلى هنا كي أودعك، أستطيع أن آخذ سيارة أجرة"

تحمحت ثم نظرت إليه.

" أتملك أجر السائق؟"

ضحك جونغ إن وهتف مستنكرًا.

" لستُ مفلسًا إلى هذا الحد لو تعلمين!"

همهمت وطأطأت برأسها، حينها رفع يده فيما يتراجع وأخذ يلوح لها.

" الآن وداعًا، أراكِ قريبًا"

رفعت سبابتها نحوه فيما يغادر وهتفت.

" كُن حذرًا، سأتصل بكَ لاحقًا"

ضحك واستدار عنها يقول.

" حسنًا، عودي إلى المنزل"

غادر جونغ إن فيما تعلو وجهه إبتسامة لن تفشل بإستمالة أي قلب كان، ذلك لأن قلبه يتمايل على شتّى الألحان المُبهِجة.

أوكتافيا تسآلت في جوفها بينما تراقبه يُغادر، منذ متى وهو بهذه الوسامة؟

...

في المساء، كانت أوكتافيا تنطوي على أريكتها في شِقتها وتفكر بعمق، تتصل أو لا تتصل، تتصل لا تتصل، بلى كلّا، وكثيرًا من هذه الحيرة.

تنهدت بأستياء وجلست على الأريكة مُعتدلة، لا تستطيع أن تقرر أي الأمرين الصحيح، هي حتى لا يُمكنها أن تفكر أكثر.

وكانت في غِمار حيرتها هذه غارقة حتى شعرت بمن يحتضن رقبتها من خِلاف، ورأس صغيرة تستند إلى كتفها الشمال.

" ماما، لِمَ قلبك يدق بهذه السرعة؟!"

تحسست حيث أشارت صغيرتها، لِمَ يدق بهذه السرعة؟!

يبدو أنها جُنّت، أيعقل أن تقع في الحب مجددًا ولنفس الشخص أيضًا؟!

لقد كان حُبًا آثم، كيف تسقط في فِخاخه مجددًا؟!

هل يحدث هذا مع البشر عادة، أم أنها المجنونة الوحيدة؟ أم أن لها أحمق يتلهف للحب؟

تنهدت مرة أخرى مُستاءة من هذه المشاعر الحمقاء التي تراودها، وأبعدت رأس طفلتها عن كتفها، فهي لم تنسى أنها على خِصام معها.

" اذهبي إلى غرفتك الآن، حان وقت نومك"

نبست الطفلة بنبرة حزينة.

" ماما، ألن تكلميني؟ ما زلتِ غاضبة مني؟"

تنهدت أوكتافيا، ونظرت إلى طفلتها ذات الملامح الباكية.

" وما الذي تظنّيه بعد فعلتكِ هذه؟
ربّيتكِ بدلال وعناية لتكوني سعيدة، لا لينقلب عليّ هذا الدلال، وتُقدمي على فعلٍ مُتمرد كالذي فعلتِه"

أشارت إلى غرفتها واتبعت.

" أنا لا أفكر في مسامحتك، لذا عودي إلى غرفتك"

نهضت الطفلة من خلفها ونزلت عن الأريكة.

" ماما أنا آسفة، فلتسامحيني قريبًا"

وحينما تلقّت الصغيرة تجاهلًا تام من أمها هرولت إلى غرفتها تبكي.

حتى لارا تسبب لها الحيرة، لقد أخطأت في تربيتها، قامت بتدليلها زيادة عن اللزوم، والآن هي تتلقى نِتاج ما فعلت معها.

لكن لم يمضي حفنة من الوقت حتى أطلّت الصغيرة برأسها عبر باب غرفتها، كانت قد مسحت دموعها، وقالت تخاطب أمها التي ما زالت في مكانها جالسة.

" ماما، هل أستطيع أن أتحدث مع بابا؟ إشتقت له"

وهذه كانت الفرصة لتحسم أوكتافيا الأمر بشأن حيرتها، فهي ما زالت تفكر، تتصل أو لا تتصل.

" لولا أنه طلب مني أن يتحدث معكِ لما وافقت، تعالي إلى هنا"

ركضت لارا إلى أمها، واستولت على حِجرها تتجاهل تمامًا الشجار الذي حصل قبل بعض الوقت.

تنهدت اوكتافيا بأستياء شديد ثم هتفت بعصبية.

" هكذا أنتِ، تشبهين والدك، تستوليان عليّ دون إعتبار لإرادتي"

نبست لارا بهدوء فيما تبحث عن اسم والدها في هاتف أمها.

" علامَ إستولى أبي منكِ؟"

مسحت أوكتافيا على وجهها، ثم نقرت رأس لارا بسبابتها تتذمر.

" ليس عليكِ أن تعلمي، اهتم بشؤونك!"

نبست الصغيرة تبتسم وهي تضع الهاتف إلى أذنها.

" ها أنا اهتم بشؤوني"

توسعت إبتسامة لارا أكثر وهمست.

" مرحبًا بابا!"

إسترقت أوكتافيا السمع بلا أن تُلاحظ ابنتها، وحينما أجاب جونغ إن بنبرة مفعمة بالسعادة إبتسمت.

" أهلًا يا أميرة بابا، كيف حالك؟"

برمت لارا شفتيها بحُزن وهمست.

" إشتقتُ لك"

" اوه ابنتي الصغيرة! سآتي لأراكِ قريبًا، حسنًا؟"

سرعان ما إستشرى السرور وجه الطفلة فهتفت.

" تأتي لزيارتنا هنا في المنزل!"

" هممم، لا أظن ذلك، سأتفق أنا وأمك ونلتقي في مكان ما، حسنًا؟"

ورغم عدم رضى الصغيرة لكنها لم تعترض.

" حسنًا بابا"

ثم نظرت إلى أمها التي تتلصص على المكالمة وقالت.

" بابا خُذ ماما، تريد التحدث معك"

شهقت أوكتافيا لمكر هذه الصغيرة، فضحكت تكتم فاهها ثم هربت إلى غرفتها، تناولت أوكتافيا الهاتف، وتنهدت تستجمع أنفاسها ثم تحدثت إليه.

" هل أنت بخير؟"

كان يبتسم منذ أنه لم يلتمس نبرة القلق في صوتها عليه مُسبقًا، ثم همس.

" نعم، أنا بخير"

صمتت لبضع لحظات، فيما ترسم بسبابتها دوائر فوق الحيز الشاغر على الأريكة.

" إذن هل أنت بحاجة إلى أي شيء؟"

" لا، في الواقع؛ كنتُ أخطط لأخرج إلى البقالة كي أحضر بعض الأشياء التي أحتاجها، أستطيع فعل هذه الأشياء بنفسي، لا تقلقي"

لم ترد؛ منذ أنها في حالة توتر شديدة منعتها عن التفكير بالتفوّه بأي شيء حتى، جونغ إن تفهّم الحالة التي تمُر بها، فلقد سبق وإن مرّت بهذا التردد معه، لكنها الآن لو أتت إليه لن يكون إلا الفعل الصحيح، لا إثم فيه، فبادر إلى طمأنتها بشأنه وافتتح حديث.

" الإصابة لم تكن خطرة إلى هذا الحد، ولا تُعيقني عن مزاولة حياتي اليومية بشكل إعتيادي، بمجرد ما أتخلص من هذه الضمّادة على رأسي سأعود إلى العمل"

قالت.

" الطبيب قال أنك ستلزم الضمادة أسبوع كامل، ثم عليك أن تلتزم بلاصقة طبية لأسبوعين آخرين، تعلم، في رأسك خمسة غُرز طبيّة"

همهم وأجاب.

" سأبقى في المنزل طالما الضمادة على رأسي، ثم سأعود عندما يضعوا لي لاصقة بدلًا منها، تعلمين اللاصقة يمكنني إخفاءها بقُبعة ما"

" اووه نعم!"

ثم دار الصمت بينهما من جديد، وهذه المرة لم يعلم جونغ إن ما عليه أن يقول.

" حسنًا أراكِ في المدرسة قريبًا، سننظم لقاءً بين ثلاثتنا حينها"

" حسنًا وداعًا"

.............

كان يجلس جيمين إلى مكتبه في مِثل هذه الساعة من اليوم، فيما هو مشغول بالنظر في بعض الأعمال؛ التي تولّى مسؤوليتها على عاتقه إداريًا،إلا أن طرقًا خافتًا على باب مكتبه شتت تركيزه عن البيانات المطروحة أمامه، فدعى الطارق إلى الداخل بعدما تنهد مُنزعجًا، فهو لا يُحب أن يزعج أحد خِلوته بعمله، لذا قليلًا ما يتطفل أحدهم عليه.

لكن سُرعان ما إنشرحت معالمه حينما رأى هذه الصبيّة، تلج إليه عن البال بإبتسامة عمليّة، وتكتنز على جسدها قميص أبيض وتنورة باللون الأزرق السماوي.

يحتضن شعرها جنبات وجهها، وينام على كتفيها براحة، وتضم إلى صدرها ملف التدريب الذي يخصها، بينما صدرها يضم قلب لا يراه عامر بالنبضات ، بشكلٍ غير إعتيادي.

إقتربت جيمين من طاولة مُدرّبها، ثم إنحنت بقامتها إليه تقول.

" مرحبًا سيدي، أنا المُتدربة بارك جيمين، وقد أعادني المدير كيم تيمين إلى الجدول تدريبي لديك، أرجو أن أكون عند حُسن ظنك"

قضم جيمين شِفته السُفلى فيما يعقد ذراعيه فوق سطح المكتب، فرغم أن حضورها سرّه، لكنه لم يُسر بعلمه أن تيمين من أعادها، فهو يفهم نوايا أخيه، وإلاما يريد الوصول.

لذا رويدًا رويدًا رأته يرفع شدقيه وضحك ضحكة هازئة من هذه الاحداث السخيفة، ثم ضرب الطاولة بقبضته وزفر عن مقته بالكلمات قبل الأنفاس.

" أتظُنّي أن التدريب لدي لُعبة؟! تأتي متى ما أردتِ وتُغادري متى ما أردتِ!"

لم تجبه، فقط إنحسرت إبتسامتها وما إنفكت ترمقه بنظراتها، تنهد فيما ينظر بملامحها الخرساء عمّا تشعر به، ومد يده يطالب بملف تدريبها.

منحته أياه، فقام برميه بسلة المهملات التي تَسفُل طاولته، وأشار بعينيه إلى الباب.

" الواسطة والمحسوبية لن ينفعانكِ معي، لذا غادري واذهبي من حيث أتيتِ"

جيمين لم تنفذ ما قال، لأنها تدري أنه عليها مواجهة الكثير من العقبات في طريقها إليها، وهو أكبر عقبة تعيقها عنه.

كانت تشابك يديها خلف ظهرها وتنظر إلى الأرض فقط، وذلك ما جعلته يستهجن تصرفها.

" ألم تسمعي ما قلت؟"

إرتفع حاجبه، فهو يكره أن يتجاهله أحد، لأن التجاهل يستفزه، حينها أقامت رأسها وأومأت.

" سمعت، لكن بأي حق أنت تصرخ علي وتأمرني؟
هل أشكوك لأنك أسأت إستخدام سلطتك ضدي؟
هل أقاضيك؟"

زفر وإتكئ بظهره ينظر إلى هذه الفتاة أمامه، لا يصدق أنها ذات الفتاة، التي لا تنظر في عينيه حتى لفرط خجلها وتوترها منه، الآن تتحدث بلسان سليط وعين قويّة.

متى إكتسبت كل هذه القوة والعزم وعادت إليه؟!

نهض جيمين عن مقعده، وسار حتى أدركها، فوقف أمامها، ثم عقد ساعديه إلى صدره ينبس.

" اذهبي واشتكي، أتظنيني أهتم؟"

حركت كتفيها بجهل، ثم برمت شفتيها تفكر.

" والدك سيغضب لو كنت السبب بسقوط سعر الأسهم، إساءة إستخدام السُلطة تعتبر جريمة وفضيحة كما تعلم، هل أبلغ عنك؟!"

أعصابه، التي يحاول كبح جموحها منذ أن فتحت فاهها وتفوهت بهذه التُراهت أمامه، ما عاد قادرًا على ضبطها، إذ عضّ على عضديها بأصابعه، التي رغم قصرها ولطافة شكلها إلا أنها آلمتها، فامتعضت ملامحها متأملة وحاولت تشييد السلامة حولها والإنفكاك منه، لكنه كان أقوى.

" لا تحاولي أن تهدديني ثانيةً، إن أردتِ اذهبي وبلّغي عني"

أفلتها فرآها تتمسك بموضع قبضته بألم فقال.

" يمكنكِ الآن كتابة تقرير طبيّ"

تحمحت تنفض يديها وتستجمع في نفسها العزم والشجاعة من جديد، فلقد هزمها في أول معركة، لكنها ستنتصر بالتالية.

فالحب حرب من سلسلة معارك، منها البسيط ومنها المُعقَّد، منها الخالد ومنها الزائل، والفائز ليس من يلحق الهزيمة بمُنازعه، بل من يكسبه ويربح قلبه.

قالت له بعدما ابتعد عنها، وإتكئ على طاولة مكتبه فيما يخفي كفيه في جيوب بنطاله.

" ليس لأنني أخافك لن أبلغ عليك، بل لأنك لا تهون عليّ رغم أنني أهون عليك كما أرى"

قبض حاجبيه من كلامها الغريب، فاتبعت وقد بانت على شفتيها إبتسامة.

" في الحقيقة؛ لقد إستخدمت التدريب كعُذر حتى أعود هنا"

" ولِمَ تعودين؟"

إقتربت منه حتى بقي بينهما شِبر فقط، ثم همست فيما تميل رأسها عليه، لتنظر في ملامحه التي تفضح جهله، وابتسمت.

" عدتُ لأنني أملك هنا رجلًا، أود الحصول عليه"

تهكم ونبس.

" هذا ليس مكتب يوافق بين الأحباء ليتواعدوا، أنتِ لن يتوفر لكِ فرصة أن تفكري برجلكِ ذاك حتى!"

أومأت وابتسمت.

" سوف نرى حضرة المدير"

فماذا لو كان ذاك الرجل أنت؟!

يفرّ الغيظ من عينيه المُسبلتين إليها، وتراه يكظم غيظه بالكاد، إذ أن آخر ما تحدثت به طيَّر حِس المنطق لديه، فبعد إن ابتعد عنها عاد ليقترب، ولم يكن واعيًا لقربه الوشيك، إذ أنها تشعر بأنفاسه وحرارته مُلتصقة بها.

" هل أنتِ تتحديني الآن؟!"

" هل تقبله؟!"

أومئ يقول.

" لا أحب ألعاب الأطفال، رغم ذلك سأقبل لتري أنكِ لا تقدري على فعل شيء معي"

تراجعت عنه عدة خطوات فيما تبتسم ثم إنحنت وانصرفت، عليه أن يشعر بخطر خسارتها كي يتمسك بها، هكذا ما أخبرها به تيمين.

لكنها لم تكن واثقة، فلقد ودّعته مرة، وبكل جديّة أعلنت إنصرافها من حياته، لكنه ما اهتم، ولم ينظر إليها حتى.

الآن؛ ستثق بوعد تيمين وحُجته، بأنه يحبها لكنه يأبى أن يعترف لنفسه حتى، ربما يتطلب الكثير من الوقت وربما القليل، على آية حال؛ هي ستتعلق بحبال الأمل، وتخوض في تجربة الحب هذه، وتمنحها فرصة.

فإن صار الجمع بين قلبها وقلبه كان خيرًا، وإلا فهي لن تندم على حب ضيّعته بما أنها أعطته فرصة لينمو.

....................

يَمُر الوقت وجونغ إن يتعافى من إصابة رأسه، واليوم هو أول يوم لعودته إلى المدرسة، لاقى ترحيبًا حارًا من زملائه ومن طُلابه.

بدى سعيدًا والإبتسامة تحفر وجنتيه العريضتين، فلقد أبلى حسنًا، أثبت شجاعته وصلاحه.

جونغ إن هو كاللوتس الأبيض، تتأصل جذورها في مكان قذر، ولكنها تنبت لتكون أجمل زهرة، جونغ إن من هذا الوصف، وعلى أجمل وأرق.

كانت تتطلع إليه أوكتافيا من نافذة مكتبها فيما لوكاس يقف خلفها، ولم تكن تدرك أنها تبتسم بينما تنظر إليه، لكن لوكاس قد لاحظ ذلك بالفعل، لذا تسآل بإبتسامة.

" سيدتي، هل ستعودين إليه؟!"

إلتفتت إليه سريعًا فأخفض رأسه واعتذر.

" لم أكن أقصد، أعتذر"

تنهدت، لتربت على كتفه، ثم تجاوزته حتى جلست خلف طاولاتها.

" لم يزعجني سؤالك، لا بأس"

لكنها في داخلها كانت تفكر، هل ستعود إليه حقًا؟
ماذا عن وعدها له؟
هل عليها بإيفائه أم عليها إعتباره مجرد إندفاع في لحظة يأس؟!

يكاد رأسها أن ينفجر لكثرة ما فكّرت بالأمر، لا تدري ماذا ستختار وماذا ستفعل، وكلما اقترب موعدهم الذي سيكون بعد دوام المدرسة تزداد توترًا، فربما هو يفتح الموضوع معها وربما لارا تتكلم، في كل الحالات هي عالقة، عليها أن تمنح إجابة لا تدري ما ضمانتها عليه.

نعم ولا في نفس الوقت...
تريده ولا تريده في نفس الوقت...

لكن الشيء الوحيد، الذي تدركه، أن قلبها قد رَقّ عليه وما عاد بغِلظة الماضي ناحيته، ربما يرق أكثر مع مرور الوقت، وتقع في حبه، حينها لو رفضته ستندم.

وفي كل الحالات التخلي عنه تشعر أنها ستندم، لِمَ؟!
لأنه الوحيد الذي يناسبها، عيوبهما متشابهة.

هي خانت معه وهو خان معها، عيوبه من عيوبها، وكلاهما يحاول إصلاح نفسه وتحسين علاقاته.

لن يخبرها أنها ناقصة كرامة لو إختارته، لن يخبرها بأنها ستخونه لو إختارته، ستضمن أنه لن ينظر لها بدونية ولن يرمقها بنظرة شك، فكلاهما اعتبرا ما مضى ماضي وبدأا من جديد، فلن يُعيرها فيه ولن تُعيّره.

حان الوقت، تنهدت، تأخرت، وماطلت في الوصول، لكنها في النهاية هنا، تجلس قِبالته على طاولة، وبجانبه تجلس لارا.

كان مشغولًا بإبنته، بمنحها إهتمامه بالقُبل والأحضان والكلام المعسول اللازم لإيفاء شوقه لها حقه.

بدى لطيفًا وودودًا جدًا مع إبنتهما، وذلك ما أشعرها بالأرتياح وأسعدها، هو يجيد التصرف مع طفلته على الأقل.

كانت لارا تنظر في كوب عصيرها وترتشف منه عبر الماصّة بمهل، فالصغيرة أيضًا تفكر، وما زالت تلك الطفلة العنيدة التي تحصل على ما تريد مهما كان صعبًا، الأشخاص كالأشياء، عليها أن تحصل عليهم لو أرادت.

" بابا؟"

" همم؟"

تركت ماصّتها، ونظرت إلى والدها تعلوها ملامح جادّة فيما قررت ألا تلتفت إلى أمها وتتجاهلها، كذا لا تطيعها لتصمت مهما حثّت عليها فيه.

" أتدري ما هو السبب الذي جعلني أهرب من المنزل في ذلك اليوم؟"

نظر جونغ إن إلى أوكتافيا، التي توترت، ثم أعاد نظره إلى ابنته وقال بنبرة ليّنة.

" لا أعرف، ما الذي جعلك تهربي؟"

نظرت لارا إلى أوكتافيا، ولكنها لم تأبه بتحذيراتها وقالت.

" لأنني أريدك أن تعيش معنا"

نقرت أوكتافيا كتفها وقالت بإنزعاج.

" أخبرتكِ مرارًا ألا تتدخلي بأمور الكِبار، لكنكِ حقًا مُزعجة وعنيدة"

نظرت الطفلة إلى أمها وقالت بأستياء.

" لِمَ لا يحق لي أن تكون لي عائلة طبيعية من أم وأب؟

لِمَ علي أن أشعر بالنقص بسببكم؟

لِمَ الأطفال يعيرونني أنني بلا أب بينما أنا أملك أبًا بالفعل؟

لِمَ لا تفكروا بي أنا أيضًا؟"

أخذت لارا تبكي فيما تتحدث، وهرع جونغ إن لإحتضانها إلى صدره وتهدئتها، أجلسها على قدمه ولفّها بذراعيه الحاضنين، أوكتافيا تنهدت وأشاحت ببصرها عنهما فيما لارا تتبع وهي تبكي بحرقة.

" لِمَ عليكم منحي حياة ناقصة؟

لِمَ أنجبتموني من البداية إن كنتم ستفكرون بأنفسكم ولا تفكروا بي؟

أي آباء أنتم إذن؟!"

ضربت أوكتافيا الطاولة براحة يدها وقالت.

" لارا أنتِ لا تعرفي شيء، العالم ليس ورديًا كما تتخيّليه ولا مثاليًّا، لذا إلزمي الصمت ولا تتدخلي في مثل هذه الشؤون!""

إزداد إستياء لارا وأزداد نحيبها، مما جعل جونغ إن يضمها أكثر، ثم بنبرة هادئة لجئ للكلام، عساها أن تفهم الموقف.

" صغيرتي، أنا وأمكِ ما عدنا مُرتبطين كما الماضي، فلا يمكنني أن أعيش معكنّ أسفل السقف ذاته، أن يعيش رجل وإمرأة معًا دون علاقة رسميّة بينهما؛ لهو أمرٌ مُشين، ولا يمكننا فعله، حسنًا؟"

رفعت رأسها إلى والدها وقالت.

" لكن أنا من حقي أن أعيش معك أبي"

أومئ ومسح على شعرها قائلًا.

" أعلم، لكنني لا أجيد رعايتكِ كما يتوجب، ولا أظن أنه يمكنني أن أوفر لكِ نفس مستوى المعيشة، التي أنتِ مُعتادة عليه مع أمك."

رفعت الصغيرة بصرها إلى أبيها وهمست تستفهم.

" أبي أنت مُفلس؟"

ضحك مما قالت وأومئ.

" تقريبًا"

برمت لارا شفتيها وتنهدت.

" لكنني لم أقصد أن أعيش معك لوحدنا، أنا أريد كلاكما معي في نفس الوقت، ألا يمكن؟"

لم يدري جونغ إن بماذا عليه أن يرد، يخشى أن يقول يمكن وهو لا يمكن، أو يقول لا يمكن وهو يريد أن يكون ممكن.

" لارا يمكنكِ أخذ هاتفي واللعب عليه، لكن اذهبي واجلسي على تلك الطاولة الآن"

تناولت الصغيرة هاتف أمها وغادرت، فلقد تدخلت لإنقاذ الموقف، ولكن أي كلام لم يُقال بعد أن صرفت عنهما لارا، فاوكتافيا التي تكنز حديثًا كانت مُحرجة لأن تبوح به.

" ما كنت أعلم أنها هربت لهذا السبب، لكنني أظن أنها تفهم الأسباب الآن"

تنهدت أوكتافيا تشد قبضتيها أسفل الطاولة، ثم رفعت بصرها إلى جونغ إن وهمست.

" لقد وعدتك بأن أمنحك فرصة معي لو أحضرتها، والآن عليّ أن أفي بوعدي"

نفى برأسه.

" لا أريد هذه الفرصة لو كنتِ تجبرين نفسكِ عليها، لا أريد أن تشعري معي أنكِ مجبورة أو مُلزَمة بأي شيء، أنا لن أضغط عليكِ"

همست على مسامعه فيما تنظر إلى الطاولة.

" أشعر أنني سأندم لو ما أعطيتكَ هذه الفرصة، خذها وحسب واعمل بجد لتكسب قلبي"

زفرت أنفاسها بقوة فيما تكمش عينيها، فلقد تطلبها قول ذلك جُرءة وشجاعة كبيرة، فهي وضعت الآن رِهان كبير عليه، وترجو ألا يخيب النَرد.

تبسّم جونغ إن وأومئ، فقد إستشرت السعادة وجهه كُليًا.

" ثقي بي هذه المرة، وأعدكِ أنكِ لن تندمي أبدًا!"

أومأت فيما تتحسس عُنقها بأناملها، الخجل يكاد يحرق وجهها.

لكنها من كل قلبها ترجو ألا تخيب، وأنها هذه المرة على صواب.

....................

في إحدى الأُمسيات؛ يسير جونغ إن في الشارع واللهفة تعمّر ملامحه، كذا تنتابه نفحات سعادة، فلقد طلب من أوكتافيا أن تخرج معه بموعد خاص، وهي قد وافقت على طلبه، والأهم أنها لم تجبر نفسها عليه، بدت متحمسة ولكن خحول.

يتلهف للساعة التي ستجمعه بها، الوقت والمكان واللحظات الثمينة التي سيقدسها إلى أبعد حد فيه.

لم يدري جونغ إن كيف وقع لها ومنذ متى، لكنه يفهم أنه واقع بعُمق، هو في طَور الحب لأول مرة في حياته.

فلا؛ لم يُحب من قلبها ولا يظن أنه سيحب من بعدها.

الحب شعور متأصل في الروح، لا في الجسد، أن تحب أي أن تُثمّن روح الشخص وتعزّها، وهو كان يحب في زوجته المتوفّاة شكلها، لم يكن يحبها هي.

فلو كان يحبها لعزّها، ولما قطّع جذورها من عائلتها، لمّا عزّاها بأهلها، ثم عزّاها به، ثم عزّى نفسه بها.

لم يكن هذا حُبًا أبدًا...

الآن يود لو يفعل كل شيء، وأي شيء لتضحك أوكتافيا معه، لتبتسم، لتكون سعيدة بصدق دون أن تُزيّف مشاعرها.

يود لو يغمرها بالسعادة، أن يقدم لها كل كنوز الدنيا في يدها، أن يوهبها قلبه ونفسه وروحه قبل أن توهبه ظِفرها حتى.

هكذا أصبح يُحب، بل هكذا تعرّف على الحُب...

شاكرًا للرب أنه منحه فرصة لأن يعيش بإستقامة، أن يعيش بحق، ويعرف كيف يعيش، فالإنسان يعيش لنفسه ولمن حوله، لا ترتقي النفس بالملذّات، ترتقي بالخير الذي تكنزه داخلها، وهو قرر أن يكون إنسانًا خيّر.

فيما يسير بين زِحام بيكّين ورده إتصال مُفاجئ، نظر وإذ به سيهون فأجابه يتمتم بالشتائم بحق نفسه، فكيف له أن ينسى اليوم.

ولكن سُرعان ما انعقدت ملامحه حينما ميّز نبرة الثمالة في صوته، وتأهبت جوارحه قلقًا، لا ينبغي على صديقه أن ينحرف، لا ينبغي...!

" كاي، لم أكن أعلم أن الصين عامرة بالعربدة، تعال سأبعث لك بالعنوان، ودعنا نعود إلى أيامنا الخوالي"

أقفل جونغ إن الهاتف فيما يتمتم بالشتائم بحق صديقه المخبول أيضًا، الذي بلحظة ما ضيّع شقاء سنين، وعاد إلى عاداته القديمة.

ذهب إلى العنوان المذكور بأقصى ما يمكنه، واتصل بصديقه وطبيبه الخاص دونغهي، ليشيره فيما عليه أن يفعله في مثل هذا الظرف.

وحينما أجابه دونغهي قال بإستعجال.

" جونغ إن أدري أن سيهون في إحدى الحانات، فقط ابقى معه، ولا تسمح له بأن يفعل شيء، وسآتي بأسرع ما لدي إليك"

كاد أن يسأله جونغ إن متى أتى، لكنه أغلق مُستعجلًا، يبدو أن الآخر يذكر تاريخ اليوم، حتى جونغ إن إستعجل إلى حيث صديقه.

دخل باب حانة لأول مرة منذ خمس سنين عُجاف، كان ينظر في الأرجاء يبحث عن سيهون بعينيه، ولكن قلبه ينبض بشدة، يكاد أن ينفجر.

إنها حانة تشبه حانات كوريا، لا فرق بين العربدة هنا أو هناك، كل الأماكن في الفسوق واحد.

ولكنه كان مُستاءً حيال صورته في عينيه، فهو استذكر أيام فسوقه، حينما كان يلبس ثياب صارخة ويركض إلى أحواض النساء وكؤوس الخمر.

أغمض عينيه لعل هذه الصور من ذهنه إنقشعت، ولعله إستعاد تركيزه على سيهون الذي أتى لأجله.

وجده يجلس إلى البار فيما تحاذيه إمرأتين عن يمينه وشماله، تقرّب منهم سريعًا وصرفهنّ على الفور.

" غادرنّ سريعًا"

كادت إحداهن أن تضع يدها على صدره، لكنه دفع بيدها عنه ورمقها منزعجًا، فإنصرفت تشتمه، لقد فشل صيد اليوم بسببه.

تنهد، وجلس بجانب سيهون، ثم حينما مدّ سيهون كأسًا إليه أخذه وسكبه أرضًا، ثم تناول المشروب الذي أمام صديقه وسكبه.

أمسك بذراع سيهون يريد أن ينهضه لكن الأخير تثبت في مكانه يقول.

" تعلم ما اليوم؟!"

تنهد جونغ إن وحاول إنهاضه دون أن يقول شيء، نعم يعلم؛ لكنه كان غاطسًا في الحب لدرجة أنسته همّ صديقه هذا.

تحدث سيهون بما أن صديقه يلزم الصمت.

" أنه ذكرى وفاة ابنتي، نعم صحيح!"

ثم ضحك بثمالة واتبع.

" ربما كان خيرًا لها أن تموت على أن تحصل عليّ أبًا لها"

أسند جونغ إن ذراع سيهون إلى كتفه، وسار به كي يخرج من هذا المكان، لكن سيهون أبى، ورمى بجسده على إحدى الآرائك الشاغرة.

نظر له جونغ إن فيما يقف مُستاءً، وإذ بدونغهي يدخل، فورما رآه سيهون نهض، وكأن النشاط دبّ فيه مرة واحدة، وأخذ يهاجمه ويلكمه فيما يصرخ.

" قتلت ابنتي، وما زلت تظهر في حياتي كأنك لم تكن من دمّرها، أكرهك يا رجل، أريد أن أقتلك!"

أبعد جونغ إن سيهون عن دونغهي، لينهض الأخير عن الارض فيما يمسح الدماء عن شفتيه، تنهد واقترب منه.

" نحن علينا أن نحل مشكلتنا حالًا، وأنت ستعود معي إلى كوريا"

إلتفت إلى جونغ إن وربّت على كتفه يقول.

" غادر أنت الآن، أدري أن تواجدك في مثل هذا المكان يزعزع عليك إستقرار نفسك، شكرًا لك"

تنهد جونغ إن فيما ينظر إلى صديقه ثم غادر، فهو حقًا يجبر نفسه أن يبقى ثابتًا في مثل هذا المكان، الماضي يؤلمه، وهو قد قرر مسحه من حياته.

.............

في الصباح التالي؛ كان جونغ إن يسير في إحدى أروقة المدرسة التي تنتهي بصفه الأول في جدوله اليوم.

وفي سيره؛ صُدفة قابل أوكتافيا تسير بصُحبة لوكاس فيما يقومان بجولة صباحية بين أقسام المدرسة لتفقد أمورها.

إستوقفها جونغ إن باسمًا.

" صباح الخير سيدتي"

اومأت أوكتافيا برأسها دون أن ترفع بصرها عن الأوراق واتبعت سيرها برفقة مساعدها الذي لزم الصمت رغم غرابة الموقف، تلاشت إبتسامة جونغ إن فيما يراقبها تبتعد بهذا الإهمال.

لم يفهم إن كانت تتجاهله فعلًا، أم كانت فقط مشغولة، وستتعامل معه بطريقة عمليّة أثناء ساعات الدوام الرسمي مهما كان منها مُقربًا في الحيّز الخاص.

على آية حال؛ سيفهم اللبس الذي أصابه بسببها بعد المدرسة، فاليوم سيجتمع معها وابنته على طاولة الغداء كما تقرر أن يفعلا كل يوم لتوطيد علاقتهم معًا.

قضى يومه كما المُعتاد بين طلبته ودروسه حتى آلت ساعات الدوام إلى نهايتها، استعجل نفسه إلى المطعم، الذي يلتقي بها فيه عادة لأجل وجبة الغداء معها ومع ابنته.

وصل إلى هناك، لكنه تفاجئ بها تجلس وحدها، ولارا لم ترافقها، جلس قِبالتها وتسآل.

" أين لارا؟ هل حدث شيء معها؟!"

تنهدت أوكتافيا فيما تبحث بهاتفها عن شيء ولم تجبه، لحظ من ملامحها المُمتعضة أنها تسخط عليه بشيء ما، فتسآل.

" أوكتافيا، ما بكِ؟!"

قدمت له هاتفها ليطّلع عليه، وإذ بها عِدة صور أُلتقطت له من الحانة التي ذهب لها البارحة، سُرعان ما تنهد مُستاءً، واستمع إلى لومها وتوبيخها.

" هذه هي إستقامتك وتوبتك؟ هذه هي وعودك؟! من الجيد أني وجدت من يمسك بيدي قبل أن أسقط في فخك مجددًا"

كادت أن تنهض؛ لولا أنه تمسّك بمعصمها سريعًا وجعلها تجلس مجددًا، ثم جعل يحاول أن يشرح موققه لها بما أن العصبيّة تتطير من عينيها، وهو قد وقع في مأزق وانتهى الأمر.

" أوكتافيا، دعيني أشرح لكِ ما حدث معي، الأمر ليس كما ترينه في الصور، أنا لم أعد إلى هذا الطريق أبدًا!"

سحبت يدها منه وقالت فيما تقف وتحزم حقيبتها.

" هذه المرة لن أسمح لك أن تخدعني أبدًا، لن أتلمس لك العُذر مهما حاولت أن أفعل!"

إمتعضت ملامحه ونهض خلفها يتبعها.

" أوكتافيا اسمعيني رجاءً!"

لحق بها فيما يحاول إقناعها أن تسمعه، لكنها تأبى حتى استقلت سيارتها وغادرت.

تنهد جونغ إن بأستياء شديد، ووقف متخصرًا يراقب سيارتها تُغادر، لعن مرات عِدّة الطبيب زانغ، فلا أحد غيره سيقوم بشيء كهذا، لا أحد له مصلحة في إلحاق الضرر به بهذه الطريقة سواه.

يود أن يذهب ويحطم له عِظام فمه الثرثار، لكنه لن يفعل، لا يريد أن يزيد موقفه سوءً.

...

وبالفعل؛ اليوم إستيقظت أوكتافيا على رنين هاتفها وإذ به يشينغ، بصعوبة إستقامت عن سريرها وميّزت اسمه الذي ينير شاشتها.

فركت عيناها ثم قعدت تُضيء الأنوار على المنضدة القريبة.

" مرحبًا، يشينغ! ماذا دهاك تتصل بي بالخامسة صباحًا؟!"

كان صوته ثابتًا، أنها الخامسة صباحًا بالفعل، لكن يشينغ يكون فوق رأس عمله في هذا الوقت.

" أتصل بكِ لأخبركِ بأنكِ لا تعرفي بمن وجب عليكِ أن تثقي به ومن لا تثقي، انظري إلى الصور التي بعثتها لكِ، وعفوًا على الخدمة"

أغلق المُكالمة، ثم نظرت في الصور الحصريّة التي بعثها لها، وإذ بها لجونغ إن من حانة الأمس بصُحبة رفيق السوء سيهون تقربه إحدى فتيات الهوى.

في البداية إستنكرت ورفضت أن تصدق ما تراه، فلقد رأت الصدق في عينيه وسلوكه، ولقد قدم إثبتات كثيرة على حُسن نواياه معها، ثم أخذت بعض الوقت لتشك وتفكر،، ثم تأكدت بأنه يخدعها من جديد.

فهي في المرة الأولى وقعت له بالخداع، والآن يخدعها بالتغيير؛ كي يستحوذ عليها من جديد، ولا تقدر على التخلص منه مجددًا، لذا قررت أن هذا قطعًا بينهما للأبد.

ذلك الإنفصال الذي سبق العلاقة سبب فيها جُرح في قلبها بالفعل، لكنه لم يكن قطع ولا شرخ، كان شيئًا أقل من ذلك، ستتعافى قريبًا منه مهما تألمت فلا بأس، أن تنجرح الآن خيرًا من أن يقتلها بخداعه لاحقًا.

آتى جونغ إن في المساء ليراها، ولكن الحارس لم يسمح له بالدخول إلى العمارة السكنيّة، فلقد سبق ونبّهت عليه أوكتافيا؛ ألا يسمح له بالدخول إليها مهما قال وفعلت، إنتظر قليلًا، لكنه في النهاية غادر مُبتئسًا.

في اليوم التالي؛ توجّه إلى مكتبها فور وصوله إلى المدرسة، لكن لوكاس إعترض طريقه واعتذر بأنه لن يستطيع أن يسمح له بالدخول بأمر من أوكتافيا.

زاول عمله؛ فهو لا يملك خيارًا آخر، وكان متنبهًا لو ظهرت خارج مكتبها لكنها لم تفعل إطلاقًا، وكأنها تشعر بأنه سيتربص بها لو رآها، بعد المدرسة ذهب إلى المطعم، لكنها لم تأتي مهما انتظر.

عاد جونغ إن إلى شِقّته خائبًا، فكل محاولاته لإقناعها والتفاهم معها باءت بالفشل، هي لا تمنحه الفُرصة حتى.

شعر بالضعف الشديد، اليأس، والخيبة، فكيف لسوء تفاهم سخيف كهذا أن يُحطم كل ما بناه منذ عدة أشهر؟! هل نجحت صورة مقيتة بمسح كل براهينه من عقلها؟

يشعر بالعجز كذا بالقنوط، أوكتافيا إمرأة حريصة من ناحيته، وهو لا يمكنه أن يلومها لمثل هذا السبب، يتفهمها لكنه لا يريد أن يتركها وتتركه لمثل هذا السبب.

ورده فجأة إتصال من تيمين أخرجه من قوقعة فكره، فأجابه.

" جونغ إن، كيف حالك؟"

تنهد جونغ إن وأجابه.

" صدقًا أنا لا أدري، أشعر بأن الدنيا تضيق علي"

وصله صوت تيمين قلقًا.

" لماذا؟ ما الذي حدث معك؟"

" أخي، هل يمكن أن تبني علاقة دون ثقة؟"

تريث تيمين في الإجابة.

" بالطبع لا يمكن"

تنهد جونغ إن وهمس يومئ.

" لهذا لا يمكن لعلاقتي بأوكتافيا أن تنجح كما أريد"

" لِمَ؟ ما الذي حصل معك؟"

اشتكى بصوت خافت، لكن الحرقة في قلبه تستشري في كل صدره وتؤلمه.

" لا يمكنني أن أستعيد حياتي يا أخي، الماضي سيعرقل طريقي إلى الأبد!"

" هل فهمت أوكتافيا وجودك بالحانة الأمس على نحو خاطئ؟"

تفاجئ جونغ إن مما قال أخيه.

" نعم، ولكن كيف تعلم عن وجودي بالحانة الأمس؟!"

" أنا أعرف كل شيء، الآن أغلق، أحدثكَ لاحقًا"

أغلق تيمين الإتصال مع جونغ إن على الفور، واتصل فورًا بأوكتافيا، فهو لديه رقمها وعلاقة معها رغم غُربتها عن موطنها وأهلها، فهي تهمه وابنة أخيه بالطبع تهمه.

" أوكتافيا، مرحبًا"

نظرت أوكتافيا إلى الساعة على معصمها، وإذ بها الحادي عشر ليلًا، لذا حدّثته بنبرة مستغربة، فهذه ليست مواقيته، لكن موضوعه بالفعل لا يؤجل.

" أهلًا تيمين، تتصل بوقت متأخر، ليس من عادتك، لارا قد نامت بالفعل لو كنت تريدها"

أجاب.

" لستُ أريد لارا، أعتذر عن الإتصال في مثل هذه الساعة المتأخرة، لكنني بحاجة لأن أتحدث معكِ الآن، ولا يمكنني أن أصبر حتى الغد"

قبضت حاجبيها وقد ساورها القلق من نبرته وطريقة كلامه فقالت.

" ما الذي حدث تيمين؟ هل الجميع بخير؟"

" أنتِ الذي ماذا حدث؟ أما زلتِ لا تُصدقي جونغ إن؟"

تنهدت أوكتافيا منزعجة من هذا الحديث، لم تكن تدري أن جونغ إن إستعاد علاقته مع أخيه لدرجة تؤهله لأن يشكوها له.

وتيمين أتبع كلامه على آية حال، أعجبها الحديث أم لم يعجبها، سيقول ما لديه مهما كلّفه الأمر، لا يطيق أن يرى أخيه مظلومًا بعد هذه المرحلة، ولا يمكن أن يسمح لمثل سوء الفهم هذا أن يدمر كفاح وجهود أخيه. 

" تعلمين أنني لن أقف بصف أخي بشكل أعمى، صدقيني أنني أحرص الناس عليه، أراقبه وأعرف كل تحركاته وهو لا يدري، لقد أثبت ولائه لطموحاته الجديدة، والآن دوركِ أن تصدقيه"

أرادت أن تعترض، لكنه قصّ عنها دابر الكلام.

" لكن..."

" جونغ إن بالفعل ذهب إلى الحانة في ذلك اليوم، لكنني أفخر به، تعلمين لماذا؟!"

برمت شفتيها.

" لستُ أدري، لماذا؟"

" لأنه أثبت قوّته أيضًا، لقد كنت أخاف لو أنه دخل هذا المكان أن يضيع كل تعبه هباءً ويعود إلى سابق عهده من العربدة، لكنه كان أقوى مما ظنت"

" هو لم يذهب من أجل نفسه يا أوكتافيا، لم يشرب، ولم يصاحب فتاة، ولم يفعل شيء، هو حتى لم يجلس، و وجوده هناك لم يتعدى محض دقائق بسيطة!"

" لقد ذهب لأجل صديقه سيهون، ربما تكوني تعرفينه، كان يمر بظرف صعب، وكاد أن يغرق في الوحل ذاته مجددًا لولا أن جونغ إن تدخل وطلب المساعدة، هذا ما حدث"

لزمت أوكتافيا الصمت فيما تدعك جبينها بإرهاق، هكذا هي الأمور إذن، لكن ما زال هناك أزمة قائمة بينهما، أزمة الثقة.

" أوكتافيا؟!"

" ماذا؟!"

" ألا تصدقيني؟!"

تنهدت تجيبه.

" أصدقك، لكن..."

صمتت لبضع لحظات.

"لكن ماذا؟!"

" تيمين، الأمر أكبر من مجرد سوء تفاهم حدث بيننا، رغم أنه قدم الكثير من الإثباتات لكن نفسي ما زالت عامرة بالشك ناحيته، لا يمكنني أن أثق به، ولا أن أحلل سلوكه بحُسن، دومًا ما أخاف أن يخدعني، تيمين لا يمكن لمثل علاقتنا أن تولد بصلاح، لأنها عاشت بفساد سابقًا."

تنهد تيمين ثم أجابها.

" أتفهمك، ولكن أرجو أن تفكري مليًّا قبل أن تفصليه عنكِ مرة أبديّة، حسنًا؟!"

همهمت ثم أغلقت الخط، إرتمت على سريرها فيما تفكر وتتنهد كثيرًا، قضت ليلتها تفكر، ولم تنم ولو لدقيقة.

الثقة؛ هي أساس أي علاقة، لا يمكن لعلاقة أن تنبني بنجاح دون الثقة، فهي الأساس التي ترتكز عليه العلاقة.

تشعر باليأس اتجاه هذه العلاقة، فهي لا يمكنها ألا تشك به، ألا تخاف من خُدعِه، أن تثق به، كل هذا أصعب من أن تقدر على فعله، يصعب عليها أن تمضي معه وكأنه شخص جديد بلا سوابق معها.

ما دامت لا تتقبل الماضي ولا تصدق هذا التغيير؛ لا يمكن لمثل هذه العلاقة أن تنجح أو تستمر إطلاقًا.

ستتركه يذهب، لأجله ولأجلها، لعلهما وجدا مستقبلًا أفضل من مستقبل يجمعهما معًا، يبقى الإنفصال عنه مستقبل لا تحفّه المخاطر كما يكون لو إستمرّا.

...............................

كان جيمين يسير بجولة إستطلاعية على أعمال مُتدربيه، جميعهم يعملون بنشاط طالما عينه عليهم، عداها هي.

منذ أن دخل؛ تركت ما يشغلها، وإنشغلت في النظر إليه، تنهد جيمين وأشار إلى طاولتها؛ كي تركز بعملها وتتركه وشأنه، لكنها أبت تشير بكتفيها أن لا.

تنهد واقترب منها، ثم إتكز بذراعيه إلى طاولتها، فأمالت رأسه تنظر في ملامحه البديعة بزاوية أفضل، حتى أنه خجل، وأدبر بوجهه عنها يتحمحم، ثم قال.

" أنتِ هنا لتتعلمي لا لتنظري في وجهي، ركزي بعملك، سأطردك إن حصلتِ على تقييم منخفض"

دون أن تحرك عينيها من عليه قالت.

" لن أمنحك الفرصة لتطردني، ولم أكن أنظر إليك سيدي"

رمقها بسخط فاتسعت إبتسامتها، حينها أدبر يتمتم وتظنه يشتمها، لا بأس، فليشتمها على راحته، ولتلعب بأعصابه على راحتها.

ستضعفه وتضعفه ثم تعترف له، لن تعترف بلا ضمانات أكيدة، ستحصل عليه ولكن بحرص وحذر.

عاد جيمين إلى مكتبه يزفر بإبتئاس، ورمى بجسده على مقعده يتذمر بمِلئ صوته.

" يا لها من فتاة لعوب! منذ أن عرفتها وهي تحوم حولي، والآن تتصرف وكأنني ما عدتُ مركز إهتمامها"

أيعقل أنها تهتم برجل آخر بالفعل؟

من يكون؟ إحدى المتدربين؟!

نفض الأفكار عن رأسه يهمس.

" لا، لا، هذا مستحيل! هي تحبني أنا!"

..................

هي تجرؤ ما تحبك أصلًا جيمينشي😭

سلاااااااام

اليوم الفصل لاوكتافيا وجونغ إن😎

طبعًا يا جماعة أنقل لكم الأخبار الساخنة، إحتمال كبير جدًا أنه يكون الفصل الجاي هو الأخير، لهيك فرجوني حماسكم.

الشرط بسيط، حققوه😒

الفصل القادم بعد 100 فوت و 200 كومنت.

1.رأيكم بجونغ إن؟

2.رأيكم بأوكتافيا؟

3.رأيكم بتيمين؟!

4.رأيكم بكيم وبارك جيمين؟

5.رأيكم بزانغ؟

6.رأيكم بالفصل ككل؟

7.توقعاتكم للنهاية؟!

دمتم سالمين♥️
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
Love♥️










© Mercy Ariana Park,
книга «تفاح محرم».
CH51|| إعتذارات ومعاذير
Коментарі